مباحث في الدعاء 5

الدرس في مباحث في الدعاء 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الدعاء لمن أحسن إلينا

ينبغي للمسلم أن يدعو لمن أحسن إليه، مثل الله سبحانه وتعالى، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم. الدعاء لهم يدل على نفع الدعاء وبركته.

فضل الدعاء للسلف والمعلمين وأثره

يُشير إلى أهمية الدعاء للسلف والمعلمين، حيث ذكر الله تعالى في القرآن الكريم دعاء المؤمنين لبعضهم البعض، وأثنى على ذلك. الدعاء هو من بركة العلم.

الدعاء للوالدين والأهل ومكافأة المحسنين

الدعاء للوالدين والأهل من الأعمال الصالحة التي تجلب البركة، ويجب مكافأة من أحسن إليك بالدعاء إن لم تجد ما تكافئه. الدعاء لهم يعتبر من المكافأة المناسبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد قضينا في درس مضى بعض آداب الدعاء التي ينبغي للمؤمن أن يراعيها إذا دعا ربه سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام، إن شاء الله تعالى، نذكر أدبًا من هذه الآداب التي غفل عنها كثير من الناس، وهو أدب مهم جدًا، وأيضًا يدل على نفع هذا الدعاء وبركته، وهو أن المسلم ينبغي عليه أن يدعو لمن أحسن إليه، أن يدعو لمن أحسن إليه، ولمن أنعم عليه. وهذا يراد به الإحسان العام، مثل من أحسن إليك في تعليم العلم وتبيين الحق، مثل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أيضًا من باب أولى الرب سبحانه وتعالى، المنعم الحقيقي. وكذلك كما قلنا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي أتانا بهذا الهدى وأخرجنا من الظلمات إلى النور، ودعا إلى الله سبحانه وتعالى. فلهذا نكره هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، عليه الواجب أن يدعو له المسلم. وقد جعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدعاء له خاصة بعد الأذان، أن يطلب له الوسيلة. وكذلك أيضًا لا ينسى العبد أن يدعو لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن كان ليس هو محتاجًا إلى دعائنا، فقد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه. لكن أيضًا المسلم ينبغي أن يطلب له الوسيلة، فإنه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يدعو الله عز وجل لي بالوسيلة، فإنها منزلة لا يبلغها إلا عبد واحد، فأرجو أن أكون أنا هو». ولهذا قال العلماء: إن الله عز وجل قد وعده نبيه بهذا، كما في قوله جل وعلا: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. فأيضًا كذلك ممن أسدى إلينا معروفًا الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإنهم ضحوا وبذلوا أوقاتهم في تعليم الناس ونشر العلم، وحفظوا لنا هذا الدين. ولهذا تجد أن أهل الحق وأهل السنة، والذين رضي الله عز وجل عنهم ويرضى عنهم سبحانه وتعالى، هم الذين يدعون لهؤلاء، يدعون لهم بالخير ويدعون لهم بالمغفرة. ولهذا لما ذكر ربنا سبحانه وتعالى المهاجرين الفقراء الذين يخرجون من ديارهم، ثم ذكر بعد ذلك الأنصار الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم، يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فهؤلاء الذين رضي الله عز وجل عنهم هم الذين يدعون للسلف ولمشايخهم ومن علمهم، يدعون لهم بالخير ويدعون لهم بالمغفرة. ولهذا تجد أن السلف رحمه الله تعالى اهتموا بهذا الجانب، بل إنه من بركة العلم أنك تدعو لشيخك وتدعو لمن علمك وتدعو لمن بصرك بالطريق الصحيح. ومن هؤلاء السلف رحمه الله تعالى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فإنه كان يدعو له الإمام أحمد دائمًا. قال عبد الله بن أحمد: كنت أسمع أبي دائمًا يدعو للشافعي، فقال: يا بني، ما أسمعك تدعو إلا في صلاتك إلا وتدعو للشافعي. فقال: يا بني، الشافعي كالشمس للأرض، وكالعافية للبدن. أي أنه بعلم هذا الذي نشره، والذي علم الناس، استفاد الناس خيرًا كثيرًا، كما مثل الأرض التي تستفيد من الشمس، وكذلك مثل الأبدان التي تستفيد من العافية. ولهذا يقول الإمام سفيان بن عيينة: «ما أرى تركنا أوقاتنا وعلمَنا إلا بدعاء أهل الحديث لنا». وعلى من تلقى العلم عنده فإنه يدعو له. ولهذا أيضًا جاء عنه أنه قال: «إذا رأيت رجلًا من أهل الحديث ترى فيه النظرة، فذلك لدعاء أهل الحديث له». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سمع منا حديثًا فأداه كما سمعه، فرب يبلغه نظر الله إليه». أي جعل الله عز وجل في وجهه النظارة، وفي قلبه النور. فالدعاء له من بركة العلم، ولهذا تجد أن معلم الخير يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والنملة في جحرها، كلهم يستغفرون لمعلم الناس الخير. وهذا لفضل ذلك الأمر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». وكذلك أيضًا الوالدان، فإنهما لهما نصيب وافر من الإحسان. ولهذا ربنا جل وعلا أمرنا بدعائهما، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فدعاء الوالدين بالرحمة، أن الله عز وجل يرحمهما كما ربوك وأنت صغير، وأحسن إليك. فأنت الآن تحسن إليهما بأن تدعو لهما، تدعو الله عز وجل أن يرحمهما وتدعو لهما بأشياء كثيرة. ولهذا تجد أن المسلم لا ينبغي له ولا يجوز بل هو من الكبائر أن يعق والديه. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدعاء على الأولاد، فقال: «لا تدعوا على أولادكم، ولا على دوابكم، ولا على أموالكم، لتوافق ساعة يستجاب فيها». فالوالد يستجاب له، والولد لا يستجاب له. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بغير إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله به إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». فالواجب على المسلم أن يحرص على الدعاء لوالديه، يدعو لهما بالرحمة، يدعو لهما بالخير، يدعو لأولاده، يدعو لأهله. فإن هذا تعال بركة جعلها الله عز وجل لنا. ندعو الله سبحانه وتعالى بأن يرحم والديه ويغفر لهما، وأن يزين لهما الإيمان، ويحببهما إليه. وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبيه مع أنه مشرك، حتى نهى الله عز وجل عن ذلك. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. بل إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم ينس أباه حتى يوم القيامة، لما وعده الله عز وجل بأن لا يخزيه يوم القيامة. فقال إبراهيم: يا رب، وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي من أبي الأبعد؟ فقال الله عز وجل: يا إبراهيم، انظر إلى ما تحتك. فنظر إلى ما تحته، فرأى دابة متشحطة بدم على صورة أبيه. فتبرأ منه. فربنا جل وعلا لما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار للمشركين، لم ينهه عن الدعاء لهم. وفرق بين الدعاء والاستغفار. فالاستغفار لا يجوز للمشركين، يدعو لهم بالمغفرة ولو كانوا كافرين، لكنه يدعو لهم بالهداية. يجوز أن يدعو لهم بالهداية كما ذكرنا قبل ذلك. وكذلك أيضًا من أحسن إليك ولو كان في أمر خاص، ولو كان هذا الأمر في شيء قليل، أهدى إليك معروفًا أو أهدى إليك هدية، فمثل هذا أيضًا تدعو له لأنه أحسن إليك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له». فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.