التذكرة بفضل وأحكام الأضحية

الخطبة بعنوان التذكرة بفضل وأحكام الأضحية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 ذي الحجة 1441هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الاستفتاح والدعاء الافتتاحي

افتتح الخطيب بالدعاء مستعيناً بالله طالباً الهدى والتقى والعفاف والغنى، وصلى على النبي وآله وصحبه. ثم ختم الاستفتاح بالتكبير وشهادة التوحيد تمهيداً للحديث عن أحكام الأضحية.

فضل الأضحية ومشروعيتها وربطها بسنة إبراهيم

بين الخطيب أن الأضحية عبادة جامعة للأقوال والأعمال والأموال، وهي سنة إبراهيم عليه السلام واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وأشار إلى أنها تتيح لغير الحجاج مشاركة الحجاج في الشعائر، وقد قرنها الله بالصلاة في القرآن دلالة على عظيم فضلها.

أحكام الأضحية: شروط الصحة ووقت الذبح وقسمة اللحم

فصل الخطيب في شروط الأضحية من بلوغ السن المعتبر وسلامة من العيوب المانعة كالمريضة والعوراء، مع استحباب اختيار الأكمل والأثمن. ثم بين وجوب الذبح بعد صلاة العيد، ومشروعية التوزيع مواساة للفقراء، والنهي عن البيع أو إعطاء الجزار أجراً منه، مؤكداً فضل الذبح في هذه الأيام على التصدق بالثمن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد شرع لنا ربنا سبحانه وتعالى في ختام هذه الأيام الفاضلة عبادةً جليلة وشعيرةً عظيمة، ألا وهي ذبح الأضاحي. هذه العبادة التي فيها من أنواع العبادات القولية والقلبية والعملية والمالية. ففي هذه العبادة ومن حكمها أن يذكر المسلم ربه بالتكبير وغيره، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 36]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 37]. وجاء في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، سَمَّى وَكَبَّرَ، سَمَّى وَكَبَّرَ، سَمَّى وَكَبَّرَ. وهكذا فيها من العبادات القلبية من تعظيم الله ومن الإخلاص له، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ [الحج: 37]. قال المفسر ابن سعدي رحمه الله تعالى: أي ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ مِن لُّحُومِهَا ﴾ أو ﴿ لَا يَنَالُ اللَّهَ مِن لُّحُومِهَا وَدِمَائِهَا شَيْئًا ﴾ لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص منكم، فلا رياء ولا سمعة ولا عادة، وإنما تُذبح إخلاصًا لله سبحانه وتعالى وإرادةً لوجهه عز وجل. وهكذا فهي تجمع أيضًا العبادات الفعلية العملية، فيشتري المسلم هذه الأضحية، والأفضل له أن يذبحها بيده لعمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويوزعها، فهو يعبد الله عز وجل بهذه الأعمال في هذه العبادة. وهكذا عباد الله، فقد اجتمعت هذه العبادة على العبادة المالية، فينفق المسلم في شرائها وهو فرحٌ مسرور لأنه يتقرب إلى الله عز وجل بهذه الشعيرة. الأضاحِ عباد الله، سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي أُمرتم بالاقتداء به واتباع ملته، قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [آل عمران: 95]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]. فإبراهيم قد فُدي بهذه الشعيرة العظيمة، لما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، فلما بلغ معه السعي قال: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ [الصافات: 102]، قال: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]، ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 103-107]. وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ضحَّى منذ هجرته إلى المدينة، كان يضحِّي عن نفسه وعن أهله وعن أمته عليه الصلاة والسلام حتى توفَّاه الله. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. الأضاحي عباد الله، بها يشارك أهلُ البلدان حجاجَ بيت الله الحرام في هذه الشعيرة، فالحجاج يتقربون إلى الله عز وجل بذبح الهدايا، وأهل البلدان يتقربون إلى الله عز وجل بذبح الضحايا، وهذا من رحمة الله عز وجل أن العاجز عن الحج الذي لا يستطيع الذهاب فإنه يشارك الحاج في بعض شعائر الحج. عباد الله، هذه الشعيرة والذبح لله عز وجل قُرِنَتْ في موضعين من القرآن الكريم بالصلاة، ليدل ذلك على عظيم فضلها وعلى مزيد أجرها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، أي انحر لله عز وجل نحرَ تقرُّبٍ إلى الله، ومن ذلك الأضاحي. وقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163]. والنُّسُكُ هو الذبحُ لله عز وجل، ذبحَ قرْبانٍ وذبحَ تقرُّبٍ إلى الله عز وجل، ومن ذلك الأضاحي. أيها المسلمون، عباد الله، إن على كل أهل بيتٍ أضحية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عند أهل السنن من حديث مخنف بن سليم رضي الله تعالى عنه، فتجزئ الشاةُ الواحدة أو الضأنُ الواحدة عن الرجل وأهل بيته، ولا يصحُّ فيها التشريك أن يشترك فيها أكثر من أهل بيت، وإنما يصحُّ التشريك في البقر والإبل، فيجزئ عن سبعة أبيات. وهكذا عباد الله، لنتجهز من هذه الأيام في تعيين أضحيتنا وفي اختيار الأضحية المجزية، فإن الأضحية لها شروطٌ لا تصحُّ إلا بها. ومن هذه الشروط عباد الله أن تكون في السن المعتبر شرعًا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث جابر: «لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». والمسنة هي الثني، فمن الغنم ما بلغ سنةً وطعن في الثانية، يعني من المعز ما بلغ سنةً وطعن في الثانية، ومن الضأن ما بلغ ستة أشهر وطعن في الشهر السابع، ومن البقر ما بلغ سنتين وطعن في الثالثة، ومن الإبل ما بلغ سبع سنين وطعن في الثامنة. هكذا حدَّد العلماء سن الأضحية، فحرِّ يا عبد الله في اختيار هذا السن المعتبر شرعًا. وهكذا من الشروط التي لا تجزي الأضحية إلا بها أن تكون خالية من العيوب المانعة من الأضحية. ولله الحمد والمنة، جُمِعَتْ هذه العيوب في حديث البراء بن عازب عند أهل السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في الضحايا لا تجوز: المريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي» أي التي لا مخَّ فيها. فالمريضة البين مرضها والتي لا تلحق بصاحباتها فإنها لا تجزي بأي مرض كان، لأن مرضها بين أي واضح. وهكذا العوراء التي قد بدت أو إن خسفت عينها فصار هذا العور بينًا فإنها لا تجزي، وكذلك ما كان أكثر من هذا العيب فهو أولى بالمنع كالمعماة أو نحو ذلك. وهكذا العرجاء البين ظلعها التي تكشح ولا تلحق بصاحباتها، فهذا ضلعها بين، ومن باب أولى في عدم الإجزاء التي قد كُسرت إحدى قوائمها. وهكذا الهزيلة الضعيفة التي لا لحم فيها. فتحرَّوا يا عباد الله في أضحيتكم، فإن العلماء قد ذكروا قاعدةً عظيمةً جليلة في أفضلية الأضحية، فقال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: كلما كانت الأضحية أكمل في خلقتها وفي صفاتها وأحسن في منظرها فهي أفضل، فهي أفضل. وقال في موضع آخر: أثمنها أفضلها. فلا تبخل يا عبد الله في شراء هذه الأضحية، لا سيما إذا منَّ الله عليك وكنت من أهل الاستطاعة، فإن هذه الأضحية إنما تُشرع لمن يستطيع شراءها وذبحها. وهكذا العيوب الأخرى التي هي دون ما ذُكرت في حديث البراء فإنها لا تمنع من الأضحية، كالمكسورة القرن أو كذلك المقطوعة الظفر أو نحو ذلك، فإنه يجوز الأضحية بها، ولكن الأكمل أن تختار التي لا عيب فيها ولو كان دون العيوب المجزية. وكذلك إن أردت أن تختار الأملح والأحسن في منظرها فهذا من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، كما سمعت في حديث أنس: ضحَّى النبي عليه الصلاة والسلام بكبشين أملحين. ومعنى أملحين: قيل هو الذي فيه بياض ومشرب بشيء من السواد، وقيل هو الذي هو الأبيض الذي حوالي قدميه وعينيه شيء من السواد فيعطيه من الجمال. ولذلك جاء في حديث عائشة في الصحيح أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام ضحَّى بكبشٍ ينظر في سواد ويطأ في سواد ويبرك في سواد، قال العلماء: أي على حوالي عينيه سواد وفي قدميه سواد وفي بطنه سواد، وهذا فيه شيء من الحسن والجمال، فهذا هو الأكمل. فلا تستعظم أخي المسلم سعر هذه الأضحية، وإنما استعظم أجرها وثوابها عند الله سبحانه وتعالى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، وصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومن الشروط التي لا تجزي الأضحية إلا بها أن تذبح هذه الأضحية بعد صلاة العيد، بعد صلاة العيد، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من ذبح قبل الصلاة فليعد مكانها أخرى، فليعد مكانها أخرى»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين». فاحذر يا عبد الله أن تذبح قبل الصلاة، كأن تذبح من الليل إذا كنت مضحيًا وتوفرت بقية الشروط، أو أن تذبح بعد الفجر مباشرة وقبل الصلاة. وهكذا عباد الله، لنعلم أن من حكم هذه الأضحية مواساة الفقراء والمساكين، ولذلك حث الله عز وجل على التصدق منها كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ ﴾ [الحج: 36]، ﴿ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 37]. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام في عام من الأعوام كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع، أصاب الناس مجاعة وجهد شديد، فقال عليه الصلاة والسلام: «من ضحى منكم فليبقي فلا يترك منها بعد ثلاث في بيته شيئًا»، يعني منعهم عليه الصلاة والسلام من الإدخار بعد الثلاث، بعد الثلاث. فلما كان العام الثاني قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله، أنفعل في أضحيتنا مثل ما فعلنا في العام الماضي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «كلوا وادخروا وأطعموا»، وفي رواية: «وتصدقوا»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إنما نهيتكم عن الإدخار لما أصاب الناس من الجهد»، أي من الشدة، من الشدة. فإذاً يا عباد الله، حث نبينا عليه الصلاة والسلام على الإطعام من هذه الأضحية بالهدايا والتصدق، وكذلك الإدخار والأكل منها. ومن رحمة الله عز وجل أن جعل وقت ذبح الأضحية موسعًا: يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، حتى يتمكن المسلم من الذبح في أي هذه الأيام فهي أضحية مجزية. فتصدقوا عباد الله، وتفقدوا جيرانكم، وتفقدوا كذلك الضعفاء والمحتاجين، فلقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقسم الأضاحي بين أصحابه، كما في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأضاحي بين أصحابه، وفي رواية أنه هو الذي تولى قسمتها، فقال: يا رسول الله بقيت جذعة، فقال عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ضحِّ بها». بوَّب الإمام البخاري على هذا الحديث، والحديث في البخاري، قال: «باب قسمة ولي الأمر الأضاحي بين الناس، بين الناس». وللأسف أن أولياء الأمور في هذه الأزمان لا يعتنون بهذه السنة، فلا بأس لمن رزقه الله عز وجل سعة وقدرة على أن يذبح أكثر من أضحية وأن يرحم إخوانه المسلمين أن يقوم بهذا الواجب الذي فُقد في هذا الزمان، فهذه سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام. وهكذا فإن هذه الأضحية إنما تذبحها لله عز وجل، فلا يجوز أن تبيع منها شيئًا، ولا يجوز أن تعطي أجرة الذبح منها، وإنما إن أراد الذبح أجرة تعطيه مالًا أو شيئًا آخر من غير الذبيحة، وإن أعطيته منها لا كأجرة وإنما كهدية وعطاء وتصدق فلا بأس بذلك، لحديث علي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «ولا تعطِ جزارها شيئًا». وهكذا عباد الله، من أحكام هذه الأضحية أنه لم يرد في السنة توزيعها أثلاثًا، وإنما هو اجتهادات بعض العلماء ولا دليل على ذلك، فلك أن تتصدق منها بما شئت وما تجود به نفسك، ولو كان هذا الشيء غنمة كاملة أو أكثر من ذلك أو أقل، بما يسَّر الله لك، فالأمر في ذلك واسع. عباد الله، ألا فاستكملوا هذه الأضحية واستحسنوها وطيبوا بها نفسًا، فإن أجرها عظيم وفضلها كبير، كما سمعتم، فإنه لم يُتقرَّب إلى الله عز وجل في تلك الأيام بمثل ما يُتقرَّب إليه بذبح الأضحية، حتى أن العلماء ذكروا أن الذبح في تلك الأيام أفضل من التصدق بثمنها مالًا، أفضل من التصدق بثمنها مالًا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعت أصاب الناس مجاعة فلم يقل للمسلمين: أعطوهم مالًا، وإنما أمرهم بالأضحية وحثهم على ذلك، وحثهم على ذلك ليدل على أن ذبح هذه الأضحية أفضل من التصدق بثمنها، كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. ألا فعظموا شعائر الله عز وجل، فإنه ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.