من سنن الفطرة  3

من سنن الفطرة 3

الدرس في من سنن الفطرة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مسائل عامة حول خصال الفطرة

يتناول المقطع مسائل عامة حول خصال الفطرة مثل حكمها ووقتها وترتيب إزالتها، ويشير إلى استحباب التيامن في إزالتها والاستعانة بالغير في بعض الحالات. يُبين أن بعض العلماء يرى وجوبها.

حكم دفن الأشعار والأظفار

يتناول حكم دفن الأشعار والأظفار المزالة، حيث ذهب الكثير من أهل العلم إلى استحباب دفنها مستدلين بآيات القرآن وأحاديث السنة وأثار السلف والقياس على دفن الأموات.

خصال الفطرة ومدى حصرها

يناقش مسألة خصال الفطرة وهل هي محصورة في خمس خصال أم أكثر، ويستدل على أن هناك أدلة تشير إلى أن خصال الفطرة أكثر من الخمس المذكورة، مع التأكيد على أهمية اعتناء المسلم بها.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، ففي الدروس الماضية انتهينا من ذكر خصال الفطرة التي جاء ذكرها في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وذكرنا ما يتعلق بهذه الخصال من مسائل، سواء ما يتعلق بالختان أو بالاستحداد أو بقص الشارب أو بتقليم الأظافر أو بنتف الإبط. بقيت هناك مسائل عامة متعلقة بعموم هذه الخصال، من ذلكم ما يتعلق بحكمها. بينا في الدروس الماضية أن العلماء، ومن أهل العلم من ذهب لاستحبابها، بل منهم من ادعى الإجماع على ذلك. وقلنا إن دعوى الإجماع في هذه المسألة ليس بصحيح، بل من أهل العلم من ذكر الوجود، كابن العربي المالكي رحمه الله تعالى، حيث قال: «وعندي أن هذه الخصال واجبة». ومثله الشوكاني، كما في «النيل». فحكم هذه السنن -أي سنن الفطرة- أنه واجب على المسلم أن يقوم بها. المثل الثاني ما يتعلق بوقتها. بينا كذلك في الدروس الماضية أن الوقت الذي به ينتهي أمر الاستحباب إلى الأربعين، فإذا بلغت الأربعين فإن المسلم يجب عليه أن يتخلص من هذه الأمور -من الأوساخ والأشعار التي فيه- إما من شعر عانة، وإما من شارب، وإما كذلك من ظفر أو إبط. فما دون الأربعين أنت -يا عبد الله- بالخيار، ويُحبَّذ أن الشخص بين الفينة والأخرى يتعاهد مثل هذه الخصال. وكذلك من المسائل المتعلقة بخصال فطرة ما يتعلق بالتيامن. استحب العلماء رحمهم الله تعالى أن من أراد أن يأخذ من هذه الخصال شيئًا فإنه يبدأ بيمينه. استدل العلماء على سنية هذا الفعل بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وظهوره، وفي شأنه كله». أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونه كان يحب التيامن. ولهذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى: «وهذه قاعدة مستمرة في الشرع». فعلى هذا، فمن أراد أن يقلِّم الأظافر، فحبَّذ ويستحب في حقه أن يبدأ باليمين. وهكذا إذا أراد أن يحلق الشعر أو أن يقصره، فكذلك يستحب في حقه أن يبدأ باليمين. ومن المسائل المتعلقة بذلك بهذه الخصال ما يتعلق بأمر الإزالة. ومعنى الإزالة أي التخلص من هذه الخصال، أي تتخلص من الشعور والأظفار. فهل يجوز أن تجعل غيرك يتخلص من ذلك، أم لا بد أن تكون أنت القائم بذلك؟ المسألة فيها تفصيل. قال علماء: إذا كانت هذه الخصلة من خصال الفطرة فيها كشف للعورة، فلا يجوز للغير أن يكشفها. وإن كانت هذه الخصلة ليس فيها كشف عورة، فلا بأس ويجوز أن تجعل غيرك يزيل هذا الأمر. فمثلًا ما يتعلق بقص الشارب، وما يتعلق كذلك بتقليم الأظافر، فهذا لا حرج فيه. بإمكانك أن تجعل غيرك يزيل هذه الأشياء، كأن تأتي إلى حلاق فتأمره أن يقص شاربك، أو تأتي عند أهلك أو أحد من أقاربك أو أصحابك فيقلم أظافرك، فهذا لا غضاضة فيه، كما قال العراقي رحمه الله تعالى. فلا حرج في ذلك، وخاصة أن بعض الناس قد يحتاج إلى معونة، كحال بعض الناس إذا أراد أن يقص أظافر الأصابع اليمنى فاستخدام المقص باليسرى يكون عسيرًا، فهذا تحتم عليه أن يجعل أحدًا يعينه في قص أظفاره. فالأمر في ذلك واسع، متى إذا كانت هذه الخصلة ليس فيها كشف العورة. لكن إذا كان في هذه الخصلة كشف عورة، فلا يجوز أن تستعين بأحد. مثل ماذا؟ مثل الاستحداد. الاستحداد قد مر معنا، وماذا؟ إزالة شعر العانة بالحديدة -أي بموسى- وما كان بمعناها. فالاستحداد وحلق شعر العانة لا يجوز أن تجعل أي أحد يكشف هذه العورة ويزيلها، بل واجب عليك أن أنت الذي تقوم بإزالة ذلك الشعر، أو من أجاز الشرع أن ينظر إلى عورتك. فهذا الصنف هو الذي يفعل لك هذه الخصلة، أما ما سواه فلا. وهنا أنبه على مسألة، وهي ما قد يبتنى به بعض الناس من المسلمين إذا قرر في حقهم إجراء عملية في محل الفرج أو ما كان في ذلك الموطن، إما من الفسية أو ما كان في أعلى الفخذ ونحو ذلك، فيطلب من هذا المريض أن يحلق شعر العانة، فيتساهل في هذا الباب ويقول: «سهل، أنتم بنجوني وافعلوا ما شئتم، قصوا واحلقوا، أمر سهل عندي». لا، يا عبد الله، هذا لا يجوز، هذا يحرم، كما قال علماء: يحرم أن تكشف العورة ويحلق العانة بهذا الفعل. فهذا لا يجوز. وإذا قلت: إنه بحقه ثم بعد ذلك يفعل عملية من باب الضرورة، أما حلق العانة في هذا الباب ليس ضرورة. أنت ليس هناك ما يمنعه أن يقوم بهذا الأمر بنفسك، فتنبه -أخواني في الله- لهذا الأمر، لأن من الناس من يتساهل في هذا الباب ويظن أن الأمر فيه يسر وسهولة. هذا فيه يسر إن كان الأمر يتعذر عليه ولا يستطيع بنفسك، لكن إذا كان هذا مقدورًا لك. فبعض الناس ماذا؟ يجعل الممرضة أو يجعل الممرض هو الذي يحلق شعر العانة، فهذا لا يجوز، بل هذا من المخالفات الصريحة الواضحة. وكذلك -أخواني في الله- مما يتعلق بهذا الباب ما يتعلق بدفنها. ما يتعلق بدفنها، هل يشرع أن تدفن هذه الشعور أو هذه الأشعار والأظفار؟ رجل قلم أظفاره أو أخذ شيء من أشعاره فأراد أن يتخلص من هذه الفضلات، هل يسهل أن تُرمى بها في المزبلة والمكنسة، أم أنها تُصان وتُجعل وتُدفن في الأرض؟ ذهب الكثير من أهل العلم إلى أن مثل هذه الفضلات أنها تُبجَّل وأنها تُعظم، وذلك بدفنها، وألا تُلقى. استدل على هذا القول بأدلة عامة من الكتاب والسنة ومن آثار السلف والقياس. فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:25] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:26]. قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿كِفَاتًا﴾ أي ضامة، أي أن الأرض تضم الأحياء والأموات. أما ضم الأرض للأموات فهذا معروف، وذلك بدفنهم. الأرض تضم الأموات بدفنها. لكن كيف أن الأرض تضم الأحياء؟ قالوا: وذلك بأنها يُدفن فيها الفضلات. تُدفن فيها الفضلات. فإن الفضلات التي تُستخلص من بني آدم فإنها ترجع إلى الأرض، فهذا هو معنى كِفَاتًا للأحياء. ولهذا على هذه الآية استحب الكثير من العلماء أن هذه الأجزاء أن تُرجع إلى الأرض. وكذلك استدلوا بأحاديث من السنة فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الدفن، لكن هذه الأحاديث لم يصح منها شيء. كل حديث مروي في دفن الأعضاء -أي ودفن الأشعار والأظفار- لا يصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكذلك مما استدلوا به ما نُقل عن فعل السلف. ما نُقل عن فعل السلف، فقد جاء عن ابن عمر، وكذلك عن ابن سيرين، وعن بعض التابعين أنهم كانوا يفعلون هذا الأمر، أنهم يدفنون الأظفار الزائدة، وهكذا الأشعار يجعلونها في الأرض. ومما نُقل عنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فعلى المروذي رحمه الله تعالى قال: قلت لأحمد: الرجل يأخذ من أشعاره وأظفاره، أيدفنه أم يلقيه؟ قال: «بل يدفنه في الأرض». قلت له: أبلغك عن ذلك شيء؟ قال: «كان ابن عمر يفعل ذلك». قلت: عن من؟ أي من أخبرك بهذا الأثر؟ قال: «المروذي». فأخبرني أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن العمري عن نافع عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك. أي أن إمام أحمد ذكر الدليل الذي استدل به على أن ابن عمر كان يفعلها للفائدة، وذكر هذا الإسناد. وهذا الإسناد الإشكال فيه فيما تعلق بالعمري، فيما تعلق بالعمري. لأن عبد الرحمن بن مهدي يروي عن العمرين. هناك عمري المكبر وهو عبد الله العمري، وهناك العمري المصغر وهو عبيد الله العمري. فعبد الله المكبر بعيد، وعبيد الله المصغر ثقة. فاختلف العلماء: هل عبد الرحمن بن مهدي روى عن العمري -أي العمرين- هل روى عن العمري المكبر وهو الضعيف، فماذا؟ فيكون الإسناد فيه ضعف، أم روى عن العمري المصغر وهو الثقة، فيكون الإسناد صحيح؟ فلهذا اختلف العلماء في صحة هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه. وهكذا استدل العلماء ممن قال بالدفن بماذا؟ بالقياس. قالوا: هذه الأجزاء من بني آدم، أن الأصل في بني آدم أنه يرجع ويدفن في الأرض. قالوا: وكذلك هذه الأجزاء تبع للأصل، تبع للأصل. فإذا كان الأصل مرجعه إلى الأرض، وكذلك ما يتفرع منه وما ينتقص منه، فإنه يرجع إلى هذا الموطن ألا وهو الأرض. فالشاهد أن العلماء والكثير منهم -وهذا من قول الحنابلة والشافعية، وكذلك الأحناف- ذهبوا لاستحباب هذا الفعل. والأمر كما سمعتم ليس فيه إجماع، بل فيه خلاف. منهم من ذهب إلى ذلك لما سمعتم من هذه الأدلة. وهكذا من المسائل المتعلقة بهذا الباب ما يتعلق بنقض الوضوء. من هذه المسائل ما لو أن رجلًا توضأ، فلما انتهى من وضوءه وأشرف على الصلاة، قام وفعل شيء من خصال الفطرة. أتى بالمقص وقص شاربه، أو أنه نتف إبطه، أو أنه قلم -يعني استحد-، ولكن بشرط أن لا يمسك بعورته أو يمسك فرجه. فعل شيء من نواقض الوضوء، فعل شيء من خصال الفطرة. فما حكم الوضوء؟ أينتقض أم أن الوضوء صحيح؟ خالد بن منذر رحمه الله تعالى في «الأوسط» قال: «ولا أعلم أحدًا قال بوجوب إعادة الوضوء في ذلك». أي لم يؤثر أو لم يؤثر عن أحد من أهل العلم أنه صرح ببطلان الوضوء، فبالمزري يدعي الإجماع. ودعي الإجماع في هذه المسألة أن الوضوء صحيح وليس هناك خلاف. لكن ابن قدامة رحمه الله تعالى في «المغني» ذكر أن من أهل العلم من خالف في هذه المسألة، ونقل ذلك عن حماد وعن الحسن -أو عن حماد وعن مجاهد- أنهم ذهبوا إلى أنه من طبق شيء من خصال الفطرة وهو على حال الوضوء، فإنه يعيد. ثم قال ابن قدامة: «وهذا على خلاف ما عليه عامة العلماء». ثم بين أن هؤلاء ليس معهم دليل يعضدهم في هذا الأمر. وهذا هو الصحيح. فنبقى على قول جماهير الأمة، وهو أن هذه الخصال من طبقها في حال وضوئه فإن الوضوء صحيح. فمثلًا لو أنك -يا عبد الله- على وضوء، ثم قمت بتقصير شاربك، فوضوءك صحيح، لا غضاضة فيه. أو أنك على وضوء ثم قصصت من شاربك أو نتفت إبطك، فإن كذلك الوضوء صحيح، ولا يضرك ما فعلت لعدم وجود دليل يدل على نقض الوضوء. وعلى هذا قول جماهير الأمة. وهكذا -إخواني في الله- مما يتعلق بهذه المسائل أن نعلم أن هذه الخصال هل هي خاصة بهذه الخمس، أم يلحق بها غيرها؟ الصحيح وعلى هذا قال علماء: أن خصال الفطرة ليست محصورة في هذه الأمور الخمس: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة. ليست خاصة بذلك، بل إن هناك من الأدلة ما يدل على أن خصال الفطرة أكثر من ذلك. ولهذا يقول ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: «أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة». أي ليست محصورة في هذا العدد. فقد يقول قائل: «كيف؟ ونبينا صلى الله عليه وسلم يقتصر على الخمس؟» فيقول: «هذا الحصر إنما يفيد التأكيد». إنما يفيد التأكيد، وهذا حاله كحال الحديث: «الحج عرفة». وكحال الحديث: «الدين النصيحة». فلهذا ذكر العلماء: أن هناك من الأحاديث ومن الآثار ما فيها دلالة على أن خصال الفطرة أكثر من هذه الخمس. فمما يذكر من الأحاديث الدالة على أن الفطرة أكثر من هذه الخصال ما جاء في مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة، ثم ذكرت هذه الخصال: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وتقليم الأظافر، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، ثم قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة». فهذا الحديث في بيان على أن الفطرة خمس عشر خصلة. قال: «قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، وانتقاص الماء، وتقليم الأظافر، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان». ثم قال الراوي: «ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة». فهذا ماذا؟ خصال عشر. لكن ينبئ على الأمر، وهو أن هذا الحديث مع أنه في مسلم إلا أنه منتقد. إلا أنه منتقد، فقد قام العلماء بانتقاد هذا الحديث. وممن انتقد هذا الحديث الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والدارقطني رحمه الله تعالى، والنسائي، وابن التركماني، وغير هؤلاء، ماذا؟ أعلوا هذا الحديث، لأن فيه علة خفية ظهرت فيه. فالشاهد على صحة هذا الحديث، ففيه ماذا؟ دلالة. وإن لم يصح، فإن هناك شواهد تدل على أفراده. وكذلك مما دل على أن خصال فطرة أكثر من ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:124]. قال ابن عباس: «ابتلاه الله بالطهارة». خمس في الرأس وخمس في الجسد. قال: «أما في الرأس فهي: السواك، والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الرأس، والمضمضة». ومعنى فرق الرأس: أي فرق الرأس. قال: «خمس في الرأس: السواك، والاستنشاق، والمضمضة، وفرق الرأس، وقص الشارب». قالوا: «أما الخمس في الجسد فهي: ذكر نتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء من البول، والغائط، ونتف الإبط». فهذه خمس في الجسد. فالشاهد: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق عن ابن عباس بإسناد صحيح. فقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن طاووس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فشاهد -إخواني في الله- أن نعلم أن خصال فطرة هي أكثر من خمس. ينبغي للمسلم أن يعتني بها. وكذلك ننبه على أمر، وهو أن هذه الخصال هي تكرمة وتكرمة لبني آدم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:70]. وبينا أن الإنسان متى ما فرط في هذه الخصال فإنه للحيوان أشبه، كما قال بذلك ابن العربي رحمه الله تعالى. لأنه من ترك تخيل -يا عبد الله- من ترك شواربه فإن شكله يكون كحال الدواب البهائم، ومن ترك أظفاره حاله يكون كحال الحيوانات ذوات المخالب. ولهذا ينبغي للإنسان أن يكرم نفسه بما أكرمه الله عز وجل من هذه الخصال. وينبه أيضًا على أمر ما، وهو أن هذه الخصال ينبغي للمسلم أن يعتني بها، وبالعمل بها، وتطبيقها، ما لم يوجد هناك مانع. يوجد هناك مانع يمنعك من أنك تتطول على أخذ شيء من هذه الأشعار، ومن هذه الأظفار، ومن تلكم الموانع: إذا دخلت العشر من ذي الحجة، وأراد الواحد منا أن يضحي، فحينئذ لا يجوز أن تأخذ من أظفارك ولا من شعرك شيء. فقد جاء في مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلت العشر -أي ذي الحجة- وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي». وفي رواية: «لا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئًا». وكيف البشرة؟ قالوا: «الختان». أي لا يختتن في تلكم الفترة. فالشاهد: أن خصال فطرة أنت مطالب بها في كل وقت، لكن إذا جاء المانع الشرعي كهذا الوقت، فينبغي للعبد أن يكف عن أخذ منها حتى تنقضي تلكم المدة. فهذه أهم المسائل المتعلقة بخصال فطرة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.