شرح كشف الشبهات  6

شرح كشف الشبهات 6

الدرس في شرح كشف الشبهات 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعوة النبي إلى إخلاص العبادة

شرح المؤلف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله وحده مستدلًا بآيات من القرآن الكريم. وأشار إلى مقتضيات الإخلاص مثل الدعاء والذبح والاستعانة وغيرها من العبادات.

أهمية التفصيل في دعوة التوحيد وشرح العبادات

يُنبه على أهمية التفصيل في دعوة التوحيد لمنع سوء الفهم، ويشرح بعض العبادات مثل الدعاء والذبح وشرح شروطهما.

أحكام الذبح والنذر وتقسيم النذر

يناقش أحكام الذبح والنذر في الإسلام، ويشرح تقسيم النذر إلى مطلق ومقيد، ويمدح النذر المطلق ويذم النذر المقيد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أو يدعونا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى. قال: وعرفت أن رسول الله قاتلهم على هذا الشرك. قال: وعرفت أن رسول الله قاتلهم على هذا الشرك. قوله: «وعرفت، وعرفت»، هذا معطوف على كلمته «فإذا تحققت». ومن تابع، ومن علم، ومن قرأ السيرة، يعلم أن رسول الله قاتل المشركين، قاتلهم، وهم مقرون بوجود الله، وهم يعبدون، ويتعبدون، وهم قد اتخذوا أرواحًا صالحة تقربهم إلى الله، مع هذا كله قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ قاتلهم؛ لأنهم لا زالوا على وصف الشرك. وما هو الشرك الذي لا زالوا فيه؟ هو عدم إفرادهم العبادة والطاعة لله جل في علاه. فقال: «وعرفت أن رسول الله قاتلهم على هذا الشرك». فإذن: من أتى بالربوبية ليس بمنأ عن السيف، بل يقاتل. والقتال يتفرع من التكفير، القتال يتفرع من التكفير. وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في أحد رسائله: «وعرضت ما عندي من التوحيد إلى علماء الأمصار». قال: فوافقني طائفة على ما قررت في كتبي، على ما دعوت الناس إليه من توحيد الله. قال: والأكثرون وافقوني على التوحيد، لكن عظم عليهم التكفير والقتال. أي: تقريري لمسائل التوحيد معي وافقوني؛ لأن كلام المؤلف فاضح، من أدلة الشرع، الأدلة العقلية والنقلية، من كتاب الله، ومن سنة رسوله، من بيان أحوال ما عليه العرب التي نزل إليهم نبينا. وافقوا على ما تذكره، صحيح، لا غبار عليه. هذا الكلام تترتب عليه أحكام، ومن أعظم أحكامه الكفر. إذن: هؤلاء وقعوا في الشرك، وقعوا في الكفر. إذن: هؤلاء يقاتلون؛ حتى يبقى الدين لله. هنا ثقل عليهم، قالوا: ما نستطيع، لا نتجاسر على أننا نرميهم بالكفر، ولا أن نتجاسر أن نعلن عليهم الجهاد والقتال، ضعفوا. لكن الشيخ الإيمان مجدد ماذا؟ رفع بدعوة التوحيد رأسًا، علمًا وعملًا، فأنزل الكتب والرسائل، وأقام الحجة، ورمى بالشرك من يستحق الرمي من أهل الأهواء والعناد، بل ورفع عليهم السلاح والقتال، فقامت حروب، قاتل رحمه الله الكثير من القبائل ممن وقفت أمام دعوة التوحيد؛ حتى فتح الله على يديه الأمصار. وهذه من نصرة الله لعباده الصالحين الموحدين. فالإنسان لا يخاف الله لوم ملائم، ومن كان مع الله كان الله معه. أحيانًا الإنسان -إخواني في الله- في باب الدعوة مثلًا قد لا يتجاسر على أن يتكلم بدعوته؛ لما يرى من مخالفة الناس، فيضطر أن يماشيهم، فيجعل رضى الله آخر منازله، ويجعل رضى الناس مقدمة. لا -يا عبد الله- ليس من صنيع الدعاة، بل ليس من صنيع أهل الصلاح، بل ليس من صنيع المسلمين، وإنما المسلم يقدم طاعة الله وطاعة رسوله على كل شيء: «لا يؤمن أحدكم؛ حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين». قال رحمه الله تعالى: ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من مشركي العرب أنهم زاحموا الله، زاحموا المعبودات في عبادة الله، أمرهم بالإخلاص. وما هو الإخلاص؟ الإخلاص هو أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله، أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله، هذا هو الإخلاص، لا يكون لك هم، ولا نية، ولا إرادة بفعل العبادة والطاعة سوى التقرب إلى الله، هذا هو الإخلاص. وهذا الذي أمرهم به نبينا، كما أمره الله: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين». قال: كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وأحدًا نكرة في سياق النهي، والقاعدة البلاغية، وعند الأصوليين: أن النكرة في سياق النهي تدل على العموم. فلا تدعو مع الله أحدًا، لا ملكة، ولا نبية، ولا صالحة، أحدًا. النكرة «أحدًا» إذا جاءت في سياق النهي، أو النهي، أو الشرط، تفيد العموم هنا. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾: ما معنى المساجد؟ المساجد تفسر بأحد تفسيرين: إما أنها المواضع التي بنيت للعبادة، كهذا المحل، هذا المكان مسجد؛ لماذا سمي مسجدًا؟ لأنه بني لأداء العبادة والصلاة. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ أي: هذه البيوت تكون لله وحده. ذكر الطبراني عن قتادة أنه قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يوحد الله وحده؛ على خلاف ما عليه اليهود ونصارى. كما تلاحظون الآن: النصارى يذهبون كل أحد إلى الكنيسة، إيش الموجود في الكنيسة؟ صليب، وفيه ماذا؟ جثة، أو صورة، تمثال يسوع عيسى، وهو مصلوب كذبًا وافتراءً عليه، ثم به: «الأب، والإبن، والروح القدس، سيد اليسوع»، يتوسلون، ويرجون عيسى عليه السلام، فجعلوا الكنائس محلًا للشرك. وهكذا اليهود. فأمر الله نبيه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾؛ فلا يجوز أن يبقى شيء من معالم الوثنية في بيوت الله. ومن هنا: لما دخل رسول الله مكة، وكان حولها الأصنام، ماذا فعل؟ أزاح الأصنام؛ لأن الكعبة هي بيت من بيوت الله، قبلة الموحدين، أزاح الأصنام. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. المعنى الثاني للمسجد: المساجد هنا هي الأعضاء التي يسجد عليها، الأعضاء التي يسجد عليها: الوجه، واليدان، والرقبتان، والقدمان، هذه أعضاء السجود، لا تنحني، ولا تسجد إلا لله، لا تكون إلا لله. قال سعيد بن جبير رحمه الله: «الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله؛ فلا تسجدوا لغيره». لهذا تجد أن هذه الآية: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ اختلفوا: هل المساجد جمع «مسجد»، أو جمع «مسجد»؟ هنا «مسجد»، أو «مسجد»؟ فمن أهل العلم من يرى أن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ أي: الأماكن التي بنيت. ومنهم من رأى أن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ جمع الأعضاء التي يسجد عليها. وكلاهما من أقوال السلف. قال: وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾. أي: هذا من تمام كلام المؤلف: «ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده»، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ الآية. وكما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾. هنا فسرت «دعوة الحق» هي بدعوة التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله. «له دعوة الحق»، وهو أن الله يوحد. وأخبر سبحانه أن من دونه من الآلهة والمعبودات لا تستجيب لأصحابها. قال: «قاتلهم؛ ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والاستعانة كلها، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله». أشار المؤلف رحمه الله تعالى من خلال الأمثلة إلى بعض مقتضيات الإخلاص، إلى بعض مقتضيات الإخلاص. فمثل بمثل أمثلة؛ حتى يفهم ما معنى أن يكون الإخلاص لله، فذكر الدعاء، وذكر الذبح، وذكر الاستغاثة، وغيرها من العبادات، ذكر النذر عندكم. النذر: ما ذكره المؤلف أولًا؛ إنما ذكر هذه الأمثلة من باب تقريب الأفهام؛ لأنه كما يقال: وبالمثال يتضح المقال. ومما يعاب على بعض الدعاة من دعاة التوحيد: أنهم لربما إذا تكلموا على التوحيد تكلموا بالعموم، بالعموم دون التفصيل، وهذا غلط دعوي، غلط منهجي. تجد بعضهم يقول: «أنا من أهل السنة، وأنا أهتم بالتوحيد»، وتكلم بالتوحيد، فيتكلم مثلًا: «الله عز وجل أمرنا بالطاعة والعبادة، وأمر الإخلاص له سبحانه وتعالى». طيب: «وما أمر إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين». طيب: الآن السؤال: أنت تكلمت بهذا الكلام، السؤال: المتلقي، المتلقي الجالس، سيفسر كلامك بماذا؟ هل سيفسر كلامك بما في نفسك؟ أم سيفسر كلامه بما في نفسه؟ هو سيفسر كلامه بما في نفسه. ولهذا تجد مثلًا: دعاة الصوفية، والروافض، يأتون بهذه الآيات: «إخلاص العبادة، إخلاص الطاعات لله». طيب: على ماذا يفكرون؟ المتلقي سيفهم الإخلاص على مؤداه: أن من الإخلاص لله التقرب إلى من؟ إلى الأولياء، والأضرحة. ومن هنا عاب العلماء في مسألة التوحيد: أنك تركت الإجمال، تركت الإجمال، لا، تركت الإجمال، فصل، وضح، وضح؛ حتى أن المتلقي يأخذ الإجمال والتفصيل منك، لا يأخذ الإجمال منك؛ ثم هو يحشي بعد ذلك. وهذا الموجود عندنا من الجماعات -للأسف- حتى من المبتدعة الضلال، هل تظن الضلال ما عندهم قرآن يقرؤونه؟ ما عندهم خطب، محاضرات، ما يتكلمون في الإخلاص، ما يتكلمون في التوحيد، عندهم: «ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله». كل تقول: «طب كيف يقعون في هذا؟» عندهم الحاشية تحت هذه الأشياء العامة يفصلون فيها. ومن هنا كان من شيم، ومن صفات دعوة أهل السنة في باب التوحيد: أنهم بعد الإجمال يفصلون، كما هنا فعل المؤلف، ذكر الإخلاص، إخلاص الدين، دعوة الرسول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. مثل الآن: كيف الدعاء لله؟ الذبح لله؟ النذر لله؟ هنا يتنبه، أقول: كيف؟ هذا هو التوحيد، هذا هو التوحيد. فالتفصيل -إخواني في الله- مفيد، بل هذه دعوة الأنبياء، ونبينا صلى الله عليه وسلم، فصل، فصل الدعوة، فصل الدعوة التوحيدية. وهكذا لأئمة التوحيد، فصلّوا؛ حتى كما يقال: تكون الأمور واضحة لكل ذي عينين. أشار المؤلف رحمه الله تعالى لبعض هذه العبادة، طبعًا والكلام فيها يطول جدًا، لكن نذكر أهم المسائل. فقال: «الدعاء»، أي: أن يكون الدعاء كله لله جل وعلا. ما هو الدعاء؟ الدعاء كما أشار إلى ذلك الإمام ابن العربي المالكي: «الدعاء هو الطلب»، هذا معنى الدعاء في اللغة، وفي الشرع، في اللغة، وفي الشرع، هذا معنى الدعاء: الطلب. «أدعو الله»: أطلب الله، «ادع فلانًا»: أي أطلب فلانًا. كل معاني الدعاء في اللغة، وفي الشرع: بمعنى الطلب. وهكذا ذكر ذلك الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في «فتح القدير»: «أن الدعاء والطلب والدعاء من أجل الطاعات التي ينبغي أن تصرف لله». وقال ربكم: «ادعوني أستجب لكم». وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدعاء هو العبادة»، «الدعاء هو العبادة»، أي: أن الدعاء رأس العبادة، الدعاء رأس العبادة. فقال: «الدعاء هو العبادة». وهذا الحديث ذكره شيخنا مقبل رحمه الله في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». ومن صرف الدعاء لغير الله؛ فقد أشرك. طبعًا تحت هذا تفاصيل، صور الدعاء لغير الله، صور الدعاء لله، صور الدعاء لأموات، لكن لا يسع المقام، لعل نرجع الكلام حول الصور والتقسيمات في وقت آخر. قال رحمه الله تعالى: «الذبح كله لله»، كذلك العبادات، الذبح: شعيرة عظيمة من شعائر الدين، أمر الله جل وعلا أن تصرف له، كما قال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي: «وانحر لربك». قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾. «النسك» جاء عن جماعة من أهل العلم: معاني عدة. ومن معاني «النسك»: «النسيكة»، أي: الذبيحة. «قل إن صلاتي ونسكي»: لله. طبعًا وللذبح صور عديدة، وليس هذا أوان ذكرها، لكن يهمني في مسألة الذبح أن أشير إلى مسألة مهمة جدًا، قد تأتي معنا، فنذكرها في هذا المقام. الذبح -أخواني في الله- يقوم على أمرين اثنين، الذبح يقوم على أمرين عظيمين من أمور الدين، ألا وهما: الذبح بقصد التقرب لله، والثاني: الذبح باسم الله، هذه مسألة سأكرر عليكم فيها؛ لأنها مسألة مهمة جدًا في مسألة الذبح. الذبح يحتاج منك إلى أمرين اثنين: الأمر الأول: القصد، قصدك، وهو الإخلاص، وهو التقرب، وهي النية، وهي الإرادة. عندما تذبح ذبيحة؛ لابد أنك تقصد من؟ تتقرب لمن؟ لله، تنوي لمن؟ لله. هذا الأمر الأول، لابد. الأمر الثاني: اللفظ، أنك تذكر الله، تذكر الله، بخلاف ما كان عليه المشركون من الإهلال بالأزلام، والأصنام، وما يفعل النصارى كذلك لليسوع. فأمر الشرع: فكونوا مما ذكر اسم الله عليه. لابد من ذكر الله. طيب: عندي ماذا؟ باختصار: عندي لفظ، وعندي قصد، عندي اللفظ، وعندي القصد. هذا مما يجب أن يكون في الذبيحة، ينبغي أن يكون في الذبيحة: القصد، واللفظ. وهل هناك فرق جوهري؟ نعم، هناك فرق جوهري. الفرق الجوهري بينهما: أن القصد، وهو التقرب، هذه من فروع الألوهية، من فروع الألوهية. وأما اللفظ: من فروع الربوبية، من فروع الربوبية. فعندما أتعبد الله بعبادة، وأنوي أن العبادة لله، هذا ألوهية، إفراد العبادة لله. وعندما أستعين بالله، أطلب من الله العون والمدد؛ فإني أتوجأ إلى الربوبية: «الله أن الله يعينني، أن الله يسددني، أن الله يلهمني»، أطلب من الله طلب. فالإخلاص عطاء، والربوبية طلب، كما تطلب من الله الطعام، الشراب، الحياة، هذه كلها من مقامات الربوبية. وطلب العون كل ذلك من مقامات الربوبية. القصد من مقامات الألوهية. وأيهما أعظم؟ مقام الربوبية، أم مقام الألوهية؟ الجواب: مقام الألوهية أعظم من مقام الربوبية. فمقام العبادة، وقصد التقرب أعظم من مقام الاستعانة. والدليل: آية واضحة جلية تدلك على هذا المعنى، والفحواء: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قدمت العبادة على الاستعانة؛ لأنها من مقتضيات الألوهية على الاستعانة؛ لأنها من تفريعات الربوبية. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «قال شيخ الإسلام: إن العبادة لغير الله أعظم شأنًا من الاستعانة بغير الله». «إن العبادة لغير الله أعظم شأنًا من الاستعانة بغير الله». ولهذا قدمت في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إن العبادة لغير الله أعظم شأنًا من الاستعانة بغير الله». فإذا عرفت أن العبادة لله أعظم؛ لأنها ألوهية. وكذلك العكس بالعكس: فإن العبادة لغير الله أعظم وزرًا، وأعظم شرًا من الاستعانة بغير الله. وإن كان كله شرك، كله شرك، لكن تحت ذلك فروع. وليس نحن الآن في مقام ذكر فروع هذه المسألة. طيب: ما الذي أنا أريده الآن في مسألة الذبح؟ يا أيها الذبح: إذا أردت أن تذبح ذبيحة؛ لاحظ الملحظين التوحيدين اللذين عندك: قصدك تعبد لله، لفظك يكون لله. إذا خرم أحدهما؛ فقد وقع صاحبها في الشرك. فيتلخص من ذلك: من اللفظ والقصد عندي أربعة صور. يتلخص من مقامي اللفظي والقصدي: تتوفر عندي، أو تتلخص عندي أربعة مسائل للذبح. الصورة الأولى: من كان لفظه وقصده لله؛ فهذا الذي أتى بالتوحيد، هذا الذي أتى بالتوحيد، ذبح يتقرب إلى الله، وبإسم الله، قال: «بسم الله، الله أكبر». لفظه وقصده لله، هذا هو التوحيد. الصورة الثانية: أن يذبح بسم الله، لكن لغير الله؛ ما حكم هذا؟ لفظه: «تسمعني -سمعني يا قبري- سمعني»، يذبح، طيب: أتى باللفظ، يكفي هذا؟ ماذا بقي؟ وأيهما أعظم: اللفظ من القصد؟ القصد أخبر. فماذا تقصد -يا قبوري-؟ فإن قصد أن التقرب ليس لله؛ فقد وقع في الشرك. وهذه مسألة مهمة جدًا جدًا جدًا؛ لأن الحيلة تنطل على كثير من العامة بماذا؟ في الزيارات الشركية: يأتي أرباب القبور بالعجول، والبهائم، والأبقار، والمواشي، ويجرونها جرا: «تعالي يا بقرة، تعالي»، يجرها، فيأتي بها عند الضريح، ويأتي الناس لصور الجوال، ويأتي أصورها، وإيش يقول؟ «بسم الله». لكن السؤال: أنت الآن «بسم الله»، جئت بها واحد من التوحيد، قصدك ما الذي تريد؟ هذا لا يعلمه بها إلا الله. لكن السؤال: لماذا جئت بها عند الضريح؟ لماذا جرجرت هذه الماشية من بلدك، من السوق إلى الضريح الفلاني، وعلى عتابات الضريح؟ لماذا؟ هذه قرينة على أنك تريد ما عند القبر. وهذا أعظم، لا تأتي لي بلفظ، أبشرك لك، اللفظ هذا، وإن كان مهم، لكن اعطيني ما الذي في قلبك، اعطيني الذي في قلبك، ما الذي تريد؟ فإن شققت عن قلوب هؤلاء؛ لا علمت والله أنه ما أراد إلا الضريح؛ خوفًا، وجلا، تعظيمًا، تقربًا، تزلفًا؛ حتى يرضى صاحب الضريح عليه. لكن ما استطاع، فأقول: «بسم الله»، اللفظ لله، والقصد لغير الله، هذا وقع في الشرك، أيش من أنواع الشرك؟ شرك الألوهية. الصورة الثالثة: من ذبح بغير اسم الله، ولفظ ذبح بغير اسم الله، وقصده لله. شخص آخر أتى بذبيحة، لكنه ذبح بغير اسم الله: «باسم ولي، باسم حبيب، باسم نبي». وقصده لله. وهذا طبعًا: حالة نادرة، لكن نقول: مثلًا هو أراد الله، وأراد التقرب إلى الله، لكن لقن على أن الأجر يعظم؛ إذا استحضرت اسم الولي، إذا استحضرت اسم الولي. وأما اسم الله: ما فيه داعي؛ لأن الله يعلم بالنيات، الله يعلم بنيتك -يا أفلان- ما فيه داعي «بسم الله». لا، «الله داري»، لكن «الولي لابد ما هو داري باسمه»، تحت باسمه. ضحكوا على عقله هذا المسكين، هو أراد لله، إذا تقرب لله، لكن أوهموا أن التقرب يكون باسم الولي. فلا ذكر «بسم الولي»، هو أراد لله. ما حكمه؟ موه الذبيحة الشرك، شرك طيب. قد يقول قائل: هذا قصده لله، إرادة تقرب لله، فأين وموطن الشرك؟ في اللفظ، في اللفظ؛ لأن كما قلنا: ونبّهنا على هذا، المسائل لابد من تواطئ اللفظ مع القصد، الكل لله. إذا انخرم أحدهما؛ يكون صاحبها قد أشرك. فمن الصورة الثالثة: فمن قصد لله، لكن ذكر غير اسم الله؛ فقد وقع في شرك الربوبية؛ لأنه استعان بغير الله؛ لأن «بسم الله» من الفاظ الاستعانة، من الفاظ «البسملة»: الاستعانة بالله. فطلب الإعانة من غير الله جل في علاه. الصورة الرابعة: من كان قصده ولفظه لغير الله؛ فقد وقع في شرك الربوبية، والألوهية. من لم يأت باللفظ، ولم يأت بالقصد؛ فقد وقع في شرك الربوبية، والألوهية. هذه أربع صور ينبغي أن تتأمل فيها. وهذه أقسام مهمة جدًا، أقسام مهمة جدًا في مسائل الذبح، في مسائل الذبح. ثم قال المؤلف: «والنذر كله لله»، كذلك من الطاعات الذي ينبغي أن تصرف لله: النذر. والنذر في اللغة: بمعنى الإيجاب. ومنه قولهم: «نذرت دم فلان؛ إذا أوجبته». والنذر له عدة تعاريف في اصطلاح العلماء، والشرع، عدة تعاريف. من تعاريف العلماء الشهيرة في مسألة النذر: هو «التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع، بلفظ يشعر بذلك». والنذر عبادة، وطاعة جليلة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، فيجازيكم الله به. مسألة أذكرها، وإن كنت ما أحب أن أفصل، لكن قد يقول قائل: النذر كيف يكون عبادة؛ لأن المؤلف الآن يتكلم عن العبادات والطاعات، ومنها النذر، يكون لله، كيف يكون النذر عبادة، وطاعة؛ وقد نهى عنها نبينا نهى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم؟ فقد ثبت في الصحيح، ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج من البخيل». رواه البخاري، ومسلم. فكيف تحمل الآيات؟ وكيف يفهم الحديث؟ هل النذر عبادة، وإلا النذر معصية؟ هل النذر عبادة؟ أم أن النذر معصية؟ نهى النبي عن النذر. للعلماء في ذلك قولان اثنان، وهي من أشهر الأقوال: القول الأول: من قال أن النذر البداءة فيه مكروه، والاستمرار فيه محمود. البداءة فيه مكروه، والاستمرار فيه محمود. تبدأ به، يقول: «لا، لا، لا تنذر»، أنهاك عن النذر، «لا تنذر -يا أخي- لا تنذر». فإذا نذر: نقول «استمر عليه»، يقول: «إيه، تقول لي أمس: سألتك عن النذر، قلت: لا تنذر، لا تنذر، والآن قلت لك -يا أخي- نذر، تقول: استمر عليه». انتبه: النذر قول: الدخول فيه بداية مكروه، لا تدخل فيه، ننصحك لا تدخل في النذر، لكن إن دخلت في النذر؛ استمر فيه للنهاية. ويدل على ذلكم الآيات التي فيها الثناء على أصحاب النذر، تجد أن الثناء ينصب في مسألة الوفاء به، في مسألة الوفاء به. كما قال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، «يوفون بالنذر»: هنا سياق مدح، سياق مدح، مدح الله أهل الإيمان بأنهم يوفون. وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، «ليوفوا نذورهم»: هنا الآن الآية أين مكمن المدح في باب النذر؟ في باب الإيفاء. فقال العلماء: الأصل الدخول في النذر: لا تدخل، نقلق الباب على الناس، نقلق الباب على الناس. فإذا فتحوه، ودخلوا فيه؛ نشجعهم: «استمروا، استمروا؛ لأنك إذا استمريت هذا من صفات أهل الإيمان». ومن هنا ستسمع من أقوال العلماء: من يقول: «أن باب النذر من غرائب أبواب الدين»، أن باب النذر من غرائب أبواب الدين، ما وجه الغرابة؟ هذه المسألة: الدخول فيه مكروه، والاستمرار عليه محمود، واضح. فهنا تجمع -يا عبد الله- بين الآيات، والأحاديث: هل النذر معصية؟ أم عبادة؟ على هذا التفصيل: الدخول فيه لا يجوز، نهى النبي عن النذر. إذا جاك واحد يقول: «يا أخي، والله شاكر، والأخي لا تنذر، لا تنذر»، عندك الدعاء: «ادع الله، إيش اللي تريد؟ تريد رد غائب، تريد حاجة من حواليك: ادع الله عز وجل، ما في داعي للنذر»، نبعد، نهى النبي عن النذر. هذا الوجه الأول، هذا الوجه الأول في الجمع. الوجه الثاني في مسألة النذر، وهو كذلك قول قوي: كيف الجمع بين أحاديث النهي عن النذر، وبين الآيات المادحة للنذر؟ قال العلماء: هذا يجرنا إلى معرفة أنواع النذر، إلى معرفة أنواع النذر. النذر إما أن يكون «نذر مطلق»، أو «نذر مقيد». النذر ينقسم إلى قسمين: إلى «نذر مطلق»، أو «نذر مقيد». فما هو النذر المطلق؟ النذر المطلق: هو أن يأتي رجل فيلزم نفسه بطاعة، سببه فقط محض التقرب إلى الله، فقط محض التقرب إلى الله. يرى أنه فاتر عن العبادة، فاتر عن الطاعة، قال: «الله مستعان»، تمر عليه الأيام، والأسابيع: «أنا ما أفعل كذا لله، عليَّ لله أني أصوم الاثنين والخميس، لله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، لله عليَّ أني في غرتي كل شهر أتصدق بشيء من مالي، لله عليَّ». طيب: قد يقول: قال: «لخي ليش فعلت هذا؟» قال: «أخي بس هكذا أرى هذا نذر عبادة، وأحب أن أتقرب إلى الله بالنذر، وأحب أن أتقرب إلى الله بالنذر». هذا ماذا يستمع العلماء؟ بالنذر المطلق. الصورة الثانية من النذر: هو النذر المقيد، والذي فيه أن الإنسان ينذر نذرًا بمقابل، بمقابل، بمقابل. مثاله: «لله عليَّ أن أصوم الاثنين والخميس؛ إن يسر الله لي الزواج ببنتي فلانة». «بتعمي لله عليَّ أني أنفق في كل شهر مبلغ من المال؛ إن يسر الله لي ترك الوظيفة في شركة البترول». هذه لله عليَّ أني... فيذكر نذر مقابل، يذكر نذر مقابل. هذا ما الذي يستمع العلماء؟ بالنذر المقيد، نذره مقيد: «إن، إن، إن، إن». طيب: الآن بعد هذه الصور: تقسيم النذر إلى قسمين: «نذر مطلق»، «نذر مقيد». ما هي الخلاصة؟ الخلاصة: قال العلماء: إذا كان نذرك مطلقًا؛ فهذا مما يحمد عليه صاحبه، يحمد عليه صاحبه. وأما إن كان نذرك مقيدًا؛ فهذا مما يذم عليه، يذم عليه، هذا مذموم. إذا: ما هو المذموم؟ النذر كله لا، المذموم: أن يكون نذرك مقيدًا؛ لماذا؟ لأنك تعامل الله بمقابل، يعني: أنت ما تصوم للاثنين والخميس لله، لا، ما تصوم إلا: «ها -يا رب- تيسر لهذا؛ سأفعل هذا». ويدل على هذا على صحة هذا المحمل: حديث ابن عمر الذي ذكرته لكم في أول المبحث: ماذا قال ابن عمر؟ قال: «نهى رسول الله عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج ماذا؟ من البخيل». كيف البخيل؟ البخيل: تعال عند بخيل، سلم عليه: كيف حق يا شيخ فلان؟ كيف حق يا سيد فلان؟ «يا أخي، والله -يا أخي- معنا مشروع مسجد، وأنت الله تفتح الله عليك -يا أخي- شرايك تبني مسجد؟ والله ما نقدر، صعب، ظروف صعبة، ما الله يفتح عليكم». بخيل ما يعطيك شيء. تعال ثاني يوم: قل «يا أخي -يا أخي- الله معنا أرضية بتبنيها، لكن بالمقابل في أرضية للمزيد، اللي بيتبنى بناء المزيد يعطيها تلك الأرضية». آه ما يقول شيء. هل الحين ببني المزيد؟ تعالوا: «مدام في مقابل تعطونا عوض، حس». سأدفع: البخيل ما يعطيك إلا بمقابل، البخيل ما يعطيك مال إلا: «سلم واستلم»، يعطيك. أما لله في الله: ما عنده شيء، يسمه لله في الله، هذا بخلاء. البخيل: يده ممسوكة، ما تفك يده إلا بتربقي شيء، قل: «همسك تربخ يده تربخ اليد». وهذا فعل هذا الناذر: «يا رجل صوم الاثنين والخميس»، قل: «والله -أخي- صعب، جوع، حرار، الربعينية». طيب: «يا أخي أنفق شيء من مالك»، تقول: «الله ما أستطيع، ما أقدر، ما أدري». لكن في وقت النذر: «يا رب إن حققت لهذه الأمنية: تزوجت، أو اشتغلت، أو سافرت، أو كذا؛ سأعطيك -يا رب-». هذا خلق مسلم، هذا. هنا قال العلماء: تحمل الكراهة على النذر المقيد، واضح. المسألة: إذا في باب النذر: كيف الجمع؟ هل هو عبادة؟ أم هي مخالفة؟ عندك هذين المحملين -يا عبد الله-: إما أن تقول على الوجه الأول: أن تقول: «أن النذر من غرائب الدين: الدخول إليه بداية المكروه بشكل عام، والاستمرار عليه ممدوح؛ بدليل أن الله يمدح الموفين بالنذر، وحديث الرسول: نهى عن الدخول في النذر». هذا المحمل الأول. المحمل الثاني: أو أنك تأخذ به، وهو: أن تعلم أن النذر: أن النذر ينقسم إلى قسمين. وأن أحد آيات المدح للنذر: إنما هو في