الدرس في باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع آية التوكل على الحي الذي لا يموت، موضحاً أن التوكل الواجب يختص بالله لكمال حياته وامتناع الموت عنه. ويبين ثمرة التوكل بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
يفسر المقطع معنى "حسبه الله" بأنه كافٍ للعبد همه وغمه، ويستعرض صفات المؤمنين الصادقين في سورة الأنفال. ويؤكد أن خشية الله وتدبر القرآن مع تحقق أخبار الغيب من أعظم أسباب زيادة الإيمان.
يوضح المقطع أن تحقق أخبار الغيب وامتثال أوامر القرآن يزيدان الإيمان، ويبرز التوكل على الله كسمة للمؤمنين الحقيقيين مستدلاً بآيات الأنفال وآل عمران. ويختم بالتأكيد على الحصر في التوكل وعلى ضرورة العزم والتوكل في كل شؤون الحياة.
أعلن المحاضر أن الدرس القادم سيخصص لذكر الأحاديث الواردة في الباب. وأنهى الجلسة الحالية داعياً بالتوفيق للجميع.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فمن الآيات التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في باب اليقين والتوكل على الله، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، أي: اعتمد في أمورك كلها، دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، على الله سبحانه وتعالى وحده. فمناسب الذكر نفي الموت عن الله عز وجل في قوله: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، لأن المتوكل عليه إذا كان غافلاً عمن توكل عليه لا يفيده ولا ينفعه. فالله سبحانه وتعالى يمتنع عنه الموت سبحانه وتعالى لكمال حياته، سبحانه وتعالى. أما إن توكلت على المخلوق، فإن هذا المخلوق ينام ويغفل ويغيب عنك، فكيف تتوكل على مخلوق لا يكون دائم الحياة؟ فالإنس والجن ينامون ويموتون. فالنوم صفة كمال في الخلق، وصفة النوم صفة كمال في الخلق؛ إذا ما نام الإنسان فإنه لا يستطيع أن يعيش، لا يستطيع أن يقوم بشؤونه وأموره. أما في حق الخالق سبحانه وتعالى فالنوم نقص، فلذلك نفى الله عز وجل عن نفسه الموت، بل ما هو أدنى من ذلك وهو السنة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. نعم، لا تأخذه سنة ولا نوم. فهذه الآية واضحة الدلالة على وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى. وقد تقدم معنا أن التوكل هو اعتماد الإنسان على ربه سبحانه وتعالى، صدق الاعتماد على الله عز وجل مع اتخاذ الأسباب الشرعية. وهكذا من الآيات التي ذكرها الإمام النووي في باب التوكل على الله عز وجل، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. هذه ثمرة من ثمار التوكل: أن من توكل على الله عز وجل فهو حسبه. ومعنى حسبه: أي كافيه. يكفيك الله سبحانه وتعالى كل شيء إذا توكلت عليه، فلا تخذل ولا تترك؛ لأنك ركنت إلى ركن شديد وهو الله سبحانه وتعالى. ففي هذا الترغيب في التوكل على الله، وأن به يكفى العبد همه وغمه وأموره كلها. وأيضًا من الآيات التي ذكرها الإمام النووي في باب التوكل، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢-٤]. أولئك هم المؤمنون حقًا. "حقًا" هنا توكيد للجملة التي قبلها، أي: أحق ذلك حقًا، أحق ذلك حقًا؛ لأنه قال في أول الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، هذه صفات أهل الإيمان الحق، الصادقون في إيمانهم. ولذلك أتى ربنا عز وجل في هذه الآية بـ "إنما" التي تفيد الحصر، تفيد الحصر. فالمؤمنون حقًا وصدقًا هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، أي: إذا ذكر الله سبحانه وتعالى، ذكرت عظمته وجلاله وسلطانه، خافت القلوب ووجلت، وتأثر الإنسان وتأثر الإنسان. وهكذا في قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، أي: إذا سمعوا كلام الله ازدادوا إيمانًا، ازدادوا إيمانًا. ولذلك من أعظم أسباب زيادة الإيمان قراءة القرآن بتفكر وتدبر. والقرآن يزيد في الإيمان من وجهين: الوجه الأول: التصديق بما أخبر الله به من أمور الغيب الماضية والمستقبلة. فكم في القرآن من أخبار، سواء كانت ماضية كالإخبار عن الأمم السابقة وقصص الأنبياء ونحو ذلك، أو عن أمور مستقبلة: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢-٤]، فكان الأمر كما أخبر الله عز وجل في أمر مستقبل. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فكان الأمر كما أخبر الله عز وجل. كم من آيات في القرآن أخبر الله عز وجل عن أمور غيبية فوقعت كما أخبر الله سبحانه وتعالى، لا شك أن هذا مما يزيد في إيمان العبد. هذا وجه. الوجه الآخر: القبول والإذعان لأحكام الله عز وجل. فإذا سمع المسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، ألزم نفسه الصدق. إذا قرأ المؤمن: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، غض بصره. إذا قرأ المسلم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ابتعد عن كل سبب وعن كل وسيلة تؤدي إلى الزنا. وهكذا في القرآن من أعظم أسباب زيادة الإيمان. ولذلك قال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، هذه أيضًا من صفات أهل الإيمان الحق: أنهم يتوكلون على الله. قدمت هنا الجار والمجرور، وحقه التأخير. تقدير الآية: يتوكلون على ربهم. لكن قدم هنا الجار والمجرور ليفيد الحصر، لأن القاعدة عند أهل العربية أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، يفيد الحصر: أي لا تتوكلون إلا على ربكم وحده سبحانه وتعالى. ثم ذكر صفات أخرى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. كل هذه من صفات أهل الإيمان الحق. فهذا الشاهد من الآية: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وهكذا من الآيات التي ذكرها المؤلف: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. لا تتردد: عزمت على سفر، عزمت على زواج، عزمت على تجارة، عزمت على طلب علم، عزمت على جهاد في سبيل الله، توكل على الله، لا تتردد ولا تتأخر. خصوصًا إذا تهيأت لك الأسباب، لا يخوفك الشيطان، ولا كذلك يردك شيء، بل اعزم وتوكل على الله سبحانه وتعالى. فهذا فيه الحث على التوكل، وكذلك الأمر به، الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر الآيات التي أوردها الإمام النووي في باب اليقين والتوكل. وإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في ذكر الأحاديث الواردة في الباب. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.