الدرس في شرح نواقض الإسلام 9، الناقض الثالث . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الناقض الثالث للإسلام هو عدم تكفير المشركين أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم، ويعتبر هذا كفرًا. يُبرز المؤلف أهمية إظهار العداوة والبغضاء للكفار كجزء من العقيدة الإسلامية.
يُناقش المقطع مفهوم التكفير وضوابطه، مشيرًا إلى انقسام الناس إلى طرفين في هذا الموضوع. يوضح أن الصواب هو وجود التكفير بضوابطه، مع التأكيد على أهمية الدليل وانتفاء الموانع.
من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم بعد بيان الأدلة الشرعية فهو كافر، لأن ذلك يعد ردًا لحكم الله ورسوله. يُوضح ثلاث طرق لمعرفة كفر الكافر: أدلة الشرع، أفعال الكافر، وإجماع العلماء.
فجرنا الناقض الأول: الشرق في عباس بالله، والثاني: من جعل بينه وبين الله وسيطًا وطالبه، والثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم، كفر. وهذا الناقض الثالث -أو موضع هذا اليوم- هو الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم، كفر. وهذه مثلًا عبارة المجدد، جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- في صفحة واحدة، والسبب الذي جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- يذكر هذا الناقض هو وجود التساهل لدى البعض من المسلمين في إظهار العداوة للكفار. فإن من شرائع الدين ومن أمور العقيدة، بل من أصول الإسلام إظهار العداوة والبغضاء للكفار. قال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. فكان لزامًا على كل مسلم أن يعرف هذا الضابط، وهو ضابط البغض في الله. ولهذا قد مر معنا قريبًا في تعريف الإسلام، قول العلماء: "الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله". والبراءة من الشرك وأهله ليس فقط أن يتبرأ المسلم من الشرك، بل البراءة من الشرك ومن أهل الشرك. فهذا المدخل التلازمي: أنك تكفر وتعلن العداوة والبغضاء على الشرك وعلى أهل الشرك، كما أنك تحارب وتعلن الكفر بدين النصرانية، تعلن الكفر أيضًا بأهل النصرانية. كما أنك تظهر البغض لدين اليهود، تعلن أيضًا البغض لأهل اليهود. وهذا من باب التلازم والبراءة من الشرك وأهله. فأهل إبراهيم -عليه السلام- لم يعادوا فقط الأصنام، وإنما عادوا الأصنام وعادوا أهلها: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وهنا لفتة، فأهل العلم يقولون: إن إبراهيم -عليه السلام- قدم الناس ثم قدم الأصنام، وهذا من دلائل أهمية الولاء والبراء في الإسلام. الشاهد أن هذا الناقض مهم، وما كرره المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذه النواقض إلا لما رأى التساهل عند البعض من المسلمين لعباد الطواغيث ولعباد القبور، كما سيأتي بيانه. فأراد المؤلف -رحمه الله تعالى- أن ينبه الناس على أن هذا الناقض من أعظم نواقض الإسلام. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر". وهذه عبارة شبيهة بعبارة ذكرها القاضي عياض في كتاب "الشفاء". القاضي عياض في كتابه "الشفاء في حقوق المصطفى" فقد ذكر صاحب كتاب "الشفاء" -رحمه الله تعالى- عبارة شبيهة بهذه العبارة، فقال -فيما معناه-: "ونكفر من دان بغير ملة المسلمين، أو شك في كفرهم، أو توقف فيهم، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر الإسلام، فهو كافر بإجماع المسلمين". وهذا العبارة من القول عن القاضي -رحمه الله- شبيهة بعبارة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-. فيعلم من هذا أن هذا الناقض لم ينترده الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل هو ذكر إجماع المسلمين على أن من تلبس بهذه الصفات فهو كافر. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "من لم يكفر المشركين". وهذه مسألة موضوع التكفير تحتاج إلى تنبيه. والناس في موضوع التكفير على طرفين نقيض. فطائفة من الناس فتحت باب التكفير على مصراعيه، فأصبحت تكفر الشعوب والمجتمعات. وطائفة أخرى من الناس أقفلت باب التكفير، فأصبحت لا تكفر أحدًا. وهذا شذوذ وخروج عن منهاج الإسلام. فالصواب أن الكفر والتكفير موجود، لكن بضوابطه. وأهم الضوابط وأهم القيود التي ينبغي أن تكون عند كل أحد إذا أراد أن يرمي أحدًا بكفر، عليه بهذين الأمرين: الدليل على أن هذا الأمر كفر، وانطباق وصف الكفر على هذا الفاعل. فينبغي أن يهتم بأول أمر، وهو أن ينظر هل هذا الفعل الصادر من هذا الشخص -إما من قول أو فعل- هل هو كفر أم ليس بكفر؟ فإن كان هذا ليس بكفر انتهت المسألة. ولماذا هذا القيد؟ لأن بعض الناس يرمون أناسًا بكفر على أعمال وأقوال صدرت منهم، وليس بكفر. ثم تأتي القاعدة الثانية: انطباق وصف الكفر على الشخص. فقد يقول قائل: كيف هذا؟ رجل وقع في كفر، سنطبق وصف الكفر عليه، أكيد سينطبق. لا، ما هو أكيد. رب رجل يتلفظ بالكفر وليس بكافر. بل رب رجل يقع في الكفر وليس بكافر. مثاله: لو أن رجلًا قال -بلسانه-: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". هذه كلمة كفر، لا خلاف بين أحد من الناس. لكن انظروا إلى ما جاء في الصحيح في حديث الأعرابي، حيث مثل النبي -عليه الصلاة والسلام- التائب رجلًا عنده دابة، فقال: "أخطأ من شدة الفرح". فالرجل هنا لم يقصد هذه العبارة، وإنما أخطأ بلسانه من شدة الفرح. فيعذر لأنه لم يقصد المعنى. فهنا أشياء تسمى موانع، فلابد أن يكون الإنسان كافرًا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع. هذه القاعدة مهمة لأنها تتعلق بقضية التكفير. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "من لم يكفر المشركين". والمشرك هو الذي تبين أمره بأنه كافر. فهذا لا يشك عاقل بأنه كافر. ومن لم يكفر هؤلاء الذين كفرهم الشرع فهو كافر. مثاله: الشرع ذكر في كتابه أن الشيطان كافر. لو قال رجل: "أنا ما أكفر الشيطان"، هذا كافر؛ لأنه رد حكم الشرع. القرآن حكم على فرعون بالكفر، فلو قال رجل: "فرعون ليس بكافر"، هذا كافر؛ لأنه رد حكم الشرع. وهكذا كفر اليهود والنصارى، فالقرآن مليء بالآيات الواضحة على أن اليهود والنصارى قد كفروا. فلو قال رجل: "أنا ما أكفر اليهود والنصارى"، فهذا يكفر؛ لأنه رد على حكم الله. وهذه وسيلة من الوسائل التي يعرف بها كفر الكافر: أدلة الشرع. فإن أدلة الشرع متى ما حكمت على أشخاص أو حكمت على أقوام بأنهم كفار، فهم كفار. والطريقة الثانية التي يعرف بها كفر الكافر: أن الكافر يفعل أشياء واضحة تمس بضروريات الدين. مثلًا: الشيوعية، مبدأها يقوم على مخاصمة الدين والعقيدة والشريعة. فمن لم يكفر هؤلاء فهو كافر. والطريقة الثالثة: إجماع العلماء. إذا حكم العلماء واتحدت كلمتهم على كفر كافر، فلا يجوز لأحد أن يتورع في تكفير هؤلاء. مثاله: الدروز، فرقة من الفرق الباطنية، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن هؤلاء كفار، ولا شك في كفرهم. ومن شك في كفرهم فهو كافر بإجماع المسلمين. ومثل الدروز: النصيرية، فرقة من فرق الباطنية، بل قال علماء: إنها من أعظم الفرق الباطنية غلوًا. والنصيرية يتمركزون في الشام، ولهم معتقدات باطلة، منها: أن علي بن أبي طالب إله ورب. فأجمع العلماء على كفر هذه الطائفة، فمن لم يكفر النصيرية فهو كافر. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم". وهذه الصورة الثانية مخالفة ومغايرة للصورة الأولى. الصورة الأولى: أنك لا تكفر من كفره الله ورسوله. والصورة الثانية: أنك تشك في كفرهم. فالشك على قسمين: شك مبني على عدم وضوح الأدلة، وهذا يُعذر. وشك مبني على الهوى، وهذا لا يُعذر. فمن كان شاكًا في كفر الكفار، أو جاهلًا فيهم، ثم بينت له الأدلة، ثم طرح الشك أو التردد، فهو كافر بإجماع المسلمين. كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء. ويدخل في الشك: التوقف. فمن توقف في كفر هؤلاء بعد بيان الدليل، فهو كافر. وعلى هذا إجماع العلماء. فمن شك في كفر الكافر فهو كافر؛ لأن في ذلك معارضة لحكم الشرع. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "أو صحح مذهبهم". وهذا محل الشاهد. فمن صحح مذهب الكفار، فهو كافر. وسنأتي على هذا في درس قادم -إن شاء الله تعالى-.