الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 255، ألقاها
يتحدث هذا الفصل عن الحاكم النيسابوري ومؤلفه المستدرك، ويعرّف بأبي علي الحافظ وتلاميذه ومشايخه، كما يذكر سند الحديث إلى سفيان الثوري ومحمد بن المنكدر. يُذكر فيه آراء العلماء في بعض الرواة.
يشرح هذا الفصل حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ حول رضوان الله تعالى على أهل الجنة، ويذكر طرق رواية الحديث ودرجة صحته عند مختلف العلماء والمحدثين، مع التركيز على أهمية الحديث.
يشرح هذا الفصل نعيم أهل الجنة وكرامتهم عند الله، حيث يرضى الله عنهم ولا يسخط عليهم أبدًا، ويعطيهم متعة النظر إلى وجهه الكريم. يُؤكد ذلك بالأحاديث النبوية التي تصف رضوان الله عليهم والزيادة التي أعطاها لهم.
هذا الفصل ينهي الحديث ويذكر مصادره، حيث يشير إلى أن شيخهم ذكر هذا الحديث عن جابر بن عبد الله، كما ذكره الشيخ الألباني في كتابه الصحيحة، ويختتم بذلك درس الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال شيخنا مقبل -رحمه الله-: قال الحاكم -رحمه الله- في المستدرك: الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حميد، لقب بالحاكم، وهو حافظ من حفاظ أهل نيسابور، وعالم بالحديث. أصلت له أخطاف المستدرك الظاهر، كما قال الحافظ ابن حجر: إنه أراد أن يجمع الحديث، ثم أراد أن يهذبه، فوافته المنية، فلهذا ذكر أشياء في المستدرك ليست على شرطه، أي ليست على شرط كتابه. قال -رحمه الله-: حدثنا أبو علي الحافظ. وغالبًا أولًا، إذا أطلقوا كلمة الحافظ، فهو الذي قد حفظ كثيرًا من الأحاديث وأسند كثيرًا من الأحاديث. وأبو علي الحافظ هو أبو علي النيسابوري الحسين بن يزيد، كان حافظًا كبيرًا، قد شهد له أئمة هذا الشأن وحفاظ ذلك الزمان، كالدارقطني، فإنه قال فيه: حافظ مهدب. وكذلك شهد له حفاظ ذلك الوقت، كابن عقدة وابن صاعد والجعابي وغيرهم من حفاظ الطبراني، قد شهدوا لأبي علي في حفظه، وكان يسمى مفيد نيسابور. وأبو علي الحافظ -رحمه الله- قد أدرك كثيرًا من حفاظ الحديث، أدرك إبراهيم بن أبي طالب، صاحب الإمام مسلم وزميله، وأدرك زكريا بن يحيى الساجي، وأدرك أيضًا محمد بن عبد الله بن ناجية، وغولا حفاظ كبار، وأدرك الحافظ الكبير أبو عبد الرحمن النسائي -رحمه الله- وأخذ منه العلم، وأيضًا معرفة الحديث. ولهذا يقول الإمام الدارقطني: إنه لا يعرف أحدًا يعرف زيادات الأحاديث كأبي بكر النيسابوري وأبي علي الحافظ النيسابوري. قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مغيرة البغدادي، وهو ثقة. قال: حدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني. قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، وهو عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي الكوفي، من أصحاب سفيان الثوري. قد ذكرنا أن العلماء اختلفوا فيه، فالإمام أحمد كان لا يأخذ عنه ويحذر منه لأجل تشييعه. قال: عن سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد، أبو عبد الله، الحافظ الكبير. وقد تابع عبيد الله بن عبد الرحمن جماعة عن سفيان، سيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكره. قال: عن محمد بن المنكدر، وهو التيمي القرشي، كان أبوه خالًا لعائشة، وهم بني تيم من نفس قبيلة أبي بكر الصديق. وسأل عائشة أنه يحتاج إلى الزواج، فأعطته جارية تزوجها، وجاءت له بثلاثة أولاد، سمى أحدهم محمدًا، وهو هذا الإمام، وكذلك أبو بكر وعمر، وكلهم يروي الحديث، وأفضلهم وأشهرهم وأعلمهم محمد بن المنكدر -رحمه الله-. قال: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي. قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله عز وجل: ألا أنبئكم بأكبر من هذا؟ قالوا: بلى، وما أكبر من هذا؟ قال: الرضوان، أنا، أي أن يرضى الله عز وجل عنه». قال: وذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير سورة التوبة، عند قوله جل وعلا: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، صاحب كتاب شروط الأئمة. قال: حدثنا الفضل الرخامي، وقال له بعضهم: الفضل بن المغيرة الرخامي، وهو ثقة. قال: حدثنا الفريابي، وهو محمد بن يوسف الفريابي الحمصي. قال: عن سفيان، وهو الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله. وهذا فيه متابعة الفريابي لعبيد الله الأشجعي. ويقول الإمام يحيى بن معين -رحمه الله-: إن الفريابي والأشجعي وأبا عبد الله الزبيري، فهؤلاء كلهم سواء في سفيان، أي حديثهم متقارب عن سفيان. قال: عن جابر بن عبد الله. قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله عز وجل: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا، ما خير مما أعطيتنا؟ فقال: رضواني أكبر». قال: ثم قال ابن كثير -رحمه الله-: ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري. وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتاب صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح والله أعلم. أنا ذكره المقدسي بدون إسناد في صفة الجنة، وقال: هذا عندي على شرط الصحيح. لكن الرواية التي ذكرها أخرجها ابن حبان من طريق محمد بن عبد الله بن مغيرة عن سفيان، ومحمد بن عبد الله بن مغيرة متروك. لكن قد صح الحديث عن سفيان الثوري من طريق الفريابي، وكذلك عبيد الله الأشجعي، ورواه أبو أحمد الزبيري أيضًا، لكن أوقفه. ورواه وكيع من طريق الجراح، كما عنده ابن حبان، وأيضًا أوقفه. لكن هذا الوقف لا يعارض الرفع، جاء أيضًا عنده ابن جرير الطبري موقوفًا، لكن لا يعارض الرفع لأنه كله صحيح. وهذا أيضًا لا يقال من قبل الرأي، فلعل بعضهم أوقفه فقط من باب التورع، وإلا في الحديث مرفوع عن النبي ﷺ. وجاء له ما يشهد له أيضًا في الصحيحين، في حديث هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي ﷺ يقول لأهل الجنة إذا دخلوا الجنة: «هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى يا رب وقد أدخلتنا الجنة وبيضت وجوهنا؟ فيقول رب العزة سبحانه جل وعلا: فتكرم جل وعلا، فيقول سبحانه: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا، أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا». وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ذلك الفوز العظيم، ورضوان من الله أكبر. فهذا الرضوان كما قال النبي ﷺ في هذا الحديث، يقول الله عز وجل: «رضواني أكبر». وأنا أكبر من هذا وأعظم من هذا، أن الله عز وجل يرضى عن عباده أهل الجنة، فلا يسخط بعدها أبدًا عليهم جل وعلا. وهذا من أعظم ما أعطوا في جنة الله جل وعلا، وهو الرضوان. ثم إنه يعطيهم متعة عظيمة بعد رضوان الله جل وعلا، وهو أن يروا الله جل وعلا في جنات النعيم. ولهذا جاء في حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، فيقول الله عز وجل: يا أهل الجنة، هل أزيدكم؟ فيقولون: نعم يا رب، فيكشف الله عز وجل عن وجهه، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى وجه الله الكريم جل وعلا». ما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى في تلك الجنات. فأيضًا كذلك جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فالزيادة جاءت بحديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-. بل صح عن النبي ﷺ حديث صهيب: أنها المراد بها رؤية الله جل وعلا في جنات النعيم. وقوله أيضًا: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، فهذه الأشياء العظيمة التي تقول لأهل الجنة، بعض رضوان الله سبحانه وتعالى، فلا يعطون شيئًا أحب إليهم وأسر إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا. وهذا الحديث أيضًا يدل على ما يعطيه الله عز وجل من الكرامة لأهل الجنة في جنة الخلق، وأيضًا يرضى عليهم سبحانه وتعالى، ولا يسخط عليهم بعدها أبدًا. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، وهو آخر حديث ذكره شيخنا من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-. وقد ذكر هذا الحديث أيضًا الشيخ الألباني في الصحيحة.