الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة

الدرس في الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة، 20 جمادى الأولى 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأخوة الإيمانية والموالاة في الله

يتناول المحور نعمة الأخوة التي أرسى دعائمها الإسلام بين المهاجرين والأنصار، مبيناً أن الموالاة في الله والمعادات فيه من أوثق عرى الإيمان. يستدل المتحدث بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز مظاهر النصرة والتعاون بين المؤمنين.

الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى

يؤكد المحور أن الأخوة الحقيقية تقوم على النصرة المتبادلة والتعاون على البر والتقوى والتآزر كجسد واحد. يبين أن هذه الوحدة لا تتحقق إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، وأن النصح الصادق وإرادة الخير من أعظم مظاهرها.

مظاهر الأخوة الصادقة والنصيحة وضوابط الهجر

يستعرض المحور النصيحة كأعظم مظاهر الأخوة الصادقة، محذراً من مفسدات القلوب كالميسر والنجش والتحاسد. يوضح أحكام الهجر المشروع وضوابطه مؤكداً عدم جوازه فوق ثلاث إلا لمصلحة، ويختم بأهمية الدعاء للإخوان.

دعاء المغفرة للمؤمنين وصفاء القلوب من الغل

يختم الدرس باستعراض آية قرآنية تدعو بالمغفرة للسابقين واللاحقين من المؤمنين، وتطهير القلوب من الغل تجاه الإخوة. يختتم بدعاء التوفيق لاتباع أحسن القول والعمل وسؤال الله الرحمة والقبول.

  • 26 جمادى الأولى 1430هـ - 20/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المؤمنون، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. امتَن الله سبحانه وتعالى وذكر المؤمنين بهذه الآية العظيمة، كان الناس قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم متعادين متناحرين متنافرين متفرقين، يأكل القوي منهم الضعيف، بينهم الشر والحروب، فبعث الله سبحانه وتعالى نبيه بالإسلام والإيمان، فجمعهم بعد فرقة، وألف بين قلوبهم بعد عداوة، فصاروا إخوةً متحابين متآلفين متآخين مجتمعين، ضربوا لنا أروع الأمثلة في المحبة الصادقة فيما بينهم، وفي موالات بعضهم بعضًا. بَوَّب الإمام البخاري في صحيحه باب: كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ثم ذكر بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما قدمنا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد رضي الله تعالى عنه: إني أكثر الأنصار مالًا، وإني لأقسم مالي بنصفين، نصف لك ونصف لي، ثم قال له: وانظر أي الزوجتين هويت فنزلت عنها، فإذا أحلت لك تزوجتها، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: لا حاجة لي بذلك، هل من سوق فيها تجارة؟ فقالوا: نعم، سوق قينقاع، قال: فذهب عبد الرحمن فابتجر، فأتى بأقط وسمن. انظروا عباد الله إلى هذا الأمر العظيم، إلى أخوتهم، وإلى تآلفهم، وإلى محبتهم، أين بلغت؟ بلغت هذا المبلغ العظيم، بلغت إن أحدهم يريد أن يقاسم أخاه في أهله وماله. وإن الوضع في هذه الأزمان قد تغير واختلف، فصار غالب موالات الناس ومعاداتهم من أجل دنيا زائلة، أو شهوة عارمة، أو حزبية مقيتة، أو عصبية جاهلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها الناس، إن موالات المؤمنين من علامات الإيمان، بل من دلائل كماله، عند من حقق هذا الأصل العظيم، أصل الموالاة لإخوانه المؤمنين. أخرج الإمام أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وجاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». فَعلامة الإيمان ودليل قوته وكماله بتحقيق هذا الأصل العظيم، أصل المواخاة في الله، أصل الحب في الله والبغض فيه، أصل المعادات في الله والموالاة فيه. عباد الله، إن من أقوى وأوثق عرى الإيمان ذلكم الأصل العظيم: الموالاة في الله والمعادات في الله. أخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس، وجاء من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعادات في الله». أوثق عرى الإيمان، أقوى عرى الإيمان، أمر عظيم. عباد الله، قد غفل عنه المسلمون، انظر إلى حال المسلمين وما في مجتمعهم من الأحساد والأحقاد، ومن التفرق والتمزق، ومن الشحناء والبغض، ومن غير تلكم الأمور التي تنافي الحب في الله والبغض في الله. إن مظاهر الموالاة الصادقة والمحبة الخالصة قد بيَّنها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. فمن مظاهر الموالاة الصادقة بين المؤمنين والمحبة الخالصة بينهم: مناصرتهم ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في أمر دينهم ودنياهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. وجاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إن كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تمنعه أو تحجزه عن الظلم، فذلك نصره، فذلك نصره». انظروا عباد الله إلى هذا الدين العظيم، انظروا يا عباد الله كيف أن هذا الدين لا بد فيه من المناصرة، ولا بد فيه من المعاونة، ولا بد فيه كذلك من التعاون على البر والتقوى، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، كما قال عليه الصلاة والسلام في مسلم من حديث أبي هريرة: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». إن كان مظلومًا، إن كان مظلومًا، تقف معه، تقف معه وتؤازره وتواسيه وتقف معه كأن المصيبة نزلت بك، وإن كان ظالمًا تمنعه وتردعه وتزجره حتى يمتنع عن ظلمه، وحتى يرتدع عن ظلمه. هذه من الأمور العظيمة التي غفل عنها كثير من المسلمين، فصارت مناصرة المسلمين بعضهم لبعض من أجل هذه الدنيا وأطماعها، أو من أجل القبيلة والعشيرة، أو من أجل الحزب والجماعة، أو من أجل الولد والزوجة، دون نظر فيما يناصر، أهو حق أم باطل؟ عباد الله، ومن مظاهر الموالاة الصادقة والمحبة المخلصة: الألم لألم إخوانك المسلمين، والسرور بسرورهم. فقد جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». انظروا يا عباد الله كيف يشبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخوة المؤمنين وتراحم المؤمنين ومحبة المؤمنين بالجسد الواحد، بالجسد الواحد، فإن الجسد إذا تألم منه عضو فإن الأعضاء جميعًا تتألم لألمه وتئن لآنينه، فهكذا ينبغي أن يكون المؤمنون بينهم البين، هكذا ينبغي أن يكونوا كالجسد الواحد، فيتألم المؤمن لألم إخوانه المؤمنين، وكذلك يفرح، وكذلك يسر بسرور إخوانه المؤمنين، فيضره ما يضرهم، ويفرحه ما يفرحهم، ويحب ما يحبهم. وهكذا عباد الله، في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه، وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، فشبه النبي عليه الصلاة والسلام تماسك المؤمنين، شبه تماسك المؤمنين وترابطهم، وهكذا محبتهم وألفتهم، كالبنيان الواحد المتماسك الذي هو عبارة عن لبنة فوق لبنة حتى اشتد وقوي، فهكذا ينبغي أن تكون الأخوة، هكذا ينبغي أن تكون الأخوة بين المؤمنين كالبنيان الواحد المتماسك. نعم عباد الله، وينبغي عليك أخي المؤمن أن تقف مع إخوانك المؤمنين في حال عسرهم ويسرهم ورخائهم وشدتهم، بخلاف أهل النفاق فإنهم يقفون مع أهل الإيمان في حال اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة والعسر، كما أخبر الله عز وجل عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. هكذا عباد الله ينبغي أن يترابط المؤمنون، وينبغي أن يتآذر المسلمون، يكونون كالبنيان الواحد المتماسك، لا تزعزعه الشبه، ولا تزعزعه الشهوات، لأنهم تآخوا لله ومن أجل الله، فيحكمهم الكتاب والسنة، يحكمهم الحق، وهذا الذي يؤلف بين القلوب، الذي يؤلف بين القلوب، والذي كذلك يجمع بين القلوب، إنه الاجتماع على الحق، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فدل أن من أسباب التفرق عدم الاعتصام بالكتاب والسنة، فإن حبل الله عز وجل هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. إن الذي يؤلف بين القلوب عباد الله هو الاجتماع على الحق، الاجتماع على الكتاب والسنة، لا يؤلف بين القلوب الأموال، لا تؤلف بين القلوب الأموال، وكانت على غير هدى، وعلى غير اتباع لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. ولذلك عباد الله فإن أهل الحق أهل السنة والجماعة لا يرضون بالباطل بين صفوفهم، لأنهم يعلمون أن الذي يجمعهم وأن الذي يؤلف بين قلوبهم هو الحق، فإذا وجد بينهم الباطل فليؤذنوا بكل شر. نعم عباد الله، وإن كذلك من مظاهر الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة: النصح للمسلمين، وإرادة الخير لهم، وعدم غشهم، وكذلك خيانتهم، وعدم غشهم وخيانتهم. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح من حديث أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فاعلم يا عبد الله أن الذي ينصحك، والذي يتعاهدك بالنصيحة، هذا من أشد الناس لك حبًا، من أشد الناس لك حبًا، فينبغي أن يحيى هذا الأصل العظيم بين أهل الإسلام، أصل التناصح، أصل التناصح وإرادة الخير لكل مسلم، فيؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن أعظم المعروف: يؤمر بالتوحيد، ويؤمر كذلك بالسنة، ويؤمر بالطاعة، ومن أعظم المنكر: يحذر من الشرك، يحذر من الشرك، ثم بعد ذلك من البدع والمعاصي. فإن رأيت مسلمًا يوجه لك تلكم النصائح، فاعلم أنه يريد لك الخير، يريد لك الخير، وإن دينه هو الذي دفعه إلى هذا الأمر، هو الذي دفعه إلى هذا الأمر، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ما يحب لنفسه. فالنصيحة عزيزة في هذا الزمان، فمن نصحك فاحمد الله، وقل: الحمد لله أن وجد في هذا الزمن من ينصح، ومن يرشد، ومن يوجه إلى الخير، فإنها نعمة عظيمة. عباد الله، فلا يكون الصفاء ولا يكون النقاء إلا بالنصيحة، وتعاهد النصيحة بين المسلمين. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، وإن من مظاهر الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة والمحبة الخالصة: عدم الإتيان، إتيان المسلم إلى ما فيه الشحناء والبغضاء بينه وبين إخوانه. وأنت إذا نظرت في كثير من النواهي التي جاء النهي عنها في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لرأيت أن الحكمة من النهي عنها حتى لا تقع الشحناء والبغضاء بين المسلمين. فنهى ربنا سبحانه وتعالى عن الميسر لأن فيه إيقاع الشحناء والبغضاء: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فالواجب على المؤمن أن يبتعد عن كل ما فيه شحناء وبغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين. فنهى الشرع عن النجش لأن فيه من الشحناء والبغضاء، ونهى عن بيع الغرر لأن فيه جهالة، ونهى كذلك عن التحاسد، وعن التدابر، ونهى كذلك عن أن يبيع المسلم على بيع أخيه، ونهى كذلك على أن يسوم المسلم على سوم أخيه، ونهى كذلك أن يخطب المسلم على خطبة أخيه، ونهى كذلك أن يتعرض المسلم لأمر سبقه إليه أخوه من أمور المباحث. وهكذا إذا نظرت في كثير من النواهي، لرأيت أن الحكمة منها حتى لا تورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين، فينبغي للمسلم أن يراعي هذا الأصل، وأن يبتعد عن كل ما فيه شحناء وبغضاء بينه وبين إخوانه المسلمين. كذلك من مظاهر الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة: أنه لا يجوز لك أخي المسلم أن تهجر أخاك فوق ثلاث ليال، كما في حديث أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فالهجر الأصل فيه المنع، عباد الله، لا يجوز أن يكون التهاجر بين المسلمين على أتفه الأسباب، وعلى أمور الدنيا، وعلى كذلك الشهوات والملذات، وعلى كذلك الأمور التافهة، لا يجوز ذلك في دين الله سبحانه وتعالى، وإنما يجوز الهجر في حالات قليلة ضيقة، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، هجرهم خمسين ليلة، وأمر المسلمين أن يهجروهم لتلكم المعصية، وهكذا هجر أزواجه شهرًا، وهكذا الصحابة من بعده هجروا من يستحق الهجر، كما فعل عمر مع صبيغ لما كان يضرب القرآن بعضه ببعض، فنفاه وأمر بهجره، وهكذا جرى عمل السلف في هجران من يستحق الهجر من أهل المعاصي الذين في هجرهم مصلحة، أو من أهل البدع والأهواء الذين يتلاعبون بدين الله ويذهبون به ذات اليمين وذات الشمال، ويعملون لأنفسهم السبل والطرق. فقد يتعين في مثل بعض الأحيان أن يهجر هؤلاء، ويكون ذلك بمشاورة أهل العلم وبالرجوع إليهم، فإنهم هم الذين يقدرون المصالح والمفاسد، وهم الذين ينظرون إلى عواقب الأمور، فلا تجتهد من تلقاء نفسك يا عبد الله، ولا يضحك عليك الشيطان، فتهجر وتظن أن هجرك لمصلحة، وأن هجرك من أجل حماية الدين، فإذا به أغراض شخصية، أو أمور نفسية، أو عداوات دنيوية، فاحذر يا عبد الله من تلاعب الشيطان، فإن الأمر خطير، خطير. ورد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تفتح أبواب الجنة، تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، ثم يقال: انظروا إلى فلان، انظروا إلى فلان، فإنه بينه وبين أخيه المسلم شحناء، حتى يصطلحا، أي أخّروا مغفرتهما حتى يصطلحا». فالأمر عظيم عباد الله، فينبغي أن نقيس هذا الأمر العظيم بالمقياس الشرعي، فمن أمر العلماء بهجرهم، وراء المصلحة في ذلك، إما الهجر الوقائي، وإما كذلك الهجر التأديبي، فلا بأس بذلك، فإن لذلك أصلًا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمظاهر كثيرة، وأخيرًا: من مظاهر الأخوة الصادقة والمحبة الخالصة أن تدعو لإخوانك المسلمين، أن تدعو لهم، فهذا دليل على سلامة صدرك، ودليل على محبتك إياهم. وقد أمر ربنا سبحانه وتعالى بذلك، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، ونسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.