الدرس في باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
روى ابن عباس أن عكاشة بن محصن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله ليكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فدعا له النبي وقال: «أنت منهم»، مبيناً أن الأمر لله وحده وأن دعوة النبي مستجابة. فلما سمع الصحابة ذلك بادر آخر يطلب الدعاء نفسه حرصاً على هذه الفضيلة العظيمة.
لما طلب رجل ثانٍ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليكون من السبعين ألفاً، رد عليه بلطف قائلاً: «سبقك بها عكاشة». اختلف العلماء في سبب الرفض: فمنهم من قال إنه سداً للباب لئلا يطمع من لا يستحق، ومنهم من قال لعلم النبي بنفاق الرجل. ويظهر في الحديث حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وربط هذه الخصال بالتوكل على الله.
يوضح المقطع أن قوة التوكل على الله تدفع المؤمن إلى عدم طلب الرقى أو الكي من الغير وتجنب التطير، لأن ذلك كله من ضعف التوكل. كما يؤكد أن المعيار للحق ليس كثرة الأتباع أو قلتهم، بل لزوم الصراط المستقيم، مستشهداً بأحوال الأنبياء في قلة من اتبعهم، ويختم بفضيلة هذه الأمة بكثرتها وعدد أتباع نبيها.
يوضح المقطع حرص الصحابة على اكتساب خصال الخير والوصول إلى الكمال في الإيمان، مستشهداً بدعاء عكاشة بن محصن: «ادعُ الله أن يجعلني منهم». ويختتم المتحدث الجلسة داعياً الله بالتوفيق.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما زلنا في باب اليقين والتوكل، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي الأمم»، وقفنا عند قول ابن عباس، قال: فقام عكاشة بن محصن فقال: «ادعُ الله أن يجعلني منهم»، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». فقال عكاشة بن محصن: «ادعُ الله أن يجعلني منهم». وهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك من ذلك الأمر شيئًا؛ ما قال عكاشة بن محصن للنبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلني منهم»، لأن هذا الأمر لله سبحانه وتعالى، ليس للنبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الجنة من شاء، ليس ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من أمر الله سبحانه وتعالى. فقال عكاشة بن محصن: «ادعُ الله أن يجعلني منهم»، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوة النبي مستجابة، ولذلك قال له: «أنت منهم»، أي أن الله سبحانه وتعالى استجاب لدعوته عليه الصلاة والسلام، فقال له: «أنت منهم». فلما سمع الناس بذلك قام رجل آخر، وهذا من حرصهم على أن ينالوا هذه الفضيلة العظيمة، ودخول الجنة بغير حساب ولا عذاب، فبادر الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو الله أن يجعلهم منهم. فقام رجل آخر وقال: «ادعُ الله أن يجعلني منهم»، فرد عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم برد جميل، ما فيه تجريح، ولا فيه إدخال حزن، ولا شيء من ذلك، وإنما قال لهذا الرجل: «سبقك بها عكاشة». سبقك بها عكاشة. لم يقل لهذا الرجل: «لست منهم»، ولم يقل: «أنا قد دعوت لعكاشة، كل واحد منكم يريد أن أدعو له». لم يعنف عليه الصلاة والسلام، وما ذاك له بخلق عليه الصلاة والسلام، وإنما رد بهذا الرد اللطيف: «سبقك بها عكاشة». وقد اختلف العلماء: لماذا رد النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا الرجل، في حين أنه قبل طلب عكاشة بن محصن؟ ما هو السبب أنه رد طلب هذا الرجل؟ قيل في ذلك أقوال: منها: حتى لا ينفتح الباب، حتى لا ينفتح هذا الباب، فيقوم من لا يستحق أن يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. يعني هذا الرجل قام بعد عكاشة، فإذا دعا له النبي سيقوم رجل ثالث، ويقول رابع وخامس، سينفتح هذا الباب، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إغلاق هذا الباب. وهذا قول لبعض العلماء في تفسير هذا الحديث، وعلة رد هذا الرجل. وقيل كذلك قول آخر: وهو أن هذا الرجل كان يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه منافق، والمنافق لا يدخل الجنة، فضلًا عن كونه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. قيل هذا، وقيل هذا، والله أعلم بالصواب، والله أعلم بالصواب. فقال لهذا الرجل: «سبقك بها عكاشة»، فرده بهذا الرد اللطيف. وفي الحديث أيضًا فوائد أخرى، منها ما من أجله بوّب الإمام النووي بهذا الحديث، وهو ذكر هذه الخصال؛ فإنما ردها جميعًا إلى التوكل على الله. لماذا هذا المؤمن لا يسترقي؟ يعني لا يطلب الرقيا من غيره، لقوة يقينه وعظم توكله على الله سبحانه وتعالى. لماذا لا يطلب الكي من غيره؟ كذلك توكلًا على الله سبحانه وتعالى. ولماذا لا يتطير؟ فإن التطير فيه ضعف في التوكل على الله، أن تعتقد أن هذا الطير، أو أن هذا اليوم، أو أن هذا الرجل مشؤوم، وأنه سبب للشر ونحو ذلك، هذا من عدم التوكل على الله سبحانه وتعالى. فهذه الصفات الثلاث كلها تدل على توكل أصحابها، ولذلك قال في آخر الحديث: «وعلى ربهم يتوكلون»، كأنه جمع ما ذكر من الصفات في هذه الكلمة العامة: «وعلى ربهم يتوكلون»، «وعلى ربهم يتوكلون». ففيه فضل التوكل على الله عز وجل. وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: أن الداعي الله عز وجل لا يستوحش من قلة السالكين. أهم شيء أن يكون على الطريق، أهم شيء يكون على الصراط المستقيم. أما الأتباع، وأما القلة أو الكثرة، فالعبرة ليس بها، ليس العبرة بالقلة أو الكثرة، وإنما العبرة بإصابة الحق والثبات عليه. فانظر في هذا الحديث: يأتي النبي ومعه الرهط، من التسعة، قلنا: من الثلاثة إلى التسعة، بل ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، رجل واحد أو رجلان يتبعان فقط، ويأتي ويأتي النبي وليس معه أحد، ما تبعه أحد. فالقلة والكثرة ليست معيارًا للحق، وإنما المعيار هو لزوم الحق. فالجماعة هي الحق، ولو كنت وحدك، ولو كنت وحدك، فاثبت على الحق، ولا تستوحش من قلة السالكين. وفي هذا الحديث أيضًا فضيلة لهذه الأمة، إذ أنها من أكثر الأمم عددًا، ونبيها من أكثر الأنبياء أتباعًا، ففيه فضل هذه الأمة. وفيه حرص الصحابة على خصال الخير، وعلى الكمال في الإيمان، وذلك في قول عكاشة بن محصن: «ادعُ الله أن يجعلني منهم»، أن يجعلني منهم. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أدعو الله، أدعو الله، أدعو الله.