القصيدة التائية 13

القصيدة التائية 13

الدرس في القصيدة التائية 13، الدرس الثالث عشر:( فليس الزهد في الدنيا خمولاً*لأنت بها الأمير إذا زهدتا ... وصل على تمام الرسل ربي*وعترته الكريمة ما ذكرتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الزهد والابتعاد عن الدنيا

يبدأ الشيخ بشرح أبيات حول الزهد والابتعاد عن الدنيا، موضحًا أن الزهد ليس يعني البطالة بل العمل الصالح. يشير إلى أهمية استقامة القلب وقناعته.

معنى الزهد والقناعة في الحياة واستقامة الدين

يفسر المقطع معنى الزهد والقناعة، ويبين أن القناعة بما عند الله هي الإمارة الحقيقية. يؤكد على أهمية الزهد في الدنيا والاستقامة على دين الله للوصول إلى الراحة.

النصح والامتثال وأحكام الصيام

ينتقل الشيخ لشرح أبيات النصح والامتثال، ويبين أهمية أخذ النصح من أي شخص. ثم يجيب على سؤال حول حكم صيام المسافر وإفطاره عند وصوله إلى بلده.

حكم القضاء بعد الإفطار في رمضان وتوضيحات فقهية

يوضح حكم القضاء لمن أفطر في رمضان مع الجماعة، مشيرًا إلى أنه لا حاجة للقضاء إذا كان الصوم فرضا وتم الإفطار مع الناس في وقت الفطر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة مرة معنا في الدرس الماضي، الكلام على الأبيات ما قبل الأخيرة، ومنها قوله رحمه الله تعالى: «وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريكك قد شرقت». وأخذنا معنا مما يدل عليه البيت، وهو أن من ابتلي بحي فيه ضيم يخشى على نفسه موت قلبه فيه، بل يحرص على الرحيل من عندهم إما مغربا أو مشرقا. «وإن بريكك قد شرقت» أخذنا معنا سابقا، وهو أنه وإن زينت له ما زينت من الدنيا، فينبغي أن لا يفتتن بها، بل يحرص على مفارقة هؤلاء أهل الضيم والابتعاد منهم لما تقدم. وقد يضاف معنى آخر في قوله: «وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريكك قد شرقت»، أي ابتعد من هؤلاء وغرب في الخير، ومن ذلك العلم. وقوله «وغرب وشرق» يكون من باب المقابلة الشعرية والبلاغية، والمقصود هو الابتعاد عن هؤلاء وسلوك سبيل النجاح. «وإن بريكك قد شرقت» أي كذلك ممكن أن يضاف فيقال: وإن خشيت أو أدركك ما هو بمعنى الموت، فإن «شرقت» قد يطلق على ما سبق، وقد يطلق على معنى الموت كما ذكر كذلك ببعض كتب اللغة والقواميس، فيكون المعنى احرص على مفارقة هؤلاء ولو في آخر رمق من حياتك، ولو كنت في آخر رمق من حياتك لتسلم بخاتمة حسنة. قال رحمه الله تعالى: «فليس الزهد في الدنيا قمولا لأنت بها الأمير إذا زهدت ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت». فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت، وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت. جمعت لك النصائح فامتثلها حياتك، فهي أفضل ما امتثلت. وطولت العتاب وزدت فيه لأنك في البطالة قد أطلت. ولا يغررك تقصيري وسهوي، وخذ بوصيتي لك إن رشدت. وقد أردفتها تسعا حسانا، وكانت قبل ذا مئة وستة. وصلي على تمام الرسل ربي وعترته الكريمة ما ذكرت. ختم بهذه الأبيات رحمه الله تعالى، وأشار فيها في هذه الخاتمة، وهي تتم لما سبق. ومن ذلك أنه أرشد إلى الزهد في الدنيا والخمول، والمقصود بالخمول ليس هو البطالة والعطل، فاليد العليا خير من اليد السفلى، ولكن خمولا يمنعك من الافتتان بهذه الدنيا وزهرتها وزخرفها، وزهدا يمنعك منافسة أهل هذه الدنيا المفتونين فيها. فزهد وخمول يورثان استقامة صحيحة وقناعة كاملة ليس فيها استشراف ولا انحراف. وليس معنى الزهد والخمول أن يبقى المرء عاطلا، فإن الإسلام لا يأمر بذلك، بل ولا يرضى للمسلم بمثل ذلك. ولا حديث بهذا الباب كثيرة، فقد مر من معنا شيء منها. فقد قال النبي ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى». وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يحتطب أحدكم حزمة من حطب أي فيبيعا خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». وهكذا كانت سنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. لما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وهبا كل من الأنصار ما يملك نصف ما يملك لمن آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أخيه من المهاجرين، حتى كان بعضهم يقول من المهاجرين: وقد عرض عليه بعض إخوانه من الأنصار نصف ماله، بل أحد زوجته، قال: إنك أتيت إلى بلد ليس لك فيه مال ولا زوجة، فخذ ما شئت من مالي واختر ما شئت من زوجتي، أطلق لك واحدة وتتزوجها. فقال: بارك الله لك في مالك وأهلك وولدك، ولكن دلني على السوق. فدله على السوق فاتجر، فما مرت الأيام حتى ظهر على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة، وهي علامة الزواج في زمنهم رضي الله عنهم، فسأله فأخبره أنه قد تزوج. فالشاهد من هذا: زهدا وخمولا يورثان العبد قناعة في الدنيا واستقامة في حياته وتعبده لربه سبحانه وتعالى. وقوله: «لأنت بها الأمير إذا زهدت» يعني حقيقة الإمارة في هذه الدنيا ليس بالوصول إلى الدور والقصور والمراكب الهنية والبيوت الفاخرة، ولكن حقيقة الإمارة هو بالقناعة بالقناعة عما في أيدي الناس. فإن القناعة في الحقيقة كنز، والوصول إلى ذلك ملك لم يصله الكثير من الملوك. لذلك هم في تعب ونصب حتى مع ما بلغوا من ذاك الملك، لكن من قنعه الله عز وجل واستقام على دين الله وشريعته فهو الأمير الحقيقي، فهو مكتفي بالحلال عن الحرام، بل ليس عن الحرام بل حتى عن الشبهات وكل ما يكدر العيش. فحقيقة الملك هو الراحة، فليست الراحة بطريق الملوك الذين لم يقنعوا من الدنيا، فهم لا يزالون في تعب ونصب. وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «لو أن ابن آدم واد من ذهب لا أحب أن يكون له واديان، ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». ابن آدم لا يقنع إذا لم يقنع نفسه، فلا يقنع حتى لو أعطي وادي من ذهب. تصور وادي من أوله إلى آخره بما فيه من تراب وحجارة وغير ذلك كله ذهب، لا أحب ابن آدم أن يكون له واديان ما يقنع، لكن ما الذي يقنعه أن يدخل في التراب ويملأ فاه التراب إذا مات انقطعت تلك الأماني والآمال وغير ذلك، ويتوب الله على من تاب. قال: «ولو فوق الأمير تكون فيها سموا وارتفاعا كنت أنت» يعني أن الإنسان ينبغي أن يحرص على ما ينفعه من علم نافع وعمل صالح وقناعة وزهد في هذه الدنيا. فإذا كان كذلك فهو سيصل بإذن الله إلى منزلة ترفعه فوق أولئك الأمراء، وعند ذلك فهو الفائز. وهذا هو معنى الرفع والسمو، وليس بمنافسة من فتن بالدنيا. قال: «فإن فارقتها وخرجت منها إلى دار السلام فقد سلمت». فإن فارقتها أي هذه الدنيا، وخرجت منها أي بموتك إلى دار السلام أي الجنة، فقد سلمت. يعني ما دمت في هذه الدنيا فأنت لم تسلم، ما زلت في امتحان، وما زلت كذلك في دار العمل. فإذن لا ينبغي أن يأمن أحد في هذه الدنيا حتى يتوفاه الله عز وجل على الخير الذي ينبغي أن يموت عليه المسلم. قال: «وإن أكرمتها ونظرت فيها لإكرام فنفسك قد أهنت». إن تريد أن تكرم يعني هذه النفس وما ترى من الدنيا، فإن ذلك يعني إهانة نفسك لما يستلزم ذلك من تنازلك عن بعض الحق والهدى. والمعنى أنه ينبغي الإنسان أن يقنع بما يسره الله له، وأن يستعين فيما ينفعه. وليس ينفع المرء جمع الحطام والاستكثار منه بقدر ما ينفعه الاستكثار من العلم النافع والعمل الصالح. كما سبق ويؤكد، وليس معنى ذلك علم نافع وعمل صالح على بطالة وسؤال لا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس». لكن ليس بمنافسة ولا بهلع ولا كذلك بانصراف عن حق وهدى وخير. قال: «جمعت لك النصائح فامتثلها حياتك، فهي أفضل ما امتثلت». يعني جمع في هذه الأبيات نصائح كثيرة، فاحرص على العمل بها. وهو يخاطب ابنه أبا بكر، وهو خطاب لكل من يصله أو تصل هذه الأبيات. فامتثلها حياتك، يعني في كل حياتك احرص على امتثال هذه النصائح. كما مر معنا وتقدم، لا يصح أن يمتثل لحظات وأيام أو فترة ثم ينتكس بعد ذلك ويغير ويبدل. وقوله: «فهي أفضل ما امتثلت» أي هذا النصح مما فيه خير الدنيا والآخرة، وليس الامتثال بمجاملات وطاعة لا تكون معينة على خير الدنيا والآخرة. وقوله: «وطولت العتاب وزدت فيه لأنك في البطالة قد أطلت» اعتذار وتنبيه، يعني لو كان في الأبيات شيء من الطول، وكان في الكلام شيء من التكرار أو كان فيه شيء من المعاتبة، فهذا لأجل الخير لك، وليس هو لأجل إضاعة الوقت أو لأذيتك أو غير ذلك. قوله: «لأنك في البطالة قد أطلت» ليس هو على ظاهره بأن الولد كان بطالا أو منحرفا لا، لأنه مر معنا من الأبيات ما ينفي ذلك. لكن مراده الكمال الذي ينبغي أن يكون عليه ويحبه له. ويؤيد ذلك ما مر معنا من أبيات فيما يلوم فيه نفسه ويمتدح فيه ابنه، وأنه لم تكن له سابقة في سوء ونحو ذلك مما مر معنا. وقوله: «ولا يغررك تقصيري وسهوي، وخذ بوصيتي لك إن رشدت» يعني أن تمام الرشد والرشيد هو من يحسن التصرف. فإذا كنت تريد الرشد حقيقة فعليك بالأخذ بهذه الوصية وهذه النصائح، ولو كنت تراني في غاية من التقصير والسهو. يعني لا يمنع أنك رؤية بعض التقصير أو كثيره في أن لا تأخذ بهذه النصائح. وهذه عقبة تقع عند الكثير من المنصوحين، ويزين بها الشيطان نفوس المنصوحين حتى لا يقبل النصح بأن يقول: هذا الذي نصحك عنده كذا وكذا من التقصير، فلينصح نفسه أولا ثم لينصحك. مع أن الإنصاف والعدل يقتضي أن تقبل النصح منه مهما كان. وينبغي أن يعلم أن الحق يأخذ ممن جاء به. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة كما في الصحيح: «صدقك وهو كذوب». مع أنه من إبليس، مع أنه إبليس أخضر أبا هريرة بفضل آية الكرسي في القصة التي فيها الأخذ من مال الصدقة حين قبض عليه أبو هريرة. فالشاهد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب». فتأخذ النصائح ما دامت نصائح صادقة نافعة مفيدة، فينبغي أن تأخذ. قال: «وقد أردفتها تسعا حسانا، وكانت قبل ذا مئة وستة» يعني عدد الأبيات كانت بهذا العدد، ثم ختم بقول: «وصلي على تمام الرسل ربي وعترته الكريمة ما ذكرت». وبهذا يكون الانتهاء من هذه الأبيات. أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. وبه ننتهي والحمد لله رب العالمين. هذا السائل يقول: رجل مسافر كان صائما ولم يفطر في سفره، ولما وصل إلى بلده أفطر. ما حكم ذلك؟ وهل يلزمه القضاء؟ يحتاج إلى استفصال: هل كان صائما للفرض أو للنفل؟ فإن كان فرضا وأفطر ومراده بفطره قبل وقت الفطر، فعليه القضاء لا شك، لأنه فرض وأفطر يوم فيه. وفطره برخصة لأنه مسافر، ولا يمنع المسافر الفطر في بلده لو كان السفر في بعض اليوم، لأنه رخص له الفطر بمجرد وقوع السفر. ولهذا ثبت في حديث أنس وغيره أنهم كانوا يبتدئون الفطر في خروجهم للسفر، ولو كانوا بالقرب من بلدهم. وبعضهم حده بأن يباعد ويفارق البنيان، فإنه حل له الفطر عند ذلك. وإن أراد نفلا فلا قضاء. إن كان هذا الصوم للنفل فلا قضاء. وأما إذا كان فرضا وأفطر مع الناس في وقت الفطر، فليس هناك شيء يحتاج لقضاء.