التعليقات على كتاب الأدب المفرد 86

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 86، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الرحمة والاحترام في الإسلام

الإسلام يشدد على أهمية رحمة الصغير واحترام الكبير، حيث يعتبر ذلك من خلق أهل الإيمان. النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى رحمة الصغير واحترام الكبير.

تطبيق الرحمة والاحترام في الحياة اليومية

يجب تطبيق رحمة الصغير بتأديبه برفق وتشجيعه على الطاعة، واحترام الكبير بتوقيره وعدم رفع الصوت أو اليد عليه. كما يجب احترام الأب والأم وكبار السن والعلماء وتقديرهم.

احترام العلماء واتباعهم

يجب على المسلمين احترام العلماء الثقات واتباعهم، لأن البركة تكون مع أكابر العلماء. ينبغي للمسلم أن يحذر من الأخذ بقول غير العلماء الثقات وأن يكون مع أهل العلم.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب فضل كبير، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن أبي صفر، عن أبي قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا». والحديث صحيح، فقط صححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: حدثنا علي، وهو عبد الله المديني، الملقب بحية الوادي. ومن الذي لقبه بذلك؟ من الذي لقب ابن المديني بحية الوادي؟ تذكر ابن عيينة شيخه لقبه بحية الوادي لمعرفته بعلم الحديث، كالحية التي تعرف الفرج، الفتحات في الغابة وبين الأشجار، وهذا لسعة علمه وخبرته رحمه الله بالعلل. وكان الإمام أحمد رحمه الله يكنيه، تبجيلا له. ومع سعة علمه وجلالته، إلا أن بعض أهل العلم تكلم فيه، تكلم فيه بسبب محنة خلق القرآن. فكان ابن المديني رحمه الله ممن أجابه بتلك الفتنة، لأنه يرى أنه بلغ مبلغ الضرورة وأنه أكره على ذلك، ويرى أن جسمه لا يتحمل السياط والضرب، فأجاب رحمه الله. فتكلم فيه الإمام أحمد وغيرهم من أهل العلم. ومع ذلك فقد تاب ورجع رحمه الله، وكان يقول في مسألة خلق القرآن كقول سائر أهل السنة والجماعة: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال القرآن مخلوق فهو كافر. فانظروا مع جلالة هذا الإمام وسعة علمه ومنزلته، ومع ذلك لم يسلم من الخطأ، لم يسلم من الخطأ. وهكذا الإنسان بشر يصيب ويخطئ، ومهما عظمت منزلته ومهما بلغ مبلغا في العلم، فإنه لا يسلم من الزلل ولا يسلم من الخطأ. لكن الواجب هو الرجوع والاعتراف بالخطأ والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فليس من العيب أن تخطئ أبدا، ليس هذا من العيب، فكل من آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. ولكن العيب أن تستمر على الخطأ وأن تصر على الخطأ. فالواجب هو الرجوع والاعتراف بالخطأ، والاعتراف بالخطأ فضيلة ورفعة، وليس هو ذل ولا كذلك أيضا تنقيص من منزلة الشخص أبدا، بل هو رفع له، يعترف بخطأه ويتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، والله يغفر له خطأه. قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبيد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم -يعني يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام- وهذه من صيغ الرفع، من صيغ رفع الحديث، أن يقول الصحابي أو الراوي عنه: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، أو يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مرفوعا، فكل هذه من صيغ الرفع، أي رفع الحديث. قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا». قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، سمع عبيد الله بن عامر يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مثله. والحديث كما مر أنه صحيح. وفيه إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام إلى رحمة الصغير واحترام الكبير. «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا»، أي ليس على هدي أهل الإسلام وخلق أهل الإيمان. أنهم يرحمون الصغير، يرحم الصغير فيعطف عليه ويشفق عليه. وهكذا أيضا يحسن إليه، فلا يكلف ما يشق عليه، ولا كذلك أيضا يستغل صغره وضعفه فيتصلت عليه، لا بل يرحمه، يرحم هذا الصغير ويشفق عليه. وليس معنى ذلك أنه يترك تأديبه، لا يؤدبه، يؤدبه مع الرحمة والشفقة، مع الرحمة والشفقة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بهذا الأمر بتأديب الأولاد منذ الصغر، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». والتأديب من الرحمة، تأديب الأولاد من الصغر من الرحمة، لأن هذا أنفع لهم، وهو كذلك سبب لحصول الخير لهم عند الكبر، لما يتأدب ويتعلم منذ الصغر على الطاعة، تأمره بالصلاة وهو في السن السابع، سن التمييز غالبا، فيصلي. ثم إذا وصل السن العاشر، إذا لم يصلي، تضربه ضرب التأديب، لأنه في هذا السن قد قارب البلوغ، فيضرب حتى يشعر بعظم هذه المسؤولية، بعظم المسؤولية عليه، وأنه مأمور بهذه العبادة وأنه كذلك مكلف بها. وهكذا أيضا يكون الضرب كما قلنا فيه رحمة، ليس تعذيبا، كما يفعل ربما بعض الآباء إذا ضرب ولده يضربه ضربا شديدا، لا يكون الضرب ضرب تأديب، لا يجرحه ولا كذلك أيضا يصيبه بشيء يتضرر به، وإنما يؤدبه فقط، يكون الضرب تأديبا. فرحمة الصغير مما جاء به الإسلام وأمر به. وقال عليه الصلاة والسلام حين قال له الأقرع بن حابس: «لما قبل الحسن بن علي، قال له: إن عندي عشرا من الولد ما قبلت أحدا منهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟». والحديث في الصحيحين. وجاء عن عائشة رضي الله عنها أن نفرا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: «أتقبلون صبيانكم؟ قلنا: بلى. قالوا: أما نحن فلا نقبلهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم، أو من لا يرحم لا يرحم». فتقبيل الصبي من الرحمة والشفقة. فقال عليه الصلاة والسلام: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا». أيضا معرفة حق الكبير، معرفة حق الكبير من الاحترام والتوقير، وعدم رفع الصوت عليه. وأعظم من ذلك عدم رفع اليد عليه، فهذا مما أمر به الإسلام أن تعرف حق الكبير. وكلما كان الكبير له منزلة وله كذلك شأن، كان احترامه أعظم. فاحترام الأب والأم أعظم من احترام غيرهما، أعظم من احترام غيرهما، وذلك بأن تطيعهم، وكذلك لا تشق عليهم، وتحترمهم وتوقرهم، ولا تقول لهما أف، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تقول لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾. فتكون معاملتك معهم في أحسن معاملة، من التواضع لهم وخفض الجناح لهم والتأدب في مخاطبتهم، وهكذا مما هو من بر الوالدين. وهكذا أيضا كذلك ممن له حق في الكبر العلماء، العلماء لهم احترام ولهم تقدير لكبر سنهم وعلمهم، فهم كذلك داخلون في هذا الحديث. ولهذا ذكر الإمام المنذري رحمه الله هذا الحديث في باب احترام العلماء وإجلالهم، ذكر هذا الحديث في هذا الباب. «ويعرف حق كبيرنا»، وجاء في رواية: «ويعرف لعالمنا حقه». «ويعرف لعالمنا حقه»، فالعلماء كذلك لهم تقدير واحترام، فهم حملة هذا الدين، وكذلك هم ورثة الأنبياء، وكذلك أيضا هم حفظة هذا الدين، يعلمون الناس ويرشدونهم ويبينون لهم طرق الخير والهداية، ويحذرونهم من طرق الشر وسبل الغواية، فلا بد من احترامهم وتقديرهم وإجلالهم ومعرفة منزلتهم، وأن لا يتنقصهم المسلم أو يحتقرهم أو يزدريهم، فليس هذا من خلق أهل الإسلام. «ويعرف حق كبيرنا»، لا بد أن تعرف حق الكبار، كلما كبر الإنسان في باب العلم، كلما عظمت منزلته، وكان له الاحترام الأعظم، وتحترم أقوالهم، وهكذا أيضا ترجع إليهم عند حدوث الفتن والمصائب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن البركة مع كبار أهل العلم، كما روى الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابركم». البركة، أي حصول الخير وثبوت الخير مع الأكابر، مع أكابر العلماء، لأن كبير العلم عنده خبرة ومعرفة ورسوخ، وقد ذهب عنه زمن الطيش والتسرع، فالبركة معه. إذا أردت البركة فكن مع أكابر العلماء. وللأسف أن يوجد من بعض أهل الإسلام أو ربما من ينتسب إلى السنة أن يستحقر كبار العلماء وأن يستهزئ بهم، ولا يجعل لهم احتراما ولا تقديرا ولا كذلك أيضا يجعل لهم منزلة، بل ربما يسقط منزلتهم عند الناس ويحاول أن يزعزع مكانتهم في قلوبهم، هذا أمر خطير، أمر خطير جدا. ولهذا تجد أن من طرق أهل البدع والأهواء التي يستخدمونها ومن أساليبهم الماكرة إذا أرادوا نشر بدعهم، الطعن في أكابر علماء، أول ما يبدأ يطعن في كبار أهل العلم، هذا عميل، وهذا عالم حيض ونفاس، وهذا مرجع، وهذا متقوقع في المساجد، وهذا ماذا؟ عالم دولة، وهذا متهور، إلى آخر ذلك من الطعون، حتى إذا سقطت هيبتهم تسنى له أن يبث ما معهم من الأهواء، هذا سبيل هؤلاء الظلال، لأن إذا ذهبت منزلة أهل العلم من قلوب الناس، بعد ذلك إلى من يرجعون؟ إلى من يرجعون ويأخذون قول من؟ إذا تكلم هؤلاء العلماء قالوا: هؤلاء مطعون فيهم، هؤلاء مطعون فيهم، هذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا. إذن يأخذون قول هذا الضال الذي أراد أن ينشر ضلاله وباطله. فينبغي المسلم أن يحذر من ذلك، وأن يكون مع أهل العلم، فالبركة معهم كما قال عليه الصلاة والسلام.