الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه. ويؤكد أهمية البدء بالثناء على الله قبل الشروع في العلم.
يبيّن المقطع فضل الاحتساب في العبادات والمعاملات مستشهداً بأحاديث تربط نية الاحتساب بمغفرة الذنوب كصيام رمضان وقيام الليل. ويشير إلى أن المسلم الحق يؤدي الطاعات راجياً ثوابها من الله تعالى.
يوضح كيف حث النبي ﷺ على الاحتساب مع الصبر مستشهداً بوصيته لابنته عند وفاة ابنها وبصبره في الغزوات. ويذكر مثال خبيب رضي الله عنه في صبره واحتسابه عند الاستشهاد.
يؤكد ضرورة الاحتساب في جميع الأعمال من صلاة وصوم وحج وصدقة وتبليغ العلم مستشهداً بحديث أهل خراسان وآيات الصبر. ويبين أن الاحتساب سبب لمغفرة الذنوب ونيل الأجر العظيم داعياً لاستحضار نية الاحتساب في رمضان وسائر الطاعات.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. أما بعد: فمن الصفات المستحبة التي حث عليها شرعنا، وأمر بالاتصاف بها، صفة الاحتساب وخلق الاحتساب؛ أي احتساب الأجر والثواب من الله جل وعلا على الأعمال التي يأتي بها العبد من فعل الأوامر، وترك النواهي، وصبر على أقدار الله. فالإنسان يحتسب الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى إذا صلى، إذا صام، إذا زكى، إذا حج، إذا تصدق، إذا وصل أرحامه، إذا تعاون على أمر معروف، ونهى عن منكر. فالمسلم محتسب، لا يفعل هذه الأعمال وهذه الطاعات مجردة عن الاحتساب، وإنما هو حين يفعلها يحتسب الأجر والثواب من الله جل وعلا. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وقال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». هكذا النبي عليه الصلاة والسلام يحث على الاحتساب، ويشترط الاحتساب في الإتيان بهذه الأعمال حتى يتحصل الإنسان على مغفرة الله سبحانه وتعالى. ولذلك أيضاً ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة». إذا أنفق المسلم على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها ثم تدفن، فإنه يرجع بقيراطين، القيراط مثل جبل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن رجع بقيراط»، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك لما جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي قتادة في الصحيح، وقال: «يا رسول الله، إذا أنا جاهدت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ إذا أنا جاهدت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاهدت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، كفر الله خطاياك». هذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من جاهد في سبيل الله جل وعلا صابراً محتسباً كفر الله جل وعلا عنه خطاياه. وحث النبي عليه الصلاة والسلام على الاحتساب في أحاديث كثيرة. جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في الصحيح: أن ابنة للنبي عليه الصلاة والسلام بعثت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن ابناً لها قُبض، أي توفي، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليها يقرئها السلام، ويقول لها: «إن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». فلتصبر ولتحتسب. أمرها النبي عليه الصلاة والسلام بالصبر، وليس فقط، وإنما بالاحتساب كذلك. فلتصبر ولتحتسب؛ أي تحتسب صبرها، تحصيل الثواب من الله جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام كان محتسباً، وهكذا الأنبياء، كل الأنبياء كانوا محتسبين الأجر من الله جل وعلا، فكانوا صابرين على الطاعات، وعلى المحرمات، وعلى أقدار الله جل وعلا. وهذا شيء كثير يطول المقام بذكره، ولكن حسبنا أن نذكر شيئاً من ذلك. جاء كما في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أصابه جرح في إصبعه عليه الصلاة والسلام في إحدى الغزوات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيتي». ما أنت إلا إصبع دميت، يعني جرحت، وفي سبيل الله ما لقيتي. وهكذا في غزواته عليه الصلاة والسلام كان صابراً محتسباً. في غزوة أحد شُجّ رأسه عليه الصلاة والسلام، وكسرت رباعيته، وهو صابر محتسب. وهكذا كذلك عليه الصلاة والسلام في مواطن كثيرة كان صابراً محتسباً. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أصحابه على الصبر والاحتساب، كما جاء في بعض الأحاديث التي يحسنها بعض أهل العلم: أنه مر على آل ياسر وقال: «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وهذا شيء كثير عنه عليه الصلاة والسلام في الحث على الصبر وعلى الاحتساب. وهكذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. فهذا خبيب رضي الله عنه يقول أبياتاً فيها الصبر والاحتساب على أقدار الله جل وعلا، قال رضي الله عنه: فلست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع أي أنه لا يبالي حين يقتل مسلماً في سبيل الله عز وجل، أي بحق شهادة في سبيل الله عز وجل فيما يرضي الله جل وعلا، صابراً محتسباً، رضي الله تعالى عنه. وهذا وكيع رحمة الله تعالى عليه، لما حدث بحديث عدي بن حاتم الذي جاء في الصحيحين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلم ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». الحديث، قال في آخره: «هل هاهنا أحد من أهل خراسان؟ هل هاهنا أحد من أهل خراسان؟ فليحتسب في تبليغ هذا الحديث، فليحتسب في تبليغ هذا الحديث، فإن الجهمية ينكرون هذا الحديث، فإن الجهمية ينكرون هذا الحديث؛ لأن فيه ملاقات الرب جل وعلا ورؤية رب العالمين جل وعلا، والجهمية والمعتزلة ينكرون ذلك». فقال: «هل هنا أحد من أهل خراسان يحتسب؟». فالاحتساب يكون في الدعوة إلى الله جل وعلا، وفي تبليغ سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي تبليغ السنن، وهكذا في تبليغ شرع الله عز وجل، وفي تبليغ أحكام دين الله سبحانه وتعالى. كما أن الإنسان يحتسب في صلاته، وفي صومه، وفي حجه، وفي زكاته، وفي أموره كلها. فلذلك، عباد الله، علينا أن نلحظ هذا الملحظ، وأن ننتبه له؛ لأنه ربما كثير من الناس يغفل عن أمر الاحتساب، يغفل عن أمر الاحتساب إذا قام يقوم، ربما يغفل عن أمر الاحتساب إذا قام يصلي، يغفل عن أمر الاحتساب إذا صام، يغفل عن أمر الاحتساب إذا حج، إذا ذهب عمرة، إذا تصدق، يغفل عن أمر الاحتساب. وأمر الاحتساب، كما سمعتم في هذا الحديث وفي غيرها مما جاء في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه أمر مهم الانتباه له وملاحظته، حتى يتحقق وعد الله جل وعلا لنا بما وعد من تكفير الذنوب، وكذلك تكفير السيئات والخطايا. وكما سمعتم في حديث رسول الله: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، غفر له ما تقدم من ذنبه، والفضائل الكثيرة في أمر الاحتساب. وحسبنا أن نذكر قول الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلفه الله جل وعلا خيراً منها»، كما في حديث أم سلمة في الصحيح. وقالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت هذا الحديث، ثم قلت: من هو خير من أبي سلمة؟ من هو خير من أبي سلمة؟ قالت: فأخلفني ربي جل وعلا برسول الله عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المحتسبين في صيام هذا الشهر وقيامه، وفي أعمالنا التي نأتي بها ونتقرب بها إلى الله عز وجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.