الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع باب شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمائل المحمدية، ويوضح من خلال حديث أنس بن مالك أن النبي لم يخضب شيبه لقلة مقداره واقتصاره على الصدغين، بينما خضب أبو بكر بالحناء والكتم، مع بيان معاني الخضاب والحناء والكتم.
يستعرض المقطع أحاديث أنس بن مالك وجابر بن سمرة رضي الله عنهما في وصف شيب النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أنه كان قليلاً جداً (أربع عشرة أو دون عشرين شعرة) ومتركزاً في الصدغين والعنفقة والرأس، ويوضح أن الدهنة تخفيه، مع ذكر خضاب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بالحناء والكتم.
يستعرض المقطع أحاديث الصحابة في وصف شيب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان قليلاً جداً نحو عشرين شعرة بيضاء، ويذكر سبب الشيب كما ورد عن أبي بكر وابن عباس وأبي جحيفة بأنه سورة هود وأخواتها، مع بيان حال أسانيد هذه الأحاديث وتقويتها بالشواهد.
يتكرر في المقطع اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين دون تقديم أي معلومات إضافية عنها.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى أبو عيسى ابن سورة الترمذي رحمه الله تعالى في كتابه القيم النافع "الشمائل المحمدية": قال رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم". باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الباب كالأبواب التي سبقت التي تتعلق بأوصاف وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية. وقوله: "ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، الشيب المقصود به تحول لون الشعر من لونه الأصلي إلى البياض. ما هو لون الشعر الأصلي يا أبا طاهر؟ أسود. أو أحسن: الأغلب أن يكون لون الشعر أسود، لكن قد يوجد عند البعض -كفي بلادي العجم، في بلادي الإفرنج- آه، يكون شعر أو لون الشعر بني. فكون الشعر يتحول من لونه الأصلي إلى البياض، فهذا يسمى شيباً، هذا يسمى شيباً. والمصنف رحمه الله تعالى عقد هذه الترجمة لكي يبين ما يتعلق بشيبه صلى الله عليه وسلم، يعني: هل وجد في شعر رأسه ولحيته عليه الصلاة والسلام شيب أم لم يوجد؟ وإن وجد فما مقدار هذا الشيب؟ فما مقدار هذا الشيب؟ وذكر رحمه الله تعالى جملة من الأحاديث في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا محمد ابن بشار". محمد ابن بشار هذا من مشايخ الترمذي، وهكذا هو من مشايخ البخاري وغيرهما. محمد ابن بشار، ما لقبه؟ ما لقبه يا سعيد؟ ما لقبه؟ مر معنا مراراً، نعم: بندر أو بندار. فما معنى "بندار"؟ ما معناها؟ نعم، ذاك غيره، ذاك محمد ابن جعفر الملقب بغندر. لكن "بندر" أو "بندار" هذا مدح، وذاك ذم. فما معنى...؟ نعم: واسع العلم. أحسنتم. "بندار": أي واسع العلم. قال: "قال: أخبرنا أبو داود". قال: "أخبرنا همام". وأبو داود ليس السجستياني صاحب السنن، وإنما هو غيره: طيالسي. قال: "أخبرنا همام عن قتادة، قال: قلت لأنس ابن مالك: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يبلغ ذلك، لم يبلغ ذلك. إنما كان شيباً في صدغيه. ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم". وهذا الحديث حديث أنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه أصله في الصحيح، أصله في الصحيح، أخرجه البخاري رحمه الله تعالى وغيره. وهنا قتادة ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى، أحد أعلام التابعين، يسأل أنس ابن مالك. وأنس ابن مالك أبو حمزة الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه منذ أن قدم إلى المدينة إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، دعا له بزيادة البركة في العمر، وهكذا في المال والولد. كان أنس من أواخر من مات من الصحابة بالبصرة، بالبصرة، وكان كثير العيال في زمن الحجاج ابن يوسف، دفن من أولاده قالوا: نحوا من ستين. وكان بستان أنس... آه، ماذا يثمر في السنة؟ مرتين في السنة، مرتين. قتادة يسأل أنسا: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والخضاب هو تغيير الشيب بالحناء أو بالكتم أو بغيرهما. الحناء إذا وضعت على الشعر الأبيض تجعله يميل إلى الاحمرار، أو الصفرة. وأما الكتم فهو نبات أيضاً معروف، إذا وضع على الشعر الأبيض يجعله يميل إلى السواد. وإذا خلط الحناء بالكتم يجعل لون الشعر... ماذا؟ أحمر داكن يميل إلى السواد، يميل إلى السواد. وكلا الأمرين يجوز: تغيير الشيب بالحناء وتغييره بالكتم جائز، أو بغيرها مما لا مضرة منه، ويجتنب في هذا السواد. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في أبي قحافة والد أبي بكر الصديق لما أتي به في عام الفتح: "غيروا هذا الشيء واجتنبوه السواد". لما سئل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا السؤال، قال: "لم يبلغ ذلك، لم يبلغ ذلك"، أي أن الشيء الذي كان موجوداً في النبي صلى الله عليه وسلم كان يسيراً، وكان قليلاً، لا يبلغ أن يقوم صاحبه بأن يغيره ويخضبه بالحناء أو بغيرها. كان الشيء قليلاً جداً، يسيراً جداً، وهكذا كان، وهكذا كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "قال: إنما كان شيباً في صدغيه"، في صدغيه. وقوله: "إنما كان شيباً"، في رواية البخاري رحمه الله تعالى: "قال: إنما كان شيئاً"، أي شيئاً يسيراً من البياض والشيب الذي في شعره. قال: "في صدغيه"، في صدغيه. والصدغان: المقصود بالصدغ هو ماذا؟ هو ما بين العين والأذن، ما بين العين والأذن، هذا الموضع يسمى صدغاً. ما بين العين إلى الأذن هذا يسمى صدغاً. وسيأتي كذلك أيضاً، سيأتي في الأحاديث الأخرى أن شيب النبي صلى الله عليه وسلم كان في صدغيه، وهكذا أيضاً في العنفقة، وتسمى أيضاً العنفطة، وهي ماذا؟ المقصود بها: ما بين الذقن والشفة السفلى، هذا الشعر يسمى عنفقة، يسمى عنفقة. ومن أهل العلم من يلحقه بالشارب فيجيز الأخذ منه، ومنهم من يلحقه باللحية فيمنع الأخذ منه. كان الشيء أيضاً في صدغيه، وهكذا في عنفقته، وهكذا أيضاً كان نبذاً في رأسه، نبذاً يعني شعيرات متفرقة في ماذا؟ في رأسه عليه الصلاة والسلام. وهنا نفى أنس رضي الله تعالى عنه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الخضاب، نفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الخضاب. وهذه فيها خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما سيأتي الإشارة إلى ذلك. قال رحمه الله تعالى: "قال: ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم". أبو بكر نعم، كان يخضب الشيب الذي فيه، وكان كثير الشيب، كان يخضب ذلك بالحناء، وهكذا أيضاً بالكتم، وهكذا بالكتم. و... ماذا؟ قوله: "ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم"، هذه ليست في البخاري، وإنما في صحيح مسلم. وزاد مسلم: "قال: ولكن أبو بكر وعمر"، زاد مسلم أيضاً عمر رضي الله تعالى عنهما. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا إسحاق ابن منصور ويحيى ابن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس، قال: ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته، ولحيته، إلا أربع عشرة شعرة بيضاً، إلا أربع عشرة شعرة بيضاً". وأنس كان كثير ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم"، في رأسي أي في شعر الرأس، في شعر الرأس. هنا يا إخوان يطلق الشيء، أي العضو من الإنسان، ويراد به الشعر، فيقال: "احلقوا الإبط" أو "انتفوا الإبط" يعني: انتفوا شعر الإبط. وهكذا يقال: "العانة"، احلقوا العانة يعني: شعر العانة. وهكذا يقال: "الرأس" يعني به شعر الرأس. قال: "في رأسي" أي في شعر رأسي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته، إلا أربع عشرة شعرة بيضاء، شعرة بيضاء. جاء في حديث أنس في الصحيحين في وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في أوائل، في أوائل الكتاب في "باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أن أنسا رضي الله عنه قال: "وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، عشرون شعرة بيضاء". ولا منافاة ولا مخالفة بينهما: يقول: "ليس في رأسه ولا لحيته عشرون شعرة بيضاء"، إذن هو أقل من العشرين. وهنا يقول: "أربع عشرة شعرة بيضاء". وهذا كله يدل على أن الشيب كان فيه عليه الصلاة والسلام يسيراً، قليلاً جداً. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا محمد ابن المثنى، قال: أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة عن سماك ابن حرب، قال: سمعت جابر ابن سمرة". وجابر ابن سمرة هو من بني عامر ابن صعصعة السوائي العامري، أبو عبد الله الكوفي، ويقال: أبو خالد. يقال في جابر ابن سمرة: أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد. وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر عنه في التقريب: صحابي ابن صحابي، له ولأبيه سمرة... آه، ماذا لهما؟ صحبة، لهما صحبة. قال: "قال: سمعت جابر ابن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن الشيب الذي وجد في رأسه ولحيته، قال: فقال: كان إذا دهن رأسه لم يرَ منه شيب". كان، أي النبي صلى الله عليه وسلم، إذا دهن رأسه، أي شعر رأسه، لم يرَ منه شيب. "وإذا لم يدهن رؤيَ منه، رؤيَ منه". هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى كذلك في صحيحه. وقول جابر ابن سمرة رضي الله تعالى عنهما: "كان إذا دهن رأسه لم يرَ منه شيب"، لم يرَ أي: أن الشيب يختفي، الشيب يختفي فلا يتبين. ولماذا يختفي ولا يتبين؟ لأنه قليل جداً ويسير جداً. فهذا يدل على ما سبق في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أن شيبه عليه الصلاة والسلام كان يسيراً قليلاً، كان يسيراً قليلاً. "وإذا لم يدهن، رؤيَ منه"، أي: ظهرت الشعيرات البيضاء التي كانت فيه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا محمد ابن عمر ابن الوليد الكندي الكوفي، قال: حدثنا يحيى ابن آدم عن شريك عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن عبد الله ابن عمر، قال: إنما كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً، نحواً من عشرين شعرة بيضاء، من عشرين شعرة بيضاء". وهذا الحديث حديث عبد الله ابن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أخرجه الترمذي ها هنا، وهكذا أيضاً أخرجه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجه، وغيرهما، وغيرهما. والحديث من طريق... من طريق شريك، ويعرف: شريك القاضي. وشريك القاضي هذا تكلم العلماء في حفظه، قالوا: لما ولي القضاء ساء حفظه، ساء حفظه. لكن الحديث يا إخوان له شواهد كثيرة، فيشهد له ما سبق كحديث أنس في الصحيحين، وهكذا أيضاً حديث جابر ابن سمرة وغيرها من الأحاديث. ولهذا صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "صحيح الجامع" وغيره. عبد الله ابن عمر يقول ها هنا في وصف شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه كذلك أيضاً بالقلة، أنه كان قليلاً ويسيراً جداً. قال: "إنما كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً"، وكلمة "نحواً" بمعنى: قريباً من، قريباً من. قال: "نحواً من عشرين شعرة بيضاً، من عشرين شعرة بيضاً". وهذا يا إخوان يتفق مع ما سبق في حديث أنس، وهكذا ما سبق في حديث جابر ابن سمرة رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا أبو كريب محمد ابن العلاء"، وهو الهمداني، أحد مشايخ البخاري ومسلم الأجلاء. ولاحظوا: الترمذي مع أنه تلميذ للبخاري إلا أنه شاركه في مشايخ كثر، روى عنهم البخاري، وهكذا روى عنهم الإمام الترمذي. قال: "قال: حدثنا معاوية ابن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس". وابن عباس هو البحر في العلم، وهكذا الحبر في قوة العلم، أبو العباس عبد الله ابن عباس ابن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه. دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، يعني: التفسير. فكان ابن عباس آية من علماء الصحابة، كان آية في التفسير، آية في التفسير. قال: "قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت". وأبو بكر هو الصديق، أبو بكر كنيته، والصديق لقبه. فما هو اسمه؟ فما هو اسمه؟ فما هو اسمه؟ فاروق، أين فاروق؟ فما هو اسمه عندك يا عبد الرحمن؟ ابن عبد الله ابن ياسين، عندك استيقظ. ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي بكر الصديق، عبد الرحمن، ما اسمه؟ أبي بكر الصديق، عبد الله ابن أبي قحافة. أحسنت. وأبو قحافة والده، ما اسمه يا أبا مريم؟ عثمان. فأبو بكر الصديق هو عبد الله ابن عثمان، وعثمان كنيته أبو قحافة، وهو تيم قرش، من بني تيم، وهي بطن من بطون قريش. قال: "قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت، قد شبت". قال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعمّا يتساءلون، وإذا الشمس كورت، وإذا الشمس كورت". قال رحمه الله تعالى: "حدثنا سفيان ابن وكيع، قال: حدثنا محمد ابن بشر عن علي ابن صالح عن أبي إسحاق... جحيفة، وأبو جحيفة هو السوائي، وهب ابن عبد الله السوائي، وهو صحابي صغير، صحابي صغير. قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت. قال: شيبتني هود وأخواتها، شيبتني هود وأخواتها". وهذان الحديثان تكلم العلماء في إسنادهما، فذهب جماعة من أهل العلم إلى ضعفهما، إلى ضعفهما. وسفيان ابن وكيع في حديث أبي جحيفة مر معنا أنه ضعيف، وأبوه إمام. لكن الحديثان لهما شواهد، وهكذا يشهد أحدهما للآخر، فيتقوى. ولهذا صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى على ضعفه. يأتي معنا التعليق عن هذين الحديثين وتتمة الباب إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. وفق الله، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.