مباحث في الدعاء 3

الدرس في مباحث في الدعاء 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في آداب الدعاء وشروطه

الدعاء يحتاج إلى إخلاص ونية، كما ينبغي أن يكون مصحوبا بالخوف من الله ورجاء في رحمته. العبادة بشكل عام يجب أن تقوم على خوف ورجاء ومحبة وتعظيم لله سبحانه وتعالى.

أركان العبادة والدعاء الصحيح

العبادة الصحيحة تقوم على ثلاثة أركان: المحبة، الخوف، والرجاء. السلف الصالح كانوا يعتبرون من يعبد الله بأحد هذه الأركان فقط على أنه زنديق أو مبتدع.

أهمية اليقين في استجابة الدعاء وتجنب موانعه

يجب على المسلم أن يكون لديه يقين بأن الله سيستجيب لدعائه، وأن يتجنب موانع الدعاء. اليقين بالإجابة هو ركن أساسي في الدعاء ولا يعني عدم وجود معاصي.

آداب الداعي والدعوة وختام الدرس

المقطع يشير إلى وجود آداب للداعي نفسه وللدعوة، ويعد بأن يشرح آداب الدعوة في درس لاحق. تم اختتام المقطع بالتأكيد على الاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسئيات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في درس سبق أن أخذنا بعض الضوابط أو بعض الأمور المهمة التي ينبغي للداعي الذي يدعو إلى الله، أو الذي يدعو الله جل وعلا أن يراعيها في دعائه لربه سبحانه وتعالى. وإن شاء الله وتعالى في هذا المقام نذكر بعض الآداب التي ينبغي كذلك أن يراعيها الداعي في دعائه، وهذه الآداب منها ما هو شرط، ومنها ما هو مستحب. ولهذا بعض العلماء يقول: آداب، وبعضهم يقول: شروط، ويريد بشروط أي شروط الصحة وشروط الكمالية. أن بعضها ليست شرطا، أي أنها إذا لم يأت بها يكون الدعاء صحيحا، وإنما بعضها من كمال الدعاء، ومن الأفضل أن يأتي به في الدعاء. فمن ذلك، أي من هذه الآداب، أولا في حال الداعي، هذا الداعي الذي يدعو ربه سبحانه وتعالى، لابد أن يكون هذا دعاؤه مخلصا لله جل وعلا. هذا الدعاء يكون فيه إخلاص ونية، وكما هو معلوم أن الله عز وجل يقول: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال﴾. فلهذا فالنية والإخلاص شرط لقبول العمل، وما هو معلوم فلا يقبل العمل والعبادة إلا بالإخلاص لله سبحانه وتعالى. لابد من الإخلاص. والأمر الآخر أن هذا الداعي الذي يدعو الله جل وعلا ينبغي في دعائه أن يكون دعاؤه خوفا ورجاء، أن يكون عنده خوف من عقاب الله جل وعلا، ومن مكر الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا رجاء أن الله عز وجل يتقبل منه هذا الدعاء، ويعطيه سؤله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، فلابد لهذا الداعي أن يكون عنده خوف، أن لا يكون خوفه من ما يستعيذ منه، ومما أيضا كذلك ذكره الله جل وعلا لمن خالف أمره. وكذلك أيضا يرجو رحمة الله وتوبته، وأن يتقبل هذا الدعاء منه. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخيفة إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾، خوفا وطمعا. فلهذا لا يكون الدعاء صحيحا إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط، أن يكون خوفا وطمعا. ولهذا لما مدح الله عز وجل الأنبياء، قال: ﴿إنه كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فلهذا فالدعاء لابد فيه من الرغبة، وهو الرجاء، ومن الرهبة، وهو الخوف. وكل عبادة كما هو معلوم، كل عبادة لله سبحانه وتعالى لابد أن يكون فيها خوف ورجاء ومحبة وتعظيم، وإلا كانت هذه العبادة غير صحيحة. إذا لم تستند العبادة على خوف ورجاء ومحبة، فإن هذه العبادة فيها خلل. ولهذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن بعض السلف كان يقول: من عبد الله عز وجل بالحب وحده فهو زنديق. من عبد الله عز وجل بالحب وحده فهو زنديق، مثل بعض الصوفية، تجدهم يقولون: لا نحن، أو في دعائهم مثلا، أو في توشيحاتهم يقولون: نحن لا نعبدك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، وإنما محبة لك، وأنسا بك. وهذا من هذا الكلام الباطل، فالعبادة إذا خلت من الخوف والرجاء كانت عبادة باطلة. وهذه العبادة عبادة الزنادقة كما كان السلف رحمه الله تعالى يقولون. ولهذا فهذا الذي يقع فيه هؤلاء غلاة الصوفية، وغلاة القبورية من عبادة الله عز وجل بالمحبة فقط، دون الخوف من عذاب الله جل وعلا وعقابه، ودون الطمع والرجاء في الجنة، فإن أولئك إنما هم زنادقة. بل ربنا سبحانه وتعالى لما ذكر أهل الإيمان، وذكر الأنبياء، وذكر أيضا كذلك أولياءه، ذكرهم أنهم عندهم خوف ورجاء. ثم قال الله عز وجل: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾. فهؤلاء أهل الإيمان، وصفهم الله عز وجل أنهم يدعون الله عز وجل بالخوف والرجاء. فلهذا فهذا كما قال السلف: من عبد الله عز وجل بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله عز وجل بالخوف وحده فهو حروري، أي من الخوارج، عندهم شدة خوف، وتجد الرجاء عندهم ضعيف جدا. فلهذا كانت عباداتهم باطلة، لأنها ليس فيها رجاء، وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل سيرحمهم، سيستجيب لهم. وقال أيضا كذلك: قالوا من عبد الله عز وجل بالرجاء وحده كان مرجئا، لأن المرجئة عندهم أن مهما عمل الشخص فإنه سيغفر الله عز وجل له، وأنه من أهل الإيمان، وأنه كذا وكذا، أي ألقاب الثناء كلها فيه، ولو عمل ما عمل. فلهذا عندهم الخوف ضعيف جدا. فلهذا أيضا قال السلف هذا الأمر. ثم قال أيضا: وأهل السنة يعبدون الله جل وعلا بالخوف والرجاء والمحبة، فلابد أن تجتمع في العبادة هذه الأمور، فلا تكون عبادة صحيحة إلا إذا اجتمعت فيها هذه الأمور. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان، والذل إنما يكون بالخوف والرجاء والطمع والتضرع، فكل هذا يدل على الذل لله سبحانه وتعالى. ولهذا كما قلنا من الأمور المهمة أن الداعي يكون في دعائه خائفا، وكذلك راجيا رحمة الله جل وعلا. وأيضا يكون في دعائه محبة لله سبحانه وتعالى، وتعظيما لمن يدعو. وكذلك أيضا من هذه الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الداعي أن يكون في دعائه متخشعا، وأيضا فيه سكينة وتضرع لله سبحانه وتعالى. وهذا التضرع قد يكون بحضور القلب، وقد يكون كذلك باستشعار عظمة الرب سبحانه وتعالى. وقد يكون هذا التضرع كذلك بكثرة الدعاء والإلحاح، وقد يكون هذا التضرع كذلك أيضا بالاعتراف بالذل والافتقار من العبد. فكل هذا من التضرع لله سبحانه وتعالى. وهذا امتثال لقول الله جل وعلا: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخيفة﴾، فهذا من التضرع. فلابد للداعي أن يكون متضرعا لله، متخشعا لله. ولهذا لما ذكر الله عز وجل عباده الصالحين، قال: ﴿كانوا يدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾، فلابد من الخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى، والاعتراف بالذل. بل أنه كما ذكرنا قبل أن حقيقة الدعاء هو الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، أن يعتقد المسلم أنه مفتقر إلى الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. ولهذا لما عرف السلف رحمه الله تعالى، بل الأنبياء قبلهم، عرفوا هذه الحقيقة، حتى أن أحدهم كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: حتى أن أحدهم إذا قطع عليه شسع نعله، سأل الله عز وجل أن يعوضه به، أو أن يرجعه له. فمن تأمل القرآن وما ذكره الله عز وجل عن الأنبياء، يجد أن الأنبياء ربطوا أقوامهم بالله سبحانه وتعالى، وبدعاء ربهم سبحانه وتعالى. وكذلك ربنا سبحانه وتعالى فتح هذا الباب العظيم، وألغى الحواجز بينه وبين عبده. حتى قال جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، فلم يقل: قل إني قريب، لا، قال: إني قريب، حتى كما ذكر العلماء، حتى يبين أن الله عز وجل ليس بينه وبين عبده واسطة. لا كما يقول القبورية: أننا محتاجون إلى واسطة، وأننا مذنبون، وكذا، فلابد أن نتوسل، أن نذكر فلانا، نستغيث بفلان، ولا نستغيث بالله، وإنما نستغيث بفلان حتى يستشفع لنا عند ربنا. وهذا هو الشرك بعينه، وهذا الذي اعتقده المشركون كما قال جل وعلا حكاية عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. وكذلك أيضا قال الله عز وجل عنهم: ﴿قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، فلهذا فالمسلم لا يجعل هناك بينه وبين الله عز وجل واسطة. يدعو الله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. وكذلك أيضا من الأمور المهمة، وهي أيضا تابعة للإخلاص، أن العبد يكون عنده يقين أن الله عز وجل سيستجيب له. أن العبد يكون عنده يقين أن الله عز وجل سيستجيب لدعائه، وهذا أمر مهم. بل ذكر الإمام ابن القيم أن هذا الأمر من أعظم الأمور في الدعاء. وكذلك أيضا حتى في الرقية، وكذلك في الدعاء لله سبحانه وتعالى، هذا من أعظم الأمور، أنه يضع يقينا أنه سينتفع بهذا الدعاء. وكما ذكرنا قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل في غير إثم ولا قطيعة رحم إلا استجاب الله عز وجل له، أو صرف عنه بلاء أعظم من ذلك، أو ادخره له في الآخرة». فلهذا فالمسلم ينبغي أن يوقن في دعائه أن الله عز وجل سيستجيب له. وكما أنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أن المسلم ينبغي عليه أنه ينزه نفسه، ويصفي نفسه من موانع الدعاء. لأن هناك كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا، هناك موانع للدعاء تمنع من قبول الدعاء، وتمنع من استجابة الدعاء. فلهذا فالمسلم إذا صفى نفسه من هذا، فإنه يوقن بالإجابة. وليس معنى ذلك أنه مثلا إذا كان الشخص عنده شيء من المعاصي، أنه لا يوقن بالإجابة، لا يدعو الله عز وجل. فإن الله عز وجل قد يستجيب للكافر، قد يستجيب للكافر المظلوم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب». مع أنه أرسله إلى قوم كفار، قال له: «واتق دعوة المظلوم». فلهذا هناك أو هذا اليقين الذي ينبغي أن يكون للمسلم، لابد أن يكون في دعائه أن الله عز وجل سيستجيب له، أن يكون عنده يقين في هذا. أن الله عز وجل سيستجيب له. وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وهناك أيضا بعض الآداب التي في الداعي نفسه، الداعي الذي يدعو الله عز وجل، هناك آداب أيضا في الدعوة، إن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.