الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 503

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 503

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 503، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في تراجم الرواة ومسألة الانتساب

يتحدث هذا الفصل عن تراجم الرواة مثل إبراهيم بن خالد ومعمر بن راشد، ويشرح مسألة الانتساب إلى البلدان وتطورها عبر العصور.

شرح حديث الإثم والإيمان وتفسيره

يفسر هذا الفصل الحديث النبوي حول الإثم والإيمان، موضحًا أن الإثم هو ما يستحي منه الإنسان والإيمان هو الرضا بالحسنات والأسف على السيئات.

علامات الإيمان في التعامل مع الأعمال

يتناول هذا الفصل علامات الإيمان الحقيقي من خلال التعامل مع الحسنات والسيئات، ويحذر من العجب والغرور عند فعل الحسنات.

حقيقة الإيمان ودلالاته العملية

يشرح هذا الفصل حقيقة الإيمان وكيف يعرف المؤمن حقيقته من خلال التأمل في نفسه وخطاياه، ويستشهد بحديث النبي في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا إبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن خالد هو القرشي الصنعاني المؤذن، مؤذن الجامع الكبير في صنعاء في ذلك الوقت، وأذن سبعين سنة، وهو يؤذن، هذه همة عظيمة حتى صار يلقب بالمؤذن. وكان أحمد بن معين يحبونه، وكانوا يجلسون عنده في المسجد، حتى لما سئل عنه ابن معين، قال: كان صاحبي، لكني لم أكتب عنه شيئًا. وسئل أحمد عنه، قال: ثقة، صاحب خير، أنا رجل خير. قال: حدثنا إبراهيم بن خالد، قال: حدثنا رباح -ورباح أيضًا ابن زيد القرشي، وهو صنعاني مولاهم- على مولى القرشي. وأثنى عليه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: جليل، وانتقه. ثم قال الشيخ: قال عن معمر -وهو قاضي رباح هذا قاضي من قضاة صنعاء- قال عن معمر، وهو ابن راشد أبو عروة، وقال: يماني البصري، ونزل اليمن ومكث فيها. والعلماء ذكروا مسألة الانتساب إلى البلد، معلوم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتسبون للقبائل غالبًا، ينتسب إلى القبيلة، ما ينتسب إلى البلد. انظر إلى المهاجرين وإلى الأنصار، تجد نسبهم إلى القبائل، هذا سلمي، هذا أشجعي، هذا نجاري، وهذا أيضًا مخزومي، قبائل قريش، هاشمي، أسدي، وهكذا، يعني ينتسبون للقبائل. ثم لما مصرت الأمصار، وصارت أمصارًا كبيرة كالكوفة والبصرة وواسط وغيرها، فصار الناس ينسبون إلى البلد، ينسبون إلى البلد؛ لأن الذي يكون في المدينة غالبًا أخلاق من القبائل، ليس قبيلة واحدة ولا كذا، فلهذا ينسبون إلى البلد، فتجد المكي، البصري، الكوفي، هكذا. لكن معناه ذكر العلماء مسألة: متى يقال أن فلان كذا، مثلًا يمني أو كوفي، متى يقال أنه ينسب إلى هذه البلدة؟ هل هناك سنوات معدودة إذا جلس فيها نسب إليها؟ فبعض العلماء ذكر أن هناك سنوات، منهم من قال: أربع سنوات، يعني من جلس في بلد أربع سنوات ينسب إليها، ومنهم من قال: أكثر إذا استوطن فيها. وهذا غالب إذا استوطن في البلد ينسب إليها، وإلا فهو ينسب إلى بلده الأصل الذي ولد فيها. فمعمر مثلًا معمر بصري، وجاء إلى اليمن دعوة، وكذلك لعله له غرض، ثم إنه كان معمر يعمل عند امرأة قرشية، يبيع لها الثياب، ويبيع لها البز، أي الثياب، فيتنقل من هنا إلى هنا، ويذهب إلى المواسم، فلهذا تجده يدور بهذه البضاعة، ويطلب العلم كلما دخل بلدًا، وطلب العلم عند علمائها، مع بيعه يبيع في وقته، ثم يذهب إلى المسجد ويسمع. فوفقه الله عز وجل حتى قال الإمام أحمد: كلما قارنت أحدًا في الطلب بمعمر، أجد معمر أطلب منه، يعني كان من ناحية طلبه العلم في كل مكان يطلب العلم، يدور بضاعته ويطلب العلم. وقدر الله أنه يأتي إلى اليمن، وكان قد تعلم وأخذ الحديث، فسمع منه أهل اليمن، فأعجبهم علمه وحفظه. فقال بعضهم: زوجوه، تمسكونه، أنا إذا زوجته فإنكم تمسكونه ويجلس عنده، فزوجوه، فصار له أهل في اليمن، فجلس في اليمن، وإنما يذهب إلى البصرة أحيانًا يزور أمه في البصرة، فلهذا يقال له: يماني بصري، يماني بالنسبة لنزوله، وبصري بالنسبة لأصله موطنه. قال عن يحيى بن أبي كثير، ومعمر رحمه الله كان حافظًا كبيرًا، حتى لما قيل لسفيان الثوري: هل لقيت الزهري؟ قال: كفانا عنه أبو عروة، كفانا عن لقياه أبو عروة، وأراد معمر رحمه الله. وسفيان جلس في اليمن فترة، وأخذ الحديث من معمر، وأخذ أيضًا معمر أخذ الحديث، وعبد الرزاق أيضًا من سفيان. قال عن يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر، يحيى بن أبي كثير، عالم من علماء المسلمين، وحافظ من حفاظهم، حتى كان يفضل أحيانًا على الزهري لكثرة حفظه، كان حافظًا كبيرًا، وكان رجلًا عالمًا وفقيهًا، وكان موطنه اليمامة، كان موطنه اليمامة في نجد، لكنه أكثر ما يكون في المدينة، طلب العلم في المدينة كثيرًا، وأخذ عن أهل المدينة خاصة عن أبي سلمة، وأكثر عنه. قال عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم أو زيد بن سلام، وهو الحبشي، وهو شامي، قال عن جده، وهو سلام بن مشكم، أبو سلام. وزيد هذا زيد بن سلام بن مشكم الحبشي، وقد سمع من جده كذلك، له أخ اسمه معاوية، يروي عن زيد، ويروي عن جده كذلك. وأقصد جده اسمه ممطور، ليس اسمه سلام، وإنما أقصد مشكم، إنما ممطور الحبشي، أبو سلام. قال: سمعت أبا أمامة يقول: سأل رجل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ما الإثم؟ فقال: إذا حك في نفسك شيء فدعه. قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن. قال: هذا الحديث الصحيح، هو إبراهيم بن خالد هو القرشي الصنعاني المؤذن، فأثبته في تهذيب التهذيب، وثقه أحمد بن معين والبزار والدارقطني. قال: ورباح هو ابن زيد القرشي مولاهم الصنعاني، أثنى عليه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: جليل، وانتقه، كما في تهذيب التهذيب. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وابن عبادة القيسي البصري، قال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله، وهو الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به. وهشام عن يحيى هو من أوثق الناس وأثبتهم في يحيى، هشام لا يقارن بأحد في يحيى بن أبي كثير. قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، وهو ابن علية، قال: أخبرنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به. وهذا حسبك، بهذا الإسناد جلالة، وهو إسناد الصحيحين، هذا الإسناد إسماعيل بن علية عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن مشايخه خاصة، عن زيد بن أسلم، هذا إسناد الصحيحين. قال: في هذا الحديث فيه مسألتان، يعني أصليتان، وفيها فرع، نأخذ المسألة الأولى، وهي مسألة الإثم، ما هو الإثم؟ ما حقيقة الإثم؟ وأيضًا حقيقة الإيمان، المسألة الثانية. فسئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما الإثم؟ فقال: إذا حك في نفسك شيء فدعه. وهذا مثل حديث النواس بن سمعان، لما قال له رجل: ما الإثم يا رسول الله؟ قال: ما حك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس. وهذا أيضًا أوضح، ما حك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس، العلامة الأولى ما حك في النفس، هذا يدل على إثم، أي وجدت حرج فيه، وجدت حرج في هذا الفعل، يعني لا تعرف أنه حرام، لكن وجدت فيه الحرج. والعلامة الثانية قال: وكرهت أن يطلع عليك الناس، يعني كرهت أن الناس يطلعون على هذا الذي في نفسك أو هذا الذي تعمله، فهذا هو الإثم، هذا هو الإثم. لو أنك ما تجد في نفسك شيء، وأيضًا كذلك ما ترى من سماع الناس لمثل هذا شيء، فغالبًا يكون أمرًا مباحًا، غالبًا يكون أمرًا مباحًا. إلا أن هناك بعض الأشياء قد يستخفيها الإنسان لمقامه أو مثلًا، يعني عدم فعلها عند من يقتدي به، قد يكون أمورًا مباحة. وهل هذا من الإثم؟ فالظاهر ليس كذلك، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الأمر العام الذي يجد الإنسان فيه تحرج من الناس. وأما من ناحية الاقتداء فشيء آخر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يترك الشيء لأجل أن لا يقتدى به، أن لا يقتدى به فيشق على الناس، أن يكون فيه مشقة أو فيه غيره، مثل ما ترك الجماعة في صلاة التراويح، وترك أو أراد أن يترك الوصال، وغيرها من هذه الأمور التي قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتركها شفقًا على أصحابه، شفقًا على أصحابه. وهكذا من كان يقتدى به، فقد يترك بعض الأشياء أو يفعلها في غير مثلًا في سر أو كذا، لأجل أن لا يقتدى به، أن لا يقتدى به. قال: إذا حك في نفسك شيء فدعه، هذا أيضًا عند اختلاف النفس في الشيء، هل هو حرام أو حلال؟ أما إن كان يعلم أنه حلال، لكن لم يرد من نفسه أن تعتاد هذا الأمر، وهذا أيضًا يعتبر من التقوى، يعتبر كذلك أيضًا من رعاية النفس. وقد أكثر فيها بعض الصوفية، وزادوا وغلوا في هذا الباب، فمنعوا أنفسهم من أشياء حللها الله عز وجل لهم، وهذا خطأ أيضًا، وهذا خطأ. وإن كان مثلًا بعض الأئمة يفعل ذلك لأجل الحفاظ على نفسه، لكن لا يجعله لا يجعل ذلك اقتداء أو يجعل ذلك أمرًا مشتهرًا أمام الناس. فتجده يمتنع عن بعض الأشياء، لا يأكلها، ليس أنها حرام، وليس أنها أيضًا فيها شيء أو فيها شبهة، لا يمتنع لأجل صحته مثلًا، أو لأجل علمه، أو لأجل ذكائه، مثل ما كان يفعل الزهري، كان لا يأكل حمضيات، لا يأكل برتقال، ولا يأكل كذلك لأجل حفظه، يعني لأجل أن لا يتأثر حفظه. فتجدهم يمتنعون عن بعض الأشياء، وكذلك بعضهم يمتنع عن بعض الأشياء، معنى إرغامًا لنفسه حتى لا تطلب نفسه أكثر من هذا، فإذا جعلها تشتهي أو كل شيء اشتهت وأعطاها، فقد تشتهي ما هو حرام، فلا يستطيع أن يملك نفسه. فمن هذا الباب تجد كثيرًا من العلماء، كثيرًا من العباد الذين هم على الطريقة الصحيحة، يمتنع عن بعض الأشياء، ليس كما قلنا أنها حرام أو أنها كذا، وإنما يمتنع لأجل نفسه، حتى يؤدب نفسه أن تطلب ما هو حرام، فيمنعها من الحلال حتى لا تطلب الحرام، فيمنعها من بعض الأشياء حتى يستطيع أن يملك نفسه. فإن استطاع أن يملك نفسه في الحلال، فلا شك أنه يستطيع أن يملك نفسه في الحرام. وأما من أعطى نفسه هواها، فقد أيضًا لا يستطيع أن يمسك نفسه عند الحرام. وقد ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شيئًا من هذا، وكذلك الإمام ابن القيم، وأكثر في ذلك حتى يبين أن هذه النفس تحتاج إلى تربية، يربيها الإنسان، لكن ليس على غلو الصوفية أو أهل التزهد الذين عرفوا كالحارث المحاسبي، وأبو طالب المكي، وعبد القادر الجيلاني، وأيضًا الجنيد، وهو أحسنهم، وغيرهم من هؤلاء، هؤلاء غلوا في هذه الطريقة حتى دخلوا في أشياء من شطحات القوم التي لا ينبغي أن يفعلها المسلم، وتركوا أشياء أجازها النبي عليه الصلاة والسلام، وتنزه عن أشياء فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن فعل كذلك فهو لا يفلح، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء الثلاثة الذين سألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، وقال: وجاء في رواية لا آكل اللحم، فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وأن من ترك هذه الأمور عبادة فهو مخالف، من ترك هذه الأمور عبادة فهو مخالف، ومن تركها لنفسه فهو جائز. أنا منعت نفسي ليس من باب أنها حرام، وإنما من باب أشياء أربي نفسي على مثلًا عدم ترففي وكذا، لكن لا ينبغي أن يترك شيئًا تعبدًا، مثلًا يترك الزواج، يقول: هذا أريد أن نتفرغ للعلم، هذا خطأ، يريد يترك الزواج مثلًا، يقول: أريد أن نتفرغ لعبادة، ما في شيء للإنسان يتفرغ للعلم، لكن يحصن نفسه؛ لأن هذا الأمر قد يجعله يضيع نفسه بسبب أنه لم يتزوج. قال: إذا حك في نفسك شيء فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن. وخلاصة ما يذكر في هذا، هذا علامة عظيمة من علامات أهل الإيمان، أنه يسوء ويحزن إذا فعل السيئة، ويرجع إلى الله عز وجل ويتوب، وإذا فعل الحسنة فإنه يفرح، يفرح في قلبه، ليس أنه يتظاهر بها، يعني إذا انتهى من صلاته فرح، إذا تصدق فرح، إذا صدق أو إذا قام الليل وصل فرح بذلك، لكن ليس عن طريق العجب. والفرق بين هذا وهذا أن العجب يظن أنه فعل شيئًا وقدمه لنفسه لله شيء كبير، أنه قدمه هذا خطأ، هذا عجب، وقد يترك هذه الأشياء إذا استمر في عجبه، وأيضًا كذلك قد لا يتحصل على أجره؛ لأن هذا العجب غالبًا من الكبر ومن الغرور. فلهذا لا يظن في نفسه أنه فعل فعلًا كبيرًا، وأنه أفضل من فلان وأفضل من فلان، فهذا خطأ، لكن يفرح أنه أدى فريضته، فرح أنه فعل الخير، يفرح في ذلك، وتسره حسنته. وأما إذا فعل سيئة ساعته وحزن، فهذا هو علامة من علامات أهل الإيمان؛ لأن أهل النفاق عندهم وأهل الكفر كذلك، خاصة أهل النفاق، عندهم سواء فعل حسن وإن فعل سيئة فهو عنده سواء، لا يبالي. وهذا إذن قد تجد في بعض من انحرف وأهلك نفسه بالسيئات، فيعمل السيئة ولا يبالي، بل حتى من الكبائر يعمل الكبيرة وهو لا يبالي أنه يعمل كبيرة، ولا أيضًا يجدها في نفسه، بل يسر بفعلها، وهذا أمره خطير. وأما المؤمن الحق فهو الذي يحزن إذا فعل سيئة ويسر إذا فعل حسنة، وهذا جاء أيضًا في حديث عمر في الخطبة التي خطبها عمر رضي الله عنه في الجابية، كما أخرج ذلك أحمد، وذكر فيه هذا الكلام عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: والمؤمن من ساءته سيئته وسرته حسنته. وهنا قوله: فما الإيمان؟ أي حقيقة الإيمان، أي حقيقة الإيمان، المؤمن يعرف إيمانه بهذا، أنه يحظه حتى يبكي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: النجاح لما سئل عن النجاح، قال: أبكي على خطيئتك، أو أمسك عليك لسانك، وابكي على خطيئتك، وليسعك بيتك، طيب هذا إن شاء الله ما يذكر.