باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 4

باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 4

الدرس في باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة وشرح حديث عرض الأمم والسبعين ألفاً

يستهل الشارح بذكر حديث ابن عباس عن عرض الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم وقلة أتباع بعض الأنبياء، ثم ينتقل إلى وصف السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب مبيناً صفاتهم من ترك الاسترقاء والكي والتطير وتحقيق التوكل على الله.

رؤية النبي لأمته وسبعين ألفاً يدخلون الجنة

يروي المقطع حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لسواد عظيم ظن أنه أمته فقيل له إنه موسى وقومه، ثم رُفع له سواد أعظم في الأفقين فقيل له هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ورواية تضربهم في السبعين ألفاً فيكون المجموع أربعة آلاف وتسعمائة مليون.

تفصيل صفات السبعين ألفاً وتحقيق التوكل

يفسر المقطع صفات السبعين ألفاً بأنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون بل يتوكلون على الله توكلاً تاماً، ويوضح أن النهي منصب على طلب الرقية والكي والتشاؤم أما إذا وقع دون طلب فلا حرج، وهذه الصفات تدل على كمال التوكل المستحق للفضل العظيم.

ختام الدرس والإشارة لاستكماله لاحقاً

يختتم المتحدث الدرس الحالي بسبب انتهاء الوقت، ويؤكد على استكمال شرح الحديث واستخراج فوائده في الدرس القادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب اليقين والتوكل، الحديث الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم. فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟» فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: «سبقك بها عكاشة». متفق عليه. هذا الحديث حديث عظيم، وهو من الأحاديث التي تذكر في باب التوكل على الله سبحانه وتعالى. وجه الشاهد منه: «وعلى ربهم يتوكلون». وقبل الشروع في شرح معنى التوكل في هذا الحديث، ولعظم هذا الحديث نحب أن نذكر بعض معانيه، وبعض كذلك شرح ألفاظه وكلماته. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عُرضت علي الأمم»، أي أن الله سبحانه وتعالى عرض على نبيه عليه الصلاة والسلام الأمم السابقة، وعرض عليه أمته عليه الصلاة والسلام. فقال: «فرأيت النبي ومعه الرهط»، وفي لفظ: «معه الرهيط». والرهط هم القليل الذين ما بين الثلاثة إلى العشرة، يعني نبيًا وما تبعه من قومه. وقال عليه الصلاة والسلام: «والنبي ومعه الرجل والرجلان»، نبي ما تبعه إلا رجلان من قومه. وقال: «والنبي وليس معه أحد». سبحان الله! نبي ما تبعه أحد. وقد قال الله عز وجل عن نبيه نوح: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وهو الذي اجتهد في دعوتهم، ومكث ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله عز وجل وإلى توحيد الله، يدعوهم ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، ومع هذا لم يتبعه من قومه إلا القليل. قال الله عز وجل في سورة نوح حاكيًا عن نبيه نوح عليه السلام: ﴿إِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. اجتهد معهم غاية الاجتهاد في دعوتهم، ومع هذا لم يتبعه من قومه إلا القليل. ثم قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «إذ رُفع لي سواد عظيم»، يعني أمة عظيمة وكثيرة. قال: «فظننت أنهم أمتي»، لما يعلم عليه الصلاة والسلام من أن أمته من أكثر الأمم، فظن أن هذا السواد وبهذه الكثرة هم أمته عليه الصلاة والسلام. فقيل: «هذا موسى وقومه»، لأن موسى بُعث إلى بني إسرائيل، فكان من أكثر الأنبياء -من أكثر الأنبياء دون نبينا محمد عليه الصلاة والسلام- أتباعًا. نعم، فكان أتباع موسى أكثر من غيره من الأنبياء الذين سبقوه، لكن ليس أتباعه أكثر من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «ثم رُفع لي»، قال: «ثم قيل لي: ولكن انظر إلى الأفق»، يعني إلى الأفق الذي هو أمامك. قال: «فنظرت فإذا سواد عظيم»، يعني أعظم من السواد الأول. «فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم»، يعني سواد في هذا الأفق وسواد في الأفق الآخر. ثم قيل له: «هذه أمتك، هذه أمتك»، أي أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأمم، وهذه من مزايا وفضائل هذه الأمة. ثم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألفًا. وجاءت رواية أخرى يصححها بعض أهل العلم، كالعلامة الألباني وغيره، أن مع هؤلاء السبعين ألفًا كذلك سبعون ألفًا، يعني كل واحد من هؤلاء السبعين ألفًا معه سبعون ألفًا. يعني اضرب سبعين ألفًا في سبعين ألفًا، يعني يكون الضرب سبعين ألفًا في سبعين ألفًا. السبعون ألفًا هذا عبارة عن أربع نقاط، والسبعون الأخرى أربع نقاط، فتجمع النقاط الأربع مع الأربع يكون ثماني نقاط، وتضرب السبعة في السبعة يساوي تسعة وأربعين، يعني تسعة وأربعين وأمامها ثماني نقاط: ست نقاط للمليون ونقطتان للمئات، فيكون المجموع أربعة آلاف وتسعمائة مليون. أربعة آلاف وتسعمائة مليون هؤلاء يدخلون الجنة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم بغير حساب ولا عذاب، بغير حساب ولا عذاب. على الرواية الأخرى: هؤلاء السبعون ألفًا معهم سبعون ألفًا، أي اضرب سبعين ألفًا في سبعين ألفًا، سيكون الناتج أربعة آلاف وتسعمائة مليون. هؤلاء يدخلون الجنة من أمة النبي عليه الصلاة والسلام بغير حساب ولا عذاب. ثم النبي صلى الله عليه وسلم نهض ودخل منزله، دخل بيته، فخاض الناس في أولئك. هذا من حرص الصحابة على معرفة هؤلاء حتى يكونوا منهم. فخمن الناس واجتهد الناس في صفات هؤلاء، ومن هم هؤلاء؟ من هم هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ لا شك أن كل مسلم يتمنى أن يكون واحدًا من هؤلاء، أليس كذلك؟ يتمنى أن يكون واحدًا من هؤلاء. فالصحابة أحرص الناس على دخول الجنة، وعلى كذلك العمل بالصفات التي تكون سببًا في هذا الفضل وهذه المنزلة العظيمة: دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب. فالناس اجتهدوا في هذا، قالوا: من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟ فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحبة لها شرف، الصحبة لها شرف عظيم. فقالوا: لعل هؤلاء الذين صحبوا النبي، يعنون أنفسهم، فهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، لأن الصحابة قبل الإسلام كان منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من كذلك يفعل بعض ما يفعله أهل الجاهلية، فلم ينشأوا على الإسلام. فقالوا: لعلهم قوم يأتون بعدنا يعرفون الإسلام فينشأون على هذا الإسلام منذ نعومة أظفارهم، فلم يشركوا بالله شيئًا، وإنما من أول أمرهم على التوحيد وعلى العقيدة الصحيحة، وعلى العقيدة الصحيحة. ثم بعد ذلك خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟» إيش الذي يعني تتكلمون فيه؟ فأخبروه، قالوا: لنا كذا وكذا، وما بينت لنا من هم هؤلاء، فنحن اجتهدنا، وكل واحد قال أمرًا يرى أن أهل هذه المزية بهذه الصفات. فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هم الذين لا يسترقون». معنى لا يسترقون: يعني لا يطلبون الرقية من غيرهم، لا يأتي ويقول: يا فلان، أنا مريض، اقرأ علي. هذا معنى لا يسترقون. وهذا لشدة توكلهم على الله سبحانه وتعالى، لأن طلب الشيء من الغير فيه شيء من الذل، فيه شيء من الذل، ومن كذلك الالتفات، التفات القلب إلى غير الله سبحانه وتعالى. فلا يطلبون من أحد يقرأ عليهم إذا أصابهم شيء، إذا أصابهم شيء. نعم، أما إذا قرئ على الإنسان دون أن يطلب، فهذا لا شيء فيه لأنه لم يطلب ذلك. وكذلك قوله: «ولا يكتوون»، أي لا يطلبون من أحد أن يكويهم، أن يكويهم. نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي لما فيه من هذا المعنى، لكن لو أولياء هذا المريض أو أقرباءه رأوا أن يكتوي فكووه، فهذا لا شيء فيه. فهذا كذلك لا شيء فيه، وإنما المنهي عنه هاهنا هو أن يطلب الكي. وهذا ما ذكره كثير من أهل العلم، ومنهم العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، في شرحه لهذا الحديث، وفي غيرها من مواضع شرحه لهذا الحديث وغيره من الفتاوى. فيرى الشيخ ابن العثيمين أن الكي لا ينهى عنه مطلقًا، وإنما طلب الكي هو الذي ينهى عنه، مثل ما ينهى عن طلب الرقية، مثل ما ينهى عن طلب الرقية. وقوله: «ولا يتطيرون»، يعني لا يتشاءمون. يطلق التطير هنا على التشاؤم، والتشاؤم هو والتشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، وقد مر في مباحث الكلام على ذلك. فهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويجمع ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وعلى ربهم يتوكلون». فعدم طلبهم للرقية، وعدم طلبهم للكي، وعدم تشاؤمهم، هذا من شدة وقوة توكلهم على الله سبحانه وتعالى، ولذلك نالوا هذا الفضل العظيم. وللحديث بقية لانتهاء الوقت، نكمل إن شاء الله في الدرس القادم شرح الحديث وما فيه من فوائد. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.