التعليقات على كتاب الأدب المفرد 109

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

علاج الغضب بالاستعاذة

يشرح الحديث أهمية التعوذ بالله من الشيطان عند الغضب لتهدئة النفس وتجنب التصرفات غير اللائقة. يُظهر رفض الرجل لنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم خطورة الغضب وآثاره.

ضبط النفس وتغيير الحالة الجسدية عند الغضب

ينصح النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بالله وتغيير الوضع الجسدي لتهدئة الغضب وتجنب آثاره السلبية. الغضب قد يؤدي إلى الكفر إذا صاحبه ألفاظ كفرية.

التوسط في الأمور المباحة وتجنب الإفراط

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية التوسط في الأمور المباحة وتجنب الإفراط في تركها أو فعلها. يُظهر إنكار النبي على من رغبوا عن سنته وأمر بالاعتدال.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

يختتم الدرس بشرح الحديث وبقيت مسائل متعلقة سيتم تناولها في درس لاحق. يُظهر أهمية الاستمرار في التعلم والبحث.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا عمر، وهو ابن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش، هو سليمان بن مهران، قال: حدثنا عدي بن ثابت، قال: سمعت سليمان بن صرد، ومن الجون رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد»، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: أترى بي بأسا؟ أمجنون أنا؟ اذهب، اذهب. هذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. هذا الحديث فيه أن رجلين استب عند النبي عليه الصلاة والسلام، كل واحد منهما سب الآخر. قال: فغضب أحدهما، يعني اشتد غضبه. قال: فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير. قال: حتى انتفخ وجهه وتغير، يعني من شدة الغضب انتفخ وجهه وتغير. وإذا يحصل للذي يغضب غضبا شديدا ترد وجهه، ينتفخ ويحمر ويصبح في حالة من الانفعال. جاء في رواية في السنن: قال: حتى إنه لا يخيل، أو يعني ينظر إلى أنفه، يكاد تمزق من الغضب من شدة غضبه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد»، لو قال هذه الكلمة ذهب عنه هذا الغضب. فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي عليه الصلاة والسلام: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فالكلمة هي الاستعاذة، الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا الغضب من الشيطان. فإذا غضب الإنسان فإنه يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا تعوذ ذهب عنه الغضب. فجاء الرجل فأخبره بقول النبي عليه الصلاة والسلام، قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال هذا المغضب: أترى بي بأسا؟ أمجنون أنا؟ اذهب. قال هذا الذي نصحه وأخبره بقول النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب. ليست مجنون حتى تأتي بهذا الكلام وتأمرني بالاستعاذة من الشيطان الرجيم. قال بعض أهل العلم: هذا الذي قال هذا الكلام إما أنه كافر، أو أنه منافق، أو أنه غلب عليه الغضب حتى أخرجه من الاعتدال. فالإنسان أحيانا إذا غضب يصبح كالمجنون، ويخرج عن الاعتدال. فتجده ربما يسخر من نصحه إذا نصحه إنسان، ما يقبل منه، وربما يستحقر هذا الذي ينصحه: من أنت تتنصحني؟ أنا أنصحك، أنت تنصحني؟ أنا الذي أنصحك. وربما رد عليه بالسب والشتم بسبب الغضب. وهكذا ربما يغضب فيخرج الكلمات العظيمة، يخرج الكلمات العظيمة في سب إخوانه وفي الطعن فيهم، إلى آخر ذلك من التهور الذي يقع فيه بسبب الغضب. فالذي ينبغي للمسلم إذا غضب أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن لا يسترسل مع الغضب. لا يسترسل مع الغضب، بل يحاول أن يوقفه، إما باستعاذة كما في هذا الحديث، أو بتغيير حالته التي هو عليها، إذا كان قائما فيجلس، وإذا كان جالسا فيضطجع، أو هكذا أيضا يتوضأ حتى يذهب منه الغضب. المؤمن يحاول بقدر استطاعته أن يزيل هذا الغضب، وأن لا يسترسل معه. والإنسان معرض لذلك، هو بشر. الإنسان بشر، قد يحصل له الغضب إذا حصل له شيء أو موقف استفزه، فقد يغضب. لكن ينبغي أن يمسك نفسه، ينبغي ماذا؟ أن يمسك نفسه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». ليس الشديد الذي يصارع الناس ويظهر أنه بطل صاحب عضلات من يريد المصارعة، فهذه الحلبة لا. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، إذا غضب أمسكه وملك نفسه، هذا هو الشديد. والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى ذاك الرجل لما قال: أوصني يا رسول الله، قال: «لا تغضب». فردد مرارا، قال: «لا تغضب». أوصاه عليه الصلاة والسلام بعدم الغضب؛ لأن الغضب سبب ليقوع الإنسان في الشر. قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عمر بن سلمة، عن عبد الله، قال: ما من مسلمين إلا بينهما من الله عز وجل ستر، فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر فقد خرق ستر الله. وإذا قال أحدهما للآخر: أنت كافر، فقد كفر أحدهما. هذا الحديث بهذا السند الضعيف، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله. ويزيد بن أبي زياد فيه ضعف. وآخر الحديث صحيح، قد مر معنا، وسيأتي أيضا في أبواب متفرقة السابقة أو أبواب لاحقة: «إذا قال أحدهما للآخر: أنت كافر، فقد كفر أحدهما». هذه اللفظة منه صحيحة. قال: باب من لم يواجه الناس بكلامه. قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مسلم، عن مسروق، ومن الأجدع، قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وجاء أيضا من حديث أنس في قصة أولئك ثلاثة نفر الذين سألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فكأنهم تقالوها، أي رأوها قليلة. فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ثم قالوا تلك المقولة: أحدهم قال: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الثاني: أما أنا فلا أتزوج النساء. وقال الثالث: أما أنا فلا أنام على فراش، يعني يقوم الليل. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قام فخطب الناس، قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». وهو معنى هذا الحديث. صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، يعني رخص في فعل هذا الشيء، وهو مباح، أنه شيء مباح. قال: فتنزه عنه قوم، يعني تنزه أن يفعل هذا الشيء الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قام وخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟» يعني يترفعون ويتنزهون ويتركون الشيء الذي أفعله أنا وأصنعه، وأنا رسول الله. قال: «فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية»، أي نبي عليه الصلاة والسلام أشد الناس خشية لله سبحانه وتعالى، وهو أعلمهم بالله سبحانه وتعالى. فكيف يفعل الشيء ثم يأتي من يتنزه أن يفعله؟ هل هو أخشى لله من رسول الله؟ هل هو أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتنزه عنه؟ فهذا التنزه ليس بصحيح. لا ينبغي للمسلم أن يترك الشيء المباح مما أباحه الله وأباحه رسوله صلى الله عليه وسلم تنزها أو عبادة يتعبده الله بترك هذا المباح، فهذا ليس من السنة، بل خلاف السنة. ولهذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟» لماذا يتركون الشيء الذي أصنعه وهو مباح؟ فلا ينبغي للمسلم أن يترك الشيء المباح تنزها عنه أو عبادة، فذلك خلاف السنة. بل الذي ينبغي أن تأتي المباح، تأتي وتفعل المباح كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون مع المباح وسط، لا إفراط ولا تفريط. لا تكون ممن يكثر من المباح حتى يقع في الإسراف والتبذير، فهذا مذموم. الإكثار من المباحات والتوسع فيها حتى يقع في الحرام أو يقع في المكروه أو يقع كذلك في التبذير والإسراف، هذا لا يجوز. «ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين». «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين». كل واشرب وتمتع بما أحل الله سبحانه وتعالى لك من غير إسراف ولا تبذير. وهكذا أيضا في الجانب الآخر لا تتنطع فتترك المباح، فتكون من المتنطعين الذين قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الدين يسر، وليشاد الدين أحد إلا غلبه». فقربوا وسددوا. فينبغي هكذا أن يكون المسلم وسط، لا إفراط ولا تفريط. وبقيت مسائل تتعلق بهذا الحديث، نتركها إن شاء الله في درس آخر. والله تعالى أعلم.