التعليقات على كتاب الأدب المفرد 118

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 118، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استحباب ذكر الله بعد الصلاة وتحذير النبي من الكلام الزائد

يستحب ذكر الله بعد كل صلاة كما ورد عن النبي، ويجب تجنب الكلام الزائد الذي لا فائدة منه ونقل الأقاويل غير الثابتة. هذا يشمل تحذير النبي من الوقوع في الكلام غير المفيد.

أهمية تحري الدقة في الأقوال والأفعال المالية

ينبغي تحري الدقة في نقل الأقوال وتجنب كثرة السؤال وإضاعة المال، مع وضع المال في مواضعه الصحيحة سواء في أمور الدنيا أو الدين. هذا يجنب الوقوع في الكذب والغيبة والنميمة ونيل غضب الله.

تحريم عقوق الوالدين والإحسان إليهما وإعطاء الحقوق

نهى النبي عن عقوق الأمهات وواد البنات ومنع الحقوق، مؤكداً على أهمية احترام الوالدين والإحسان إليهما. كما حذر من ممارسات الجاهلية مثل واد البنات وأمر بإعطاء الحقوق الواجبة.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن وراد كاتب المغيرة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». وكتب إليه: إنه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرت السؤال، وإضاعة المال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات. هذا الحديث الصحيح وهو في الصحيحين، وفيه استحباب الاتيان بهذا الذكر والدعاء بعد الصلاة. فالمغيرة أو معاوية كتب إلى المغيرة أن يكتب له ما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام، فكتب إليه المغيرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». فيستحب الاتيان بهذا الذكر بعد الفراغ من الصلاة، وهو من أذكار الصلوات المستحبة التي كان يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام بعد فراغه من صلاته. وقوله: «لا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي لا ينفع صاحب السلطان والغنى والعظمة سلطانه منك. ومعنى هذا الحديث ظاهر. وقوله: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، أي أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد منع شيء فلا يستطيع أحد من الخلق إعطائه، إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يمنع على العبد مثلا مالا أو ولدا أو غير ذلك فلا يستطيع أحد من الخلق أن يعطيه إياه. وهكذا إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي أحد العباد شيئا فلا يستطيع أحد أن يمنعه. وفيه كذلك أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن قيل وقال، قيل وقال يعني عن كثرة الكلام الذي لا فائد فيه، قيل كذا وقال فلان كذا إلى آخر ذلك من نقل أقوال الناس التي لا حاجة لها. وذلك لأن كثرة الكلام توقع العبد في الخطأ وتوقعه في الزلل كما قال أهل العلم، فلهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. ومن ذلك نقل الأقاويل التي لا يعلم صحتها، لا يعلم ثبوتها، فيقال: قال فلان كذا، وقيل كذا، ويقال أنه قال كذا إلى آخر ذلك من نقل الكلام. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع». وفي رواية: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». فالذي يحدث وينقل كل ما يسمعه فإنه يقع في الكذب. وكما قيل: من كثر كلامه كثر خطأه. فلهذا ينبغي على المسلم أن يحرص ألا يكثر من نقل الأقوال ونقل ما يدعى ويقال، خاصة في أوقات الفتن، وفي حصول النوازل، فإنه يكثر نقل الأقاويل الكاذبة والإشاعات الباطلة. فالذي يقوض في مثل ذلك لا يسلم من الكذب. وكذلك أيضا ما في ذلك من إشاعة الفحشاء وإشاعة الباطل، وربما قال في أخيه ما ليس فيه، فيقع في الغيبة والنميمة. وهكذا أيضا يكون ذلك سببا في أن ينال غضب الله سبحانه وتعالى. وهكذا كثرة السؤال، ومر الكلام على هذا الحديث في الدروس السابقة. وقيل: المراد بكثرة السؤال أي سؤال عن الأشياء التي لا فائدة منها، أو سؤال عن الأشياء التي لم تقع. وهكذا كثرة السؤال كذلك يدخل فيه سؤال الناس أموالهم بغير حاجة ولا ضرورة، فإن ذلك مما ينهى عنه. وهكذا إضاعة المال، وإضاعته في وضعه بما لا حاجة فيه، مما لا حاجة فيه. فإذا وضعه في الأمور المحرمة فيكون وضع المال فيه حرام، يكون وضع المال فيه حرام، من شراء مثلا الأشياء المحرمة كأجهزة التلفاز أو الدشوش أو غير ذلك من مثل هذه الأجهزة، أو شراء آلات الغناء أو أشطة الموسيقى والغناء، أو هكذا أيضا شراء الأفلام، وكذلك أيضا غير ذلك من الأمور المحرمة. أو وضع كذلك المال والإسراف والتبذير فيه، فإن هذا كذلك من إضاعة المال المحرم. ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. أو كذلك أيضا إضاعة المال بوضعه في الأمور التي لا يحتاج إليها من أمور الكمالية، كمثلا التوسعة في البناء الذي لا حاجة فيه، ومن ذلك نقش البيوت وتزينها وزخرفتها، فإن ذلك مما يكره، لأنه يعتبر من إضاعة المال. وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهو باب نقش البنيان، فأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على كراهة نقش البنيان، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال، وهذا من إضاعة المال وضعه في شيء لا حاجة له. والمسلم ينبغي أن يضع المال في المواضع التي ينتفع بها، سواء كان في أمور الدنيا من الأمور التي لا بد منها من نفقة من طعام وكسوة ومسكن لا بد منه ونحو ذلك، أو كذلك أيضا في الأمور الدينية التي ينتفع بها في الآخرة من صدقة، وكذلك إنفاقه في باب العلم، وكذلك إطعام الفقراء والمساكين، أو كذلك في وقفه إلى آخر ذلك مما ينتفع به في الآخرة. قال: وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات. كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن عقوق الأمهات، وقص النبي عليه الصلاة والسلام عقوق الأمهات مع أنه كذلك يحرم عقوق الآباء، لأن حق الأم أعظم، حق الأم أعظم من حق الأب. وكما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، ثم من؟ قال: «أمك»، ثم من؟ قال: «أمك»، ثم من؟ قال: «أباك». فالأم حقها أعظم، فإنها تتعب في هذا المولود في حمله وولادته ورضاعه وتربيته، فكان حقها أعظم من حق الأب. وعقوقها أعظم من عقوق الأب، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن عقوق الأمهات، أن تعق أي عقوق الولد أمه، فلا يسمع كلامها، ولا يطيعها، ولا يحترمها، ولا كذلك أيضا يقدرها. وهكذا أيضا ربما كان ما هو أعظم، ربما سبها أو شتمها أو ضربها أو اعتدى عليها، فكل ذلك من العقوق. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا تقول لهما أف﴾، نهى الله سبحانه وتعالى أن يقول الولد لوالديه أف، هذه الكلمة نهى الله سبحانه وتعالى أن تقال للوالدين، لأن ذلك يعتبر من العقوق، وليس هذا كذلك من احترام الوالدين، وكذلك أيضا من الإحسان إليهما. فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ كيف بما هو أعظم من قول الأف، من سبهما أو شتمهما أو الاعتداء عليهما؟ فإن ذلك أعظم وأعظم. وهكذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن واد البنات، وواد البنات أي قتلهن وهن أحياء، كما كان يفعل أهل الجاهلية، كان أهل الجاهلية يؤدون البنت إذا ولد لأحدهم بنت، أخذها وحفر لها حفرة ثم دفنها فيها وهي حية، أو ربما يأتي بها إلى بئر بعد أن يأمر أمها أن تسينها ويزعم أنه يذهب بها إلى بعض أقاربها، ثم يأتي بها إلى البئر فيقول لها: انظري، فإذا نظرت ألقاها في البئر. فهذا كان مما يفعله أهل الجاهلية، وهو من القتل بغير حق. وواد البنات ذكر أن أول من فعل ذلك هو قيس بن عاصم التميمي، وكان أول من فدى الموؤودة يعني من الواد هو صعصعة بن ناجية التميمي، خال أو جد الفرزدق، جد الفرزدق، هو أول من فدى الموؤودة. وكان الفرزدق يفتخر بذلك بقوله: وجد الذي منع الوائدات وأحيا الوائد فلم يؤدي، يفتخر بأنه هو أول من فدى الموؤودة من الواد. ومنع وهاد، أي منع ما يجب إعطاؤه مما أمر الله سبحانه وتعالى به. وهاد، أي طلب ما لا يجوز وما لا يستحق، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. ومنع وهاد، وأشهد من الحديث ما قلناه، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإضاعة المال»، ففيه بهذا والله تعالى أعلم.