الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الإنابة لغةً واصطلاحًا مستندًا إلى ابن القيم، مبينًا أنها عكوف القلب على محبة الله وطاعته، ويميز بين إنابة الربوبية العامة وإنابة الألوهية الخاصة. ويؤكد عظمة هذه المنزلة بذكر وصف الله لأنبيائه بها وحرص النبي صلى الله عليه وسلم عليها في أدعيته.
يؤكد النص على الأمر القرآني بالإنابة إلى الله في كل الأوقات لا في الشدائد فقط، مستشهداً بآيات من سورة الروم والزمر وبسيرة الأنبياء. وينتقد حال من ينيبون في رمضان أو عند الكرب ثم يعودون للمعاصي بعده، معتبراً ذلك من صفات الكافرين.
يبيّن المقطع الفرق بين الإنابة الصادقة المستمرة في كل حال، والإنابة الموسمية المقتصرة على رمضان التي تشبه إنابة المنافقين. ويحذر من الإصرار على الباطل ورفض النصوص الشرعية بدافع الهوى والكبر، مستشهداً بقصة عمرو بن عبيد المعتزلي داعياً إلى المسارعة بالرجوع إلى الحق.
يدعو المتحدث الله أن يجعله والمستمعين من المنيبين له في رمضان وشوال وسائر الشهور وفي كل لحظات حياتهم. ثم يختم بالشكر المتكرر للحضور على حضورهم واستماعهم.
بسم الله ورحمة الله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فمن الأخلاق الفاضلة والصفات المستحبة التي أمر الشرع بها وأثنى على المتصفين بها: خلق وصفة الإنابة إلى الله جل وعلا. فالإنابة إلى الله جل وعلا من الصفات السامية التي أمر الشرع بالإتيان بها والاتصاف بها. والإنابة يقول فيها ابن القيم رحمة الله تعالى عليه كما في مدارج السالكين: قال: «هي الإسراع إلى مرضات الله جل وعلا مع الرجوع إليه في كل وقت وإخلاص العمل له». الإسراع إلى مرضات الله جل وعلا مع الرجوع إليه في كل وقت وإخلاص العمل له. ويقول رحمه الله تعالى أيضًا في ذكره لهذه المنزلة: قال رحمه الله: «والإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كعكوف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك: عكوف القلب على محبته جل وعلا وذكره بالتعظيم والإجلال، وعكوف الجوارح على طاعته جل وعلا بالإخلاص والمتابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام». ثم قال رحمه الله: «ومن لم يعكف قلبه على الله عز وجل عكف على أنواع التماثيل»، كما قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]. وذكر ابن قيم رحمه الله عظم هذه المنزلة فقال رحمه الله: «من نزل في منزلة التوبة وأقام في مقامها فقد نزل في منازل الدين كلها، فإذا رسخت قدمه نزل في منزلة الإنابة، نزل في منزلة الإنابة التي أمر الله بها وأثنى على خليله»، كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75]. ذكر ابن قيم رحمه الله أيضًا في المدارج في الكلام على هذه المنزلة وهذا الخلق العظيم، قال رحمه الله: «والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته سبحانه وتعالى، وهذه يشرك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، ولا تستلزم الإسلام»، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 33]. فهؤلاء ينيبون إلى الله عز وجل. قال ابن قيم رحمه الله: «فهذا عام في كل داع أصابه ضر أناب إلى الله عز وجل، أي المسلم أو الكافر، فهي إنابة في وقت دون آخر، أي في وقت معين في حال الضر». قال: «وإنابة أوليائه، وهي إنابة لإلهيته جل وعلا، وهي إنابة محبة وعبودية، وهي إنابة محبة وعبودية». قال: «وهذه تتضمن أربعة أمور». وهذه أي إنابة الموحدين حقًا، إنابة الألوهية، إنابة العبودية الحقة، تتضمن أربعة أمور: محبته جل وعلا، والخضوع له سبحانه وتعالى، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه. قال رحمه الله: «فإن اسم المنيب لا يستحقه إلا من توفرت فيه هذه الأربع خصال». قال: «وتفاسير السلف تدور على هذا المعنى»، أي للفظة المنيب. ومما يدلنا على عظيم منزلة الإنابة أن الله عز وجل وصف بها أنبياء، فمنزلة الإنابة منزلة الأنبياء وخلق الأنبياء. فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يصفه ربنا عز وجل في كتابه الكريم، قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: 10]. ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. وهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يصفه ربنا عز وجل في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75]. وذكر من دعائه عليه الصلاة والسلام في القرآن أنه كان يقول: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4]. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، أي رجعنا، وإليك المصير. وهذا شعيب عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل عنه في القرآن: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. عليه توكلت وإليه أنيب. وهذا كذلك داود عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]. وظن داود أن ما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب. وهذا سليمان عليه الصلاة والسلام، قال عنه ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34]. ثم أناب، ثم أناب. فالله عز وجل يحكي عن أنبيائه أنهم كانوا منيبين إليه سبحانه وتعالى، راجعين إليه جل وعلا. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أيضًا، كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك أنبنا»، وكان يقول: «اللهم عليك توكلت وإليك أنبت ولك أسلمت وبك خاصمت». هكذا ثبت في أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا يدلنا على عظم هذه المنزلة، ولذلك جاء الأمر في كتاب الله عز وجل بالاتصاف وبالإتيان بهذا الخلق العظيم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]. فهذه الآية فيها الأمر من الله عز وجل بالإنابة. وقال جل وعلا أيضًا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 53-54]. فأمر الله عز وجل بالإنابة إليه سبحانه وتعالى. والنماذج في إنابة الأنبياء ورجوع الأنبياء كثيرة في كتاب الله عز وجل، وهكذا إنابة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فالأنبياء ينزل الوحي ويقومهم إذا حصل منهم ما يخالف رضا رب العالمين سبحانه، فيأتيهم الوحي ويقومهم فيرجعون وينيبون إلى الله سبحانه وتعالى. فلذلك علينا عباد الله أن ننيب إلى الله سبحانه وتعالى في كل وقت، في كل وقت علينا أن ننيب إلى الله عز وجل، لأن نكون راجعين في حال السر وفي حال الضر، لا نرجع إلى الله وننيب إليه في حال الضر فقط، فهذا من صفات الكافرين. ينيبون إلى ربهم عز وجل في حال الشدائد وفي حال الضراء، كما سمعتم قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 33]. فينيبون إلى الله عز وجل في حال الضراء، وأما في حال السراء فلا يرجعون إلى الله عز وجل بل يتمردون. وهذا الحال يقع فيه طوائف من الناس. فمن الناس من إذا جاءه المرض رجع إلى الله سبحانه وتعالى ويعزم النية على الإتيان بطاعة الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنه في حال المرض أصابه المرض فرأى المرض به فعزم النية على الإنابة وهو في حال مرضه، أناب بالإتيان بالصلاة أو بفعل الطاعات، لكن سرعان ما يغادر هذه الإنابة أو يقصر فيها إذا شُفي من مرضه. إذا شُفي من مرضه قام -نسأل الله العافية والسلامة- كالحمار لا يبالي، ولا يذكر ذلك الحال الذي كان عليه، ذهب -والعياذ بالله- يقع في الفسوق، ذهب -والعياذ بالله- يقع في المنكرات وفي الفواحش، وإلى آخر ذلك من هذه المفاسد. وهكذا من الناس من ينيب إلى الله عز وجل عند الشدائد، عند حصول الآيات الكونية، مثلًا من الزلازل أو الفيضانات أو كذلك الكسوفات، فيرتدع بمشاهدته لهذه الأمور ويعزم النية على الإنابة وينيب، لكن إذا مرت أيام نسي هذه الآيات الكونية وغفل عنها وأعرض عنها، ورجع إلى الحال الذي كان عليه قبل رؤيته لهذه الآيات الكونية. ومن الناس من ينيب في بعض الأزمنة، ولكن إذا انقضت هذه الأزمنة وهذا الزمان رجع -والعياذ بالله- على الحال الذي كان عليه قبل هذا الزمن. ومن ذلك شهر رمضان، هذا الشهر المبارك وهذا الشهر الكريم، فإننا نجد كثيرًا من الناس ينيبون إلى الله عز وجل في هذا الشهر. فربما تجد من الناس من كان قبل رمضان لا يصلي، فإذا جاء رمضان أناب ورجع وصلى. وتجد من الناس من كان قبل رمضان لا يحافظ على الصلوات جماعة في المساجد، وإنما ربما يصلي في بيته أو يصلي ويخلي، ولكن إذا دخل رمضان أناب وصلى مع المسلمين في المساجد. وهكذا من الناس ربما لا يقرأ القرآن قبل رمضان، لكن لما دخل رمضان أناب إلى الله وذهب يقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا من الناس من ربما كان قبل رمضان يخزن، ولما دخل رمضان ترك القاتل وأناب إلى الله عز وجل. ومن الناس من ربما كان يدخن قبل رمضان وهو يستخدم التنباك، إذا دخل رمضان امتنع عن هذه الأشياء. ومن الناس من ربما يشاهد القنوات، قنوات العفن والرذيلة، لأكد دخل رمضان استحياء وأناب ولم يشاهد مثل هذه القنوات. وربما من الناس من يسمع الغناء قبل رمضان، ولكن لما دخل رمضان أناب إلى الله عز وجل ورجع وصار يسمع القرآن ولا يسمع الغناء. لكن إذا خرج رمضان وانقضى هذا الزمن، رجع الناس -نسأل الله العافية والسلامة- إلى ما كانوا عليه قبل رمضان. فالمخزن رجع إلى تخزينه، والمتنبك رجع إلى تنباكه، والمتلفز رجع إلى تلفازه، وهكذا -نسأل الله العافية والسلامة-، بل ربما شارب الخمر رجع كذلك إلى شربه لخمره، وهكذا الناس. فهذه إنابة ليست إنابة صحيحة، فيها توبة وعزم في الرجوع إلى الله عز وجل في كل وقت وحيد، بل للأسف الشديد أن من الناس من يعزم النية على أن هذه الإنابة تكون قاصرة في رمضان فقط، في رمضان فقط، يعني قبل دخول رمضان يعزم النية على الإنابة أنه لا يفعل كذا ولا يفعل كذا ولا يفعل كذا، لكن هذه النية أنها تكون في رمضان، وفي نيته أنه إذا خرج رمضان يرجع إلى الحال الذي عليه قبل رمضان. فهذه إنابة تشبه إنابة الكافرين وإنابة المنافقين الذين إنما ينيبون إلى الله عز وجل في أوقات دون أوقات. أما أهل الإيمان الصادق الحقيقي، فإنابتهم إلى الله عز وجل في كل وقت، سواء كان في حال السراء أو كان في حال الضراء، فهم ينيبون إلى الله سبحانه وتعالى في كل حال وفي كل وقت. ومن الإنابة عباد الله إلى الله عز وجل: الرجوع إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق من الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. فالإنسان إذا تبين له الحق عليه أن ينيب إلى الله جل وعلا، لا يتبع هواه ولا يصر على الباطل ولا يصر على المخالفة، وإنما يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. أما الإصرار على المخالفة، وأما الإصرار على الباطل، فهذا ليس من الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، بل هي من صفات المتمردين على رب العالمين سبحانه وتعالى. هؤلاء الكفار كما سمعتم لا يعتبرون ولا ينيبون إلا في أوقات هي من أوقات الشدائد، وإلا فهم كما وصفهم ربنا عز وجل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]. وهو كذلك من سيمة المتمردين على الله عز وجل وعلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. قد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. والله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». حدّث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث، ونقله عنه عبد الله بن وهب، ونقله عن عبد الله بن وهب الأعمش، فحدّث عمر بن عبيد المعتزلي، الذي هو رأس الاعتزال، رأس الاعتزال، بهذا الحديث عن الأعمش وعن عبد الله بن وهب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فانظروا التمرد على الله عز وجل، وانظروا عدم قبول الحق ولا الأخذ به مع ثبوت النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال عمرو بن عبيد: «لو سمعت هذا الحديث من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من عبد الله بن وهب لرددته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لما صدقته، ولو سمعته من رسول الله لما قبلته، ولو سمعته من رب العالمين لقلت: ما على هذا أخذت ميثاقنا». انظروا التمرد، انظروا الجرأة على رسول الله، انظروا الجرأة على سلف هذه الأمة من التابعين والصحابة، لا يقبلون أقوالهم بل يتجرؤون عليها ويردونها. ما الدافع لهم على فعل ذلك؟ إنه الهوى، وإنه الكبر، والعياذ بالله، إنها عدم الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. ولا زال الناس في كل زمان، في كل زمان، لهم أثن من هذه المواريث، والعياذ بالله. فأهل الباطل إلى يومنا هذا، ما مُنّوا بآيات من كتاب الله تدل على باطلهم، ما مُنّوا بأحاديث من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام صحيحة تدل على باطلهم، لا تراهم يرجعون، لا تراهم ينيبون إلى الله عز وجل، بل يصرون على ما هم عليه من باطل ومن بدع ومحدثات ومخالفات. فهذا -والعياذ بالله- هو إثم المخالفين لكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فاحذر يا عبد الله، فاحذر يا عبد الله من التمرد، واحذر يا عبد الله من عدم الإنابة. فالمسارعة المسارعة، والمبادرة المبادرة بالرجوع إلى الحق، وعدم التمرد على العلماء، وعدم التمرد على العلماء، وعدم كذلك الاستهانة بهم. فعليك بالتمسك بغرزهم والسير على ما ساروا، فإنهم على صراط مستقيم وعلى هدى رب العالمين سبحانه وتعالى. أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من المنيبين له سبحانه وتعالى في رمضان وفي شوال وفي كل شهور الله سبحانه وتعالى، في كل لحظاتنا وساعاتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الجميع شكرا شكرا شكرا شكرا.