وصف الجنة من نونية ابن القيم  1

وصف الجنة من نونية ابن القيم 1

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وصف الجنة في نونية ابن القيم وشرح ابن عثيمين

يستهل الدرس بأبيات من نونية ابن القيم تصف الجنة معتمداً على شرح ابن عثيمين، مبيناً أن الجنة موجودة الآن ومعدة لأولياء الله. يفسر قوله "يا خاطب الحور الحسان" كدعوة تشويقية للنعيم، ويؤكد أن التقصير سببه الجهل بحقيقة ما أعد الله.

اليقين بالموت وثمن الجنة وسبل نيلها

يؤكد ابن عثيمين أن الموت حق مؤكد بتوكيدين في القرآن، ومع ذلك يغفل الناس عن الاستعداد له لجهلهم بحقيقته. ثمن الجنة ليس المال بل الإيمان والعمل الصالح، وعلى المسلم السعي لها بجد وعشق مشروع.

الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر: تحذير من الاغترار

يشرح ابن القيم تحذيره من الاغترار بالدنيا الفانية ويشبهها بالسجن للمؤمن والجنة للكافر، مستشهداً بقصة ابن حجر العسقلاني مع اليهودي التي أسفرت عن إسلامه. يختم بمقارنة صفات أهل الدنيا من جهل وبطالة بأهل الآخرة الذين يحرصون على أوقاتهم في طاعة الله.

ختام الدرس ووعد بمواصلة وصف الجنة

أعلن المتحدث انتهاء ما تيسر ذكره من الأبيات، ووعد باستكمال وصف الجنة في دروس قادمة. ثم ختم بالشكر والتسليم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا الوقت بعد صلاة العصر نأخذ أبياتا رائعة من أبيات ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته المشهورة بالنونية، واخترنا ما يناسب المقام، ألا وهو الأبيات المتعلقة بوصف الجنة. وتعلمون مكانة هذه النونية عند أهل السنة، فلقد ذكر فيها ابن القيم معتقد أهل السنة والجماعة، سواء كان في باب الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، وما يتعلق بذلك مما عليه أهل السنة من معتقد وسلوك ومنهج، فهي منظومة جامعة، اهتم بها أهل العلم شرحا وبيانا لمعانيها. ومن أولئك الشارحين لهذه المنظومة الفقيه العلامة العالم محمد بن الصالح العثيمين عليه رحمة الله، فإن شاء الله نستعين بشرحه ونذكر شرحا مختصرا مما ذكر حول هذه الأبيات، وهكذا نأخذ مقتطفات ومختارات من هذه المنظومة فيما يتعلق بوصف الجنة. وقد يقول قائل: لماذا لا يكون وصف الجنة من القرآن والسنة؟ فالجواب أن ابن القيم عليه رحمة الله لخص في أبياته مجمل ما جاء في الكتاب والسنة من وصف الجنة، والنفوس تشتاق لوصف الجنة لأن الجميع حولها يدندن، فكلما علم المسلم ما أعده الله عز وجل له في هذه الجنة من نعيم مقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يشتاق إلى هذه الجنة ويعمل للوصول إليها، فهو من باب التذكير ومن باب الحث لأنفسنا للجد والاجتهاد لسلوك طريق الجنة. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة. يقول ابن القيم في أول هذه الأبيات في وصفه للجنة: "فصل فيما أعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة". قال ابن العثيمين في قوله: "فيما أعد الله تعالى في الجنة": أفادنا ذلك أن الجنة الآن موجودة، أن الجنة الآن موجودة، وهو كذلك لقول الله عز وجل: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾، فقد أعدها الله عز وجل لعباده المتقين المؤمنين، ولذلك قال: "لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة". وهذا أفادنا أيضا أن الذي ينال هذه الجنة هم المتمسكون بالكتاب والسنة، وهم أولياء الله، وهم المؤمنون المتقون، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، فإذن هذه الجنة لهؤلاء. أفادنا ابن القيم في تبويبه لهذا الفصل. ثم قال رحمه الله: يَا خَاطِبَ الْحُورِ الْحِسَانِ وَطَالِبَا ** لِوَصَالِهِنَّ بِجَنَّةِ الْحَيَوَانِ لَوْ كُنْتَ تَدْرِي مَنْ خَطَبْتَ وَمَنْ طَلَبْتَ ** بَذَلْتَ مَا تَحْوِي مِنَ الْأَثْمَانِ أَوْ كُنْتَ تَدْرِي أَيْنَ مَسْكَنُهَا ** جَعَلْتَ السَّعْيَ مِنْكَ لَهَا عَلَى الْأَجْفَانِ وَلَقَدْ وَصَفْتُ طَرِيقَ مَسْكَنِهَا ** فَإِنْ رُمْتَ الْوِصَالَ فَلَا تَكُنْ بِلْوَانِي أَسْرِعْ وَحُثَّ السَّيْرَ جَهْدَكَ إِنَّمَا ** مَسْرَاكَ هَذِهِ سَاعَةٌ لِزَمَانِي فَاعْشَقْ وَحَدِّثْ بِالْوِصَالِ النَّفْسَ وَ ** ابْذُلْ مَهْرَهَا مَا دُمْتَ ذَا إِيمَانِي وَاجْعَلْ صِيَامَكَ قَبْلَ لِقْيَاهَا ** وَيَوْمَ الْوَصْلِ يَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانِي وَاجْعَلْ نَعُوتَ جَمَالِهَا الْحَادِيَ ** وَسِرْ تَلْقَى الْمَخَاوِفَ وَهِيَ ذَاتُ أَمَانِي لَا يُلْهِينَّكَ مَنْزِلٌ لَعِبَتْ بِهِ ** أَيْدِي الْبَلَا مُدَّ سَالِفُ الْأَزْمَانِ فَلَقَدْ تَحَوَّلَ عَنْهُ كُلُّ مَسَرَّةٍ ** وَتَبَدَّلَتْ بِالْهَمِّ وَالْأَحْزَانِ سِجْنٌ يَضِيقُ بِصَاحِبِ الْإِيمَانِ ** لَكِنَّ جَنَّةَ الْمَأْوَى لِذِي الْكُفْرَانِ سُكَّانُهَا أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْبَطَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ ** أَنْجَسُ السُّكَّانِ وَأَلَذُّهُمْ عَيْشًا فَأَجْهَلُهُمْ بِحَقِّ اللَّهِ ثُمَّ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ فقوله رحمه الله: "يا خاطب الحور الحسان وطالبا لوصالهن بجنة الحيوان"، الحور الحسان يريد بهن الحور العين، الحور العين، فيا من تريد الوصول إلى الحور الحسان، وهذه دعوة من المؤلف حميدة كما قال ابن العثيمين عليه رحمة الله، لأن النفوس تشتاق إلى ذلك، كل يريد الوصول إلى هذه الحور التي وصف الله عز وجل في كتابه جمالهن وحسنهن، وكذلك ما بلغنا فيه من الحسن والكمال. لكن هناك ما هو ألذ من الوصول إلى الحور العين، وهو الوصول إلى رضا الله ورؤية الله عز وجل، وهذا سيذكره المؤلف فيما بعد، ولكن بدأ المؤلف بهذه الدعوة، وهو ذكر الحور العين من باب التشويق والمقدمة، من باب التشويق والمقدمة. والحور يقولون أهل اللغة: لا تكون المرأة حوراء إلا إذا بيض وجهها وسودت عينها، فهذه قمة في الجمال، فسواد العينين في بياض الوجنتين هذا هو الحور، هذا هو الحور. فيقول: "يا خاطب الحور الحسان"، وهذه الأوصاف جاءت في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾، والخيرات قال المفسرون: في أخلاقهن، والحسان في خلقتهن، فقد كملنا خلقا وخلقا، كملنا خلقا وخلقا. وقال: "وطالبا لوصالهن بجنة الحيوان"، يعني يا من تريد الوصول إلى هذه الحور العين بجنة الحيوان، والمراد بجنة الحيوان أي الحياة الدائمة السرمدية التي لا تزول ولا تنقطع، أي في الدار الآخرة. "لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الأثمان"، أي لو كنت تدري حقيقة من خطبت، فيراد بقوله "لو كنت تدري" هنا ليست الدراية بمجرد معرفة أوصاف هذه الحور، وإنما المراد هنا بالدراية حقيقة ما بالجنة من نعيم، ومن ذلك الحور العين، ومن ذلك الحور العين. ولذلك قول ابن عثيمين في هذا المقام: فإننا مع عملنا نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، لأن عملنا عمل الجاهل، نعم نسمع من أوصاف الجنة ونسمع مما فيها من نعيم، ولكن إذا نظرت إلى عمل أحدنا لرأيت فيه من التقصير، ولرأيت فيه من التفريط، ولرأيت فيه من كذلك عدم المبالاة بإتقان العمل وإخلاص الطاعة، وما هذا إلا لجهلنا، وإلا لو علمنا علما يقينيا لعملنا لهذا العلم، لعملنا لهذا العلم. فالمراد هنا "لو كنت تدري" أي العلم بحقيقة الشيء. ولذلك يقول ابن العثيمين في قول الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾، هذه الآية أكدها ربنا عز وجل بتوكيدين، التوكيد الأول "إن" التي تفيد التوكيد، والتوكيد الثاني اللام التي كذلك تفيد التوكيد في قوله "لميتون"، مع أن الموت حقيقة لا ينكرها أحد، لا ينكرها أحد، لكن مع علمنا بالموت إلا أننا لم نعمل له، وذلك لجهلنا، وذلك لجهلنا بحقيقة هذا الموت. فقوله: "لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الأثمان"، يعني أنفقت واجتهدت اجتهادا بكل ما تملك من قوة وبكل ما تملك من سعة، فتحوي ما تملك من الأثمان. وما هو ثمن الجنة؟ هل تريد منك كنوزا عظيمة؟ هل تريد منك أموالا طائلة؟ لا تريد منك هذه الجنة إلا الإيمان والعمل الصالح، هذا هو ثمنها، هذا هو ثمن الجنة. ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾، فبالإيمان والعمل الصالح ينال المرء هذه الجنة، فهذا أغلى ما يكون من ثمن الجنة. قال: "أو كنت تعرف أين مسكنها جعلت السعي منك لها على الأجفان"، أي لو كنت تعلم علما يقين وعلما حقيقيا أين مسكنها وأين مسكن الحور العين في جنات عدن، في جنات عدن، وفوقه عرش الرحمن جل جلاله، فهو أعظم مسكن وأعلى مسكن وأطيب مسكن، هذا هو حقيقة مسكن الحور العين، فلو كنت تعلم أين مسكنها جعلت السعي منك لها على الأجفان، يعني السعي لا يكون على الأقدام بل يكون على الأجفان، يكون على الأجفان، والأجفان أي أجفان العيون التي هي أرق شيء في الإنسان، ولكن تتحمل هذه المشقة بالسعي على الأجفان من أجل الوصول إلى هذا المسكن، وهذا دليل على أن المرء إذا كان صادقا في طلب هذه الجنة وما فيها من نعيم لما تكاسل ولما تخاذل عن تقديم ثمن هذه الجنة. ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ وَصَفْتُ طَرِيقَ مَسْكَنِهَا فَإِنْ رُمْتَ الْوِصَالَ فَلَا تَكُنْ بِلْوَانِي ﴾، قوله "ولقد وصفت طريق مسكنها" يعني ذكرت لك ما هو السبيل للوصول إلى هذا المسكن، "فإن رمت الوصال" يعني إن أردت الوصال إلى هذا المسكن، إن أردت الوصال إلى هذا المسكن، "فلا تكن بلواني"، والمراد بقوله "بلواني" أي بالضعيف في الطلب، لا تكن ضعيفا في طلب هذه الجنة وما فيها من نعيم، بل عليك أن تسعى على وجه القوة وعلى وجه الجد والاجتهاد في طلب هذه الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، أي لا تعتمد على نفسك فتخذل، وإنما استعن بالله عز وجل. ثم قال: "أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعة لزماني"، أسرع أي ما هو ضد التواني والكسل، فأسرع وحث السير جهدك، أي بكل ما تملك من جهد وقوة، "إنما مسراك" أي هذا السعي الذي تسعاه في هذه الدنيا "ساعة لزماني"، أي أن كل الدنيا هي ساعة من الزمن، أي أنها حياة قصيرة، فلا تتكاسل ولا تضيع لحظة منها في غير طلب هذه الجنة، في غير طلب هذه الجنة، فلو جعلت الليل والنهار كله عملا للوصول إلى هذا المكان لكان قضى بسرعة وكأنه لحظات وساعة من نهار، وهذا هو حقيقة الدنيا كما ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم. ثم قال: "فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دمت ذا إمكاني"، قوله "فاعشق" يعني كن بالنسبة لهذه الحور محبا شديد الحب والعشق لها، شديد الحب والعشق لها، والعشق قال العلماء: هو أعلى أنواع المحبة، التي منها المحبة والخلة، المحبة والخلة، وذكر هنا ابن القيم العشق لأن الإنسان بلا عشق لا يتحرك، بلا عشق لهذه الحور لا يتحرك، فالإنسان الذي يتحرك لامرأة يريدها أن يتزوجها فإنه يحبها ويعشقها ويتحدث دائما عن وصالها ويتمنى ذلك ويسعى، ولو طلب منه أغلى مهر فإنه ربما يكد بالليل والنهار ويشقى ليلا ونهارا لجمع هذا المهر حتى يصل إلى هذه المرأة من نساء الدنيا، من نساء الدنيا، فالعشق لا بد له من سعي، والعشق قد يكون حلالا إذا كان في الحلال، كالذي يعشق امرأته بمعنى يحبها حبا شديدا لا يخرج هذا الحب عن محبة الله عز وجل وعن طاعة الله سبحانه وتعالى، أما إذا كان العشق فيه منافسة لمحبة الله وفيه طاعة عمياء لذلك المعشوق فهذا مما يكون من العشق المحرم، من العشق المحرم. فيقول ابن القيم: "فاعشق وحدث بالوصال النفس"، حدث نفسك أنك تصل إلى هذه الحور، أنك تصل إلى هذه الحور، وليس ذلك ببعيد لكل من سلك طريق الوصول إليها، "وحدث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دمت ذا إمكاني"، ابذل مهر هذه الحور ما دمت ذا إمكاني، أي في هذه الدنيا قبل أن يهجم عليك الموت فينقطع العمل للوصول إلى هذه الغاية. وما هو مهرها؟ كما تقدم هو الإيمان والعمل الصالح، ليس شيء سوى ذلك، مهر هذه الحور العين. ثم قال: "واجعل صيامك قبل لقياها ويوم الوصل يوم الفطر من رمضان"، أي اجعل صيامك قبل لقياها، أي قبل أن تلقاها، وفسر العلماء الصيام في هذا البيت بالصوم عن المعاصي، بالصوم عن المعاصي، وليس بالصوم الشرعي الذي هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإنما المراد بالصيام هنا الصوم عن المعاصي، يعني اجعل صيامك عن المعاصي المعاصي في هذه الدنيا، والصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله هو قبل أن تلقى هذه الحور. ثم قال: "ويوم الوصل يوم الفطر من رمضان"، يعني صم عن المعاصي في هذه الدنيا قبل أن تلقاها، ويكون الفطر يوم القيامة وهو المراد به يوم الوصل، وهو المراد به يوم الوصل، فشبه الصابر في هذه الدنيا عن الوقوع في الشهوات وعلى الاستمرار على طاعة الله شبهه بالصائم الذي ينتظر غروب الشمس حتى يفطر، فمتى هذا الإفطار؟ الإفطار يوم القيامة، كإفطار الصائم عند تحقق غروب الشمس. ثم قال: "واجعل نعوت جمالها الحادي وسر تلقى المخاوف وهي ذات أماني"، أي اجعل وصف هذه الحور وما هي عليه من الجمال والحسن هو الحادي، ومعنى الحادي يعني المحفز والمشجع لك في نيل هذه الحور وفي الصبر على طاعة الله عز وجل وعن معصية الله، كلما أردت أن تقع في مخالفة تذكر أن هذه المخالفة ربما تحرمك من الوصول إلى الحور العين، اجعل هذه النعوت وهذه الأوصاف هي الحادي لك، "وسر تلقى المخاوف وهي ذات أماني"، أي أنك كل ما تلقاه من مخاوف في هذه الدنيا ومن ابتلاءات ومن محن فإنها تكون لا شيء مقابل ما تتذكره من حسن وجمال هذه الحور العين. ثم قال: "لا يلهينك منزل لعبت به أيدي البلا مد سال في الأزمان"، والمراد "منزل لعبت به أيدي البلا" منزل الدنيا، منزل الدنيا، يعني لا تلهينك هذه الدنيا وتغرنك فتغتر بزينتها وزخرفها فتنجرف خلفها وتترك ما إليه يتم الوصول إلى تلك الجنة، فيحذر ابن القيم من الاغترار بهذه الدنيا كما حذرنا ربنا من ذلك في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾. "لا يلهينك منزل لعبت به أيدي البلا مد سال في الأزمان"، والمراد بأيدي البلا يعني أيدي الفنى والتلف، فهي دار زوال واضمحلال وفنى، أي هذه الدنيا لعبت به مد سال في الأزمان، أي مما مضى فقد ترك الناس لك الدنيا بعد أن غادروها وبعد أن أفسدوها وأفسدتهم، انظر إلى أحوال الناس، كم من إنسان اغتر بهذه الدنيا وجمع من أموالها وثرواتها فذهب وتركها وصار رهين عمله في قبره، فهو يحذر من أن تغتر بهذه الدنيا، وانظر إلى من تقدمك ممن اغتر بها، أين هو الآن وأين هي أمواله وأين هي ثرواته؟ ثم قال: "فلقد ترحل عنه كل مسرة وتبدلت بالهم والأحزان"، يعني أن هذه الدنيا لا تدوم مسراتها بل تتبدل بالأحزان، فهذه الدنيا ليست بدار اطمئنان ولا بدار استقرار ولا بدار كذلك خلود، وإنما هي دار منقصة، فيوم علينا ويوم لنا، ويوم النسا ويوم النسر، وكما قال الآخر: "لا طيب للعيش ما دامت منقصة لذاته بالذكار الموت والهرم". ثم قال رحمه الله: "سجن يضيق بصاحب الإيمان لكن جنة المأوى لذي الكفران"، لكن جنة المأوى لذي الكفران. قوله "سجن" يعني أن المؤمن في هذه الدنيا سجين، فهي سجنه، وذكر العلماء لهذا السجن معنيين: المعنى الأول أنه لا يرى فيها ما يسره، لا يرى فيها ما يسره من حيث الإيمان والعمل الصالح إلا نادرا، أنه لا يرى فيها ما يسره من حيث الإيمان والعمل الصالح إلا نادر، يعني أنه لا يسر إلا بالإيمان والعمل الصالح، أما غيره فإنه لا يسر بذلك، فهذا معنى من معاني أنه سجين فيها. المعنى الثاني أنه يرتقب دارا أنعم وأكمل وأطيب من هذه الدنيا، فهذه الدنيا بالنسبة لما سيلاقي المؤمن سجن له، لا يباح له فيها كل شيء، وإنما هو مقيد فيها بشرع الله سبحانه وتعالى، فهي من هذه الحيثية كالسجن له. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وجاءت قصة طريفة لابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، وكان قاضيا في مصر، وكان يركب العربة التي يجرها الخيل أو الحمار، وكانت العربة في ذاك الوقت ك السيارات في زماننا هذا، وكان ذا أبها وذا ملابس نظيفة وطيبة، وكان هناك يهودي يعمل حدادا وذا هيئة رثة وثياب ممزقة وحالة صعبة، فأوقف هذا اليهودي ابن حجر وقال له: يا إمام، نبيكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، أنت في أبها وأنت في نعيم وأنت أفضل مني، وأنا في هذا الحال الذي ترى، فلم يصدق نبيكم. فقال له ابن حجر: بل صدق نبينا عليه الصلاة والسلام، الدنيا سجن المؤمن لما سيقدم عليه من نعيم الآخرة، والدنيا جنتك وجنة كل كافر لما ستقدم عليه من أهوال وعذاب شديد، فهي بالنسبة لما أنت قادم عليه الدنيا جنتك، الدنيا جنتك. فما كان من هذا اليهودي إلا أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأسلم. ثم قال: "سكانها"، أي سكان هذه الدنيا، "أهل الجهالة والبطالة والسفاهة، أنجس السكان"، أهل البطالة أي ليس عندهم عمل، البطالة والذي ليس عنده عمل، وأهل السفاهة أي ليس عندهم حكمة بل هم سفهاء، نعم، والجهالة من الجهل، والجهالة من الجهل، فهذه صفات أهل الدنيا، أما صفات أهل الآخرة فهم لا يضيعون أوقاتهم، فتجدهم حريصين على أوقاتهم أشد من حرصهم على دنانيرهم ودراهمهم، في طاعة الله أو فيما يعود عليهم بالنفع في أمور دنياهم، وهكذا تجدهم أهل علم وتفقه في دين الله عز وجل، وتجدهم أهل حكمة وأهل كذلك وضع الأمور في مواضعها. ثم قال: "وأَلَذُّهُمْ عَيْشًا فَأَجْهَلُهُمْ بِحَقِّ اللَّهِ ثُمَّ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ"، أي ألذ أهل الدنيا عيشا هو الجاهل بالله وبحقائق الإيمان، لأنه ميت قلبه، لأنه ميت قلبه، هذا هو ألذهم عيشا، فهم أهل جهل بحق الله وبحقائق القرآن، وبحقائق القرآن. هذا ما تيسر ذكره تحت هذه الأبيات، ونكمل ما بقي من وصف الجنة إن شاء الله في دروس قادمة، إلى هنا والله تعالى أعلم، شكرا.