التعليقات على كتاب الأدب المفرد 19

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نطق الجمادات وإرادتها في الإسلام

يشرح هذا الفصل قدرة الله في إنطاق الجمادات وإثبات الإرادة لها مستشهدا بحديث الرحم وآيات قرآنية وأحاديث نبوية أخرى. ويبين أهمية الإيمان بقدرة الله المطلقة على كل شيء.

أهمية صلة الرحم في الإسلام

يتناول هذا الفصل أهمية صلة الرحم في الإسلام وعواقب قطعها، حيث يبين أن الله يصل من يصل رحمه ويقطع من يقطعها. كما يشير إلى أن صلة الرحم تقرب العبد من الله وتجنبه العقاب.

تفاصيل إيتاء القربة والمساكين وأبن السبيل

يشرح هذا الفصل معاني إيتاء القربة والمساكين وأبن السبيل، ويوضح كيفية التعامل معهم عند عدم وجود مال يكفي لإعطائهم. كما يبين حقوق كل منهم في الإسلام.

الوسطية في التعامل مع الرزق

يتناول هذا الفصل شرح معنى الإسراف والتقتير في التعامل مع الرزق، ويبين أهمية الوسطية في ذلك. كما يدعو إلى التوازن في حقوق الفرد وواجباته تجاه الآخرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذكار المفرد: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني سليمان بن بلال، أن معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله عز وجل الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة»، قال: «ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟»، قالت: «بلى يا رب»، قال: «فذلك لك». ثم قال أبو هريرة: «اقرءوا إن شئتم: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾»، والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وقوله: «ما قالت»، «ما» أصلها: «ماء» استفهامية، المراد بها هنا «ماء» الاستفهامية، كما قال ابن مالك رحمه الله. لا في الحذف ألفها، ووقف عليها بها السكت. وإلا أصلها «ماء». وفي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما خلق الله جل وعلا الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فقال: «ما قالت؟»، «هذا مقام العائد بك من القطيعة»، قال: «ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟»، قالت: «بلى». وفي هذا دليل على أن الرحم تتكلم وتنطق، والله جل وعلا على كل شيء قدير، هو قادر جل وعلا أن تنطق الجمادات، وكذلك تنطق الأشياء المعنوية. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجمادات لها إرادة، والله سبحانه وتعالى يعلمها، كما قال جل وعلا: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، ما من شيء إلا وهو يسبح الله سبحانه وتعالى، ولكن نحن لا نفقه تسبيحها. وقد أقر الله جل وعلا بنطق الجمادات، وهكذا أيضا كما في قوله جل وعلا: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾، كما قال جل وعلا: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾، فبين جل وعلا أن السماوات والأرض والجبال أشفقن منها وأبين أن يحملنها، فجعل لها إرادة وشفقة. وهكذا أيضا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعلم حجرا كان يسلم عليه بمكة، وهكذا أيضا حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما صنع له المنبر وقام على هذا المنبر حن هذا الجذع وبكى، والحديث في الصحيحين عن جابر وغيره، ففرج عليه صلى الله عليه وسلم فضمه. وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أن الجمادات لها إرادة، والله جل وعلا قادر على إنطاقها. بل إن الله جل وعلا يوم القيامة ينطق الجوارح: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون﴾، فالله أكبر في نطق هذه الجوارح، هل تنطق بالدنيا؟ لا. وكما قال جل وعلا: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون﴾، فتنطق هذه الجلود والأبصار والأسماع. والله جل وعلا على كل شيء قدير، من ذلك الرحم، فهي تنطق وتتكلم، كما سيأتي أيضا معنا في بعض الأحاديث أن لها لسانا قصيحا تنطق به. فجعل الله سبحانه وتعالى لها منزلة عظيمة، فقال: «ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟»، قالت: «بلى يا رب»، يعني: من وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله. والذي يقطعه الله سبحانه وتعالى فإنه خاسر، من الذي ينفعه؟ ومن الذي كذلك يبعد عنه عقاب الله سبحانه وتعالى؟ هذا دل على عظم صلة الرحم، وأن واصلها يصله الله، وقاطعها يقطعه الله. قال: ثم قال أبو هريرة: «اقرءوا إن شئتم: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾»، يعني: إن عرضتم، فهل تريدون أن تفعلوا كما فعل أهل الجاهلية الذين أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم، ولم يصلوها. بل ينبغي للمسلم أنه يصل رحمه ولا يقطعها. قال: وحدثنا الحميدي، وهو عبد الله بن الزبير، أبو بكر، وهو قرشي. وقد ابتدأ الإمام البخاري رحمه الله صحيحه، كتابه «صحيح البخاري»، أول حديث ذكره في صحيحه من طريق الحميدي، قال: أهل العلم والعلماء. وابتدأ ذلك لكونه قرشي، لكون الحميدي قرشي، ابتدأ كتابه الصحيح به. وما هو أول حديث في «صحيح البخاري»؟ إنما الأعمال بالنيات، يبتدأه من طريق الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن أبي سعد، عن محمد بن أبي موسى، عن ابن عباس، وهو عبد الله بن عباس، وهو أحد السبعة من الصحابة الذين رووا من الحديث فوق الألف. سبع من الصحابة رووا من الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فوق الألف حديث، مجموعون في قول القائل: «سبع من الصحابة فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضر: أبو هريرة، سعد، جابر، أنس، صديقة، ابن عباس، كذا ابن عمر»، هؤلاء السبعة رووا فوق الألف من الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: عن ابن عباس، قال: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾، الآية، قال: بدأ فأمره بأوجب الحقوق، ودله على أفضل الأعمال، إذا كان عنده شيء، فقال: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾، وعلمه إذا لم يكن عنده شيء كيف يقول، فقال: ﴿فإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾، أي: عدة حسنة، يعني: عدهم وعدا حسنا، كأنه قد كان، ولعله أن يكون إن شاء الله. ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، لا تعط شيئا، ولا تبسطها كل البسط، تعطي ما عندك، فتقعد ملوما، يلومك من يأتيك بعد، ولا يجد عندك شيئا محسورا، قال: قد حسرك من قد أعطيته. وهذا الأثر ضعيف الإسناد، فمحمد بن أبي موسى لا يعرف، والراوي عنه أبو سعد، واسمه سعيد بن المرزبان، مدلس، كما قال شيخ الألباني رحمه الله. لكن معناه صحيح، معناه صحيح من حيث هذا معنى الآية. فالله جل وعلا ابتدأ بأول هذه الآية بإيتاء القربة، يعني: إعطاء أهل القرابة، وهم أرحامك ومن يقرب لك، ثم ذكر المساكين، أي: المسكين، وهو الذي ليس عنده ما يكفيه، ليس عنده ما يكفيه. قال بعض العلماء: لمدة سنة، فهو مسكين، وإن كان يملك شيئا، وإن كان يملك سيارة يعمل عليها، وهو مسكين، أو يملك سفينة يعمل عليها، وهو مسكين، إذا كانت لا تسد حاجته. كما قال الله جل وعلا عن أصحاب السفينة: ﴿وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾، فتمييز مساكين، ومعهم سفينة، فلا يناقض ذلك. يكون المسكين عنده شيء يملكه، لكنه لا يسد حاجته، فهو مسكين، حتى لو كان موظفا ويسلم راتبا، وهذا الراتب لا يكفيه، ولا يقوم بحاجته، فهو مسكين. والمسكين والفقير بينهما عموم وخصوص، إذا أطلق المسكين فيدخل فيه الفقير، وإذا أطلق الفقير فيدخل فيه المسكين، وإذا اجتمع كان الفقير أشد حاجة. الفقير أشد حاجة من المسكين، الفقير لا يجد ما يكفيه يومه وليلته، بخلاف المسكين. والله جل وعلا لما ذكر المهاجرين الذين هاجروا ذكرهم بلفظ الفقراء: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾، فذكر أنهم خرجوا من ديارهم وأموالهم، ليس لهم ديار ولا أموال، فهم أشد حاجة من المساكين. وابن السبيل: الذي تنقطع به نفقته في حال سفره، يسافر مثلا من بلد إلى بلد، فتنقطع عنه النفقة، وقد يكون غنيا في بلده، قد يكون غنيا في بلده، لكن لا يستطيع مثلا أن يتواصل مع أهل بلده، فهذا يقال له: ابن السبيل. والمراد هنا: الكلام على إيتاء القربة، أنهم يعطون بما فتح الله سبحانه وتعالى على الإنسان، يعطي قرابته بما يسأل الله له من متاع الدنيا. فإذا لم يكن عنده شيء، قال: ﴿فإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾، إذا طلبوا منك شيئا، وما عندك، فإنك إذا كنت ترجو من الله سبحانه وتعالى أن يفتح عليك بشيء من متاع الدنيا، فإنك تقول لهم قولا ميسورا، تأتي لهم بالكلمة الطيبة، وتعدهم الوعد الحسن، إذا يسأل الله سبحانه وتعالى إن شاء الله نعطيكم. وبهذا فسره جمع من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وغيرهم، أن المراد في قوله: «قولا ميسورا»، أي: عدة حسنة، تعدهم وعدا حسنا. قال: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك»، يعني: لا تكون بخيلا في غاية من البخل، في غاية من البخل، ولا معنى «مغلولة إلى عنقك»، يعني: في غاية من البخل، لا تعطي شيئا. قال: «ولا تبسطها كل البسط»، يعني: لا تكون مسرفا في الإعطاء، فتعطي فوق طاقتك، أو أكثر من دخلك، هذا مذموم. ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما، يعني: يدومك من يأتيك بعد، ولا يجد عندك شيئا محسورا، أي: متحسر. وقيل: محسورا مأخوذ من الحسر، قالوا: وهو الحمار الذي يعجز عن السير، الحمار إذا عجز عن السير يقال له: حسير. والمراد بذلك: ما يحصل للإنسان من الإسراف في باب البخل والرزق والعطاء، حتى يعجز بعد ذلك عن القيام بحقوقه الواجبة، بل يكون في ذلك وسطا، لا إسراف ولا تقتير، فيكون وسطا. فهذا معنى هذه الآية. طيب، نقف إن شاء الله هنا، ونكمل في درس آخر، والله تعالى أعلم.