التعليقات على كتاب الأدب المفرد 20

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل صلة الرحم وتحذير من قطعها

يشرح هذا الفصل أهمية صلة الرحم وجزاء الواصل والقاطع من خلال أحاديث نبوية وقدسية، حيث يبين أن الله يعين من يصل رحمه وأن قطع الرحم يؤدي إلى قطع الله للشخص.

تأثير صلة الرحم على الرزق والعمر

يناقش هذا الفصل تأثير صلة الرحم على زيادة الرزق وتأخير العمر كما جاء في الأحاديث النبوية، ويوضح أن الزيادة في العمر تكون مسجلة في صحف الملائكة الموكلين بأعمار بني آدم.

علاقة صلة الرحم بعلم الله المسبق

يفصل هذا الفصل علاقة صلة الرحم بعلم الله المسبق بأعمار بني آدم، ويبين أن الله جل وعلا يعلم مسبقا من يصل رحمه ومن لا يصلها، ويكتب أعمارهم وفق هذا العلم.

التفريغ النصي الكامل

قال إمام المقاييس رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب فضل صلة الرحم: حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا ابن أبي حازم، عن العلاء بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، ويجهلون علي وأحلم عنهم، قال: «لئن كان كما تقول، كأنما تسفهم الملء، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك». الحديث صحيح، وأصله في مسلم. وفي هذا أن الرجل أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره أنه له قرابة يصلهم ويقطعونه، يستمر بصلتهم وهم يقطعونه، وأحسن إليهم ويسيئون إليه، يحسن إليهم في الأفعال والمعاملة والأقوال، وهم يعاملونه بالإساءة، ويجهلون عليه وأحلم عنهم، يعني يجهلون عليه بالقول السيئ بسبب نحو ذلك، وهو يحلم عنهم، يعني يصبر عليهم ولا يعاملهم كما يعاملون. فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن كنت أو لئن كان كما تقول، فكأنما تسفهم الملء». والملء هو الرماد الحار، كأنما تسفهم الملء، يعني كأنما تطعمهم الملء. قال أهل العلم: ذلك أنهم يجدون ألم هذه القطيعة كما يجد آكل الرماد الحار ألم هذا الرماد، هم يتألمون كما يتألم من يأكل الرماد الحار. قال: «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»، يعني أن الله جل وعلا يعينك ما دمت على هذا الأمر مستمرا على صلة الرحم، وهم يقطعون، وتحسن إليهم وهم يسيئون، ويجهلون عليك وأنت تحلم عنهم، فالله جل وعلا يعينك عليهم. هذا يدل على فضيلة صلة الرحم، وأن من وصل رحمه أعانه الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا أن صلة الرحم لا تكون مكافأة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ، لكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها». والحديث في البخاري من حديث عبد الله بن عمر: «ليس الواصل الذي يصل مكافأة إذا وصلوا وصلهم، وإذا قطعوا قطعهم، لا ليس هذا بالواصل، بل المواصل حقيقة الذي يصل قرابته وإن قطعوه». لا يجعل الوصال عبارة عن مكافأة: «وصلوني فأصلهم، قطعوني فأقطعهم»، وهذا حال كثير من الناس يجعل الوصال مكافأة: «كلما أتوا إلينا نذهب إليهم، ما أتوا خلاص ما نذهب، لماذا لم يأتوا؟» هكذا حال كثير من الناس. ولا قطع بل المواصلة أن تصل وإن قطعوه، فأنت تذهب ولو استمروا في المقاطعة، فأنت لا تباري تستمر في المواصلة، هذا هو الوصال الذي يتحصل عليه الواصل على هذه الأجور: «ليس الواصل بالمكافئ». قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أبي، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا الرداد الليثي أخبره، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، واشتقيت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته». يعني قطعته. والحديث صحيح، وصححه علامة الألباني رحمه الله. وفيه أن الله جل وعلا يقول في هذا الحديث القدسي، وإذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل»، فهذا يسمى حديث قدسي فيما يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: «أنا الرحمن»، يعني أنا المتسمي بالرحمن. والله جل وعلا له الأسماء الحسنى التي اجتمعت على الصفات الكاملة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فكل أسماء الله سبحانه وتعالى تدل على الصفات، وكلها كذلك مشتقة. فمن اسم الله جل وعلا الرحمن، وهو من الأسماء الخاصة بالله سبحانه وتعالى التي لا يجوز لأحد أن يتسمى بها. فقال: «أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، واشتقيت لها من اسمي»، يعني أن الرحم مشتقة من اسم الرحمن. «فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته أو بتته»، أي من وصل الرحم وصله الله سبحانه وتعالى، ومن قطعها قطعه الله. وهذا يدل على فضيلة صلة الرحم، وعلى قبح قطعها، فالذي يصل الرحم يصله الله سبحانه وتعالى، والذي يقطعها يقطعه الله سبحانه وتعالى. قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أثمان بن المغيرة، عن أبي العنبس، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو في الوهط، يعني أرضا له بالطائف، فقال: «عطف لنا النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه، فقال: الرحم شجنة من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه، لها لسان طلق ذلق يوم القيامة». والحديث صحيح، صححه علامة الألباني رحمه الله. وهذا أيضا أكبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرحم شجنة من الرحمن، يعني أثر من آثار الرحمن جل وعلا، فمن يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه، الذي يصل الرحم يصله الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه يتحصل على رحمة الله جل وعلا، فالواصل ينال رحمة الله جل وعلا، والقاطع فإنه يحرم من رحمة الله سبحانه وتعالى. ومن يقطعها يقطعه، «لها لسان طلق ذلق»، يعني أن الرحم لها لسان طلق أي لسان فصيح، وذلق يعني بلين، لها لسان في غاية من الفصاحة والبلاغة. وهذا كما مر أن الرحم تنطق وتتكلم، وكذلك لها لسان طلق ذلق كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن نؤمن بذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن الرحم لها لسان طلق ذلق يوم القيامة، يعني تنطق به فتكلم به يوم القيامة. ومرة أننا ذكرنا أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، فالذي أنطق الجمادات أنطق وينطق كذلك يوم القيامة الجوارح، فهو قادر على إنطاق الرحم. قال: وحدثنا إسماعيل، قال: حدثني سليمان، عن معاوية بن أبي مزرد، عن يزيد بن الرومان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم شجنة من الله، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله». وهذا الحديث كذلك صحيح، بل هو في مسلم. ومعناه كما مر أن الرحم أثر من آثار رحمته جل وعلا، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله. قال: باب صلة الرحم تزيد في العمر. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». وهذا الحديث وإن كان فيه عبد الله بن صالح كاتبا لي، فهو فيه ضعف، لكن نص الحديث في الصحيحين. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن المعن، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». والحديث ذلك صحيح، وهو في البخاري. فهذان الحديثان فيما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فضائل صلة الرحم أنها سبب في زيادة الرزق، وسبب في تأخير العمر. من أحب أن يبسط له في رزقه، يعني أن يوسع الله جل وعلا له في الرزق، فليصل رحمه، فصلة الرحم سبب لزيادة الرزق. وهكذا أيضا أن ينسأ له في أثره، كذلك أن يطيل الله جل وعلا في عمره، فليصل رحمه، فصلة الرحم كذلك سبب من أسباب زيادة العمر. وهذا يدل على فضيلة صلة الرحم. وهل هذا يعارض ما أخبر الله جل وعلا به من أن كل نفس لها أجل، لكل أجل كتاب، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون؟ جمع بعضهم بين هذا الحديث وبين هذه الآيات، وقالوا: ليس بينهما تعارض، فكون الإنسان له عمر محدود لا يزاد فيه ولا ينقص، لا ينافي ذلك زيادة عمره بصلة رحمه. قالوا: ذلك أن الله جل وعلا قد كتب عنده في اللوح المحفوظ كتب فيه أعمار العباد، فهذه لا يزاد فيها ولا ينقص. وأما الصحف التي بيد الملائكة الموكلون بأعمار بني آدم، فهؤلاء التي تقع في هذه الصحف يقع فيها الزيادة والنقصان، كما قال جل وعلا: «يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب». فالصحف التي في يد الملائكة يحصل فيها الزيادة والنقصان. وقد سبق في علم الله جل وعلا أن فلانا هذا يصل رحمه، وأن ذاك لا يصل رحمه، فلا ينافي ذلك ما كتب الله جل وعلا به من أعمار بني آدم. فيعلم الله جل وعلا من هذا العبد أنه يصل رحمه فيزيد له في عمره، ويعلم من ذلك العبد أنه لا يصل رحمه فلا يزيد له في عمره.