الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 225، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الصراط المستقيم هو دين الإسلام الشامل للعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، ومن سلكه نجا ومن خالفه ضل. التمسك بهذا الطريق الواضح يتفاوت بين الناس وفق موافقتهم لأصوله وفروعه.
استدل المقطع بقوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وحديث ابن مسعود الذي رسم فيه النبي ﷺ خطاً مستقيماً وخطوطاً عن يمينه وشماله. بين الحديث أن سبيل الله واحد وأن السبل المنحرفة كثيرة وعلى كل منها شيطان يدعو إليها محذراً من اتباعها.
فسر الحديث النبوي المثل بأن الصراط هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارمه، والداعي على الصراط القرآن، والداعي من فوقه واعظ الله في القلب. يوضح المثال تحذيراً من اقتحام المحارم وبياناً لطريق النجاة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال السابع والتسعون بعد المئة: ما هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى بسلوكه ونهانا عن اتباع غيره؟ انتقل المؤلف رحمه الله إلى أمر مهم جدًا، وهو الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم في حياته، وهو الطريق الذي ينجيه بإذن الله عز وجل في الدنيا والآخرة. هذا الطريق هو المنهج العلمي والعملي الذي يمشي عليه المسلم في حياته، وهو الذي أمرنا الله عز وجل باتباعه ونهى عن اتباع غيره. قال: الجواب: هو دين الإسلام الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ولم يقبل من أحد سواه، ولا ينجو إلا من سلك، ومن سلك غيره تشعبت عليه الطرق وتفرقت به السبل. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. إذن الجواب: الصراط المستقيم هو دين الإسلام، بما تحتويه هذه الكلمة من عقائد، ومن عبادات، ومن أخلاق ومعاملات، ومن منهج وطريق يسير عليه المسلم في حياته. فكل ما يدعو إليه هذا الإسلام فهو من الصراط المستقيم. ويتفاوت الناس في التمسك بهذا الصراط بحسب تمسكهم بهذا الإسلام. فمن خالف هذا الإسلام في أصوله كالمعتقدات، فلم يؤمن ولم يعتقد بما دعا إليه هذا الإسلام من الاعتقاد الصافي النقي بالعقيدة، فهذا يكون من أضل الظالمين، ومن أظلم الظالمين. ومنهم من ينحرف في شيء من فروع هذا الإسلام، كخروج عن بعض تعاليمه في باب العبادات أو في باب الأخلاق والمعاملات، فكل يكون درجته في هذا الصراط بحسب تمسكه بهذا الإسلام. فممن هو على الإسلام بمفهومه العام، أي عنده أصول الإسلام، لكنه انحرف في بعض فروعه، فهذا قد لا يسلم من عذاب النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قال أهل العلم في شرحهم لهذا الحديث: المراد بالأمة هنا أمة الإجابة، أي ممن دخل الإسلام، لكن عندهم مخالفات، بدع وانحرافات في بعض ما دعا إليه الإسلام في الدعوة والسلوك ونحو ذلك. فهؤلاء ينالون من أثر هذا الإسلام ومن ثمرة هذا الإسلام بقدر إسلامهم. فلربما ممن عنده أصل الإسلام لا ينجو من عذاب الله. فإذا هذا هو المفهوم الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا يدعونا جميعًا أن نكون على الصراط المستقيم في جميع ما دعا إليه الإسلام، سواء كان في العقائد، فتكون عقائدنا على حسب ما جاء به الإسلام، سواء كان في العبادات، فلا نخرج عن العبادات التي تعبدها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهكذا في باب المعاملات والأخلاق، فلا نعامل الناس ولا نتخلق معهم إلا بما دعا إليه الإسلام من جميل الأخلاق ومن كريم الأفعال، وهكذا في دعوتنا وفي سيرنا إلى الله، نكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته وفي كذلك منهاجه عليه الصلاة والسلام. فمن كان كذلك فهو على الصراط المستقيم، وهو على الإسلام القويم الذي من تمسك به نجا في الدنيا والآخرة، وسلم من عذاب الله سبحانه وتعالى. هذا ملخص ما أراده المؤلف، وسيدلل على ذلك ببعض الأحاديث. قال: وقوله هنا "الذي أمرنا الله به" يشير إلى هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، فأمر الله عز وجل عباده باتباع الإسلام، وحذرنا ونهانا عن اتباع غيره، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. السبل هي الطرق التي تخالف الإسلام. قال: وخط النبي صلى الله عليه وسلم خطًا، ثم قال: «هذه سبيل الله مستقيمة»، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. والحديث مشهور معروف من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، رواه الإمام أحمد، ورواه الحاكم وغيرهما، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وهذا فيه أسلوب من أساليب التعليم، وهو الأسلوب بالكتابة والخط، فالنبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا حتى يبين هذا الأمر واضحًا جليًا للصحابة رضي الله عنهم. خط خطًا أي مستقيمًا، خط واحد مستقيم، ثم خط على جانبيه خطوطًا متفرقة. خط مستقيم، وهنا خطوط متفرقة، يعني ليست مستقيمة، بل هي معوجة وكثيرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه سبل». هذه الخطوط السبل التي حذر الله عز وجل من اتباعها في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾، تكون سببًا لفرقتكم وعداوتكم، وكذلك خروجكم من الصراط المستقيم. ثم قال: «ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، لأنه يخالف الإسلام. فهناك دعاة إلى أبواب جهنم كثر ممن خالف الإسلام، سواء كان في عقائده أو في عباداته أو في أخلاقه ومعاملاته أو نحو ذلك. فحذرنا الله سبحانه وتعالى من اتباع هذه السبل. فسبيل الله واحد وهو الصراط المستقيم. تجد في القرآن أن السبيل لا تجمع وإنما تفرد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أنه صراط واحد. وأما السبل فإنها تجمع لأنها متنوعة ومختلفة. وقال صلى الله عليه وسلم: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا ولا تفرقوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه». فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم. الحديث أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث النواس بن سمعان، وصححه الشيخ الألباني وكذلك الشيخ الوادعي عليهما رحمة الله. وهذا أيضًا كما تقدم من باب التعليم بضرب المثال، وتقريب المعنى بضرب المثال، فالأمثلة تقرب المعنى. فالنبي صلى الله عليه وسلم ضرب الصراط المستقيم بصراط ممتد، وعن جنبتي الصراط سوران، تصور سور الصراط مستقيم، وهنا سور وهنا سور، عن جنبتي الصراط سوران. قال: «فيهما أبواب مفتحة». هذان السوران كل سور فيه أبواب مفتحة، ليست مغلقة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، يعني هذا الباب مفتوح الآن عليه شرقة ستر. طيب، والستر لا شك أنه يكون رقيقًا خفيفًا، سهل الدخول من هذا الباب الذي عليه هذا الستر. وعلى باب الصراط داعٍ، كل باب عليه داعٍ يدعو الناس إلى ماذا؟ سيأتي يقول: هذا الداعي: «يا أيها الناس أدخلوا الصراط المستقيم جميعًا ولا تفرقوا»، لا تدخلوا من هذه الأبواب، وإنما أدخلوا إلى الصراط المستقيم جميعًا، ولا تذهبوا إلى غيره. وداعٍ يدعو من فوق الصراط، يدعو من فوق الصراط. بدعوتي هذا الأول قال: «فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: أي هذا الذي فوق الصراط: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه». إن قلت به كذا، ها ستدخل ولا محالة، تلجه، يعني تدخل منه. ثم فسر النبي صلى الله عليه وسلم: إيش هذا الصراط، وإيش هذان السوران، وإيش هذه الأبواب المفتحة والستور المرخاة، والداعي الأول والداعي الثاني. فقال: «فالصراط الإسلام، الصراط الإسلام، والسوران حدود الله التي جعلها الله سبحانه وتعالى ومنع من أراد الصراط المستقيم أن يأتيها وأن يعتديها، فهذه هي حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، يعني المعاصي والذنوب». قال: «وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، الذي يقول للناس: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا ولا تفرقوا». فالقرآن يهدي إلى صراط مستقيم كما وصف الله عز وجل. نعم. وقال: «والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم»، يعني ما يكون في قلبه من الخشية ومن مراقبة لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يقول: ويحك لا تفتحه، لا تقتحم المعاصي، لا تعتدي حدود الله سبحانه وتعالى، فإنك إن فعلت ذلك فتلج والعياذ بالله محارم الله سبحانه وتعالى، تلج محارم الله. فهذا هو معنى هذا الحديث، والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا»، هذا هو الإسلام. فمن سلك هذا الصراط نجا، وكذلك سعد في الدنيا والآخرة. والصراط هو الطريق الواسع الواضح، فالإسلام هو الطريق الحق الذي من سلكه وضحت له الأمور ونجا بإذن الله سبحانه وتعالى. هذا هو مراد المؤلف رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.