الدرس في ستة مواضع من السيرة 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع كيف أن دعوة النبي ﷺ للتوحيد إجمالاً لقيت قبولاً ظاهرياً من المشركين، بينما أثار التفصيل في أنواع الشرك كالدعاء للأموات والذبح لغير الله عداوتهم. ويبين أن التفصيل يكشف حقيقة التوحيد بأنه إخلاص العبادة لله وحده.
يوضح المقطع أن النبي ﷺ بدأ دعوته بالعموم فلم يلقَ عداوة، لكن حين فصّل بذكر آلهتهم وسب دينهم ثارت ثائرتهم. ويستشهد الشارح بالواقع المعاصر حيث التحذير العام لا يستفز المبتدعين بينما ذكر أمثلة محددة يثير العداوة.
يبين المقطع أن النبي ﷺ لم يسب الصالحين بل حذر من عبادتهم من دون الله، وأن المشركين يعدون هذا التحذير سباً وتنقصاً لأوليائهم. ويشير إلى تشابه قلوبهم مع قلوب المشركين الأولين في بناء القبور وتعظيمها.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت واكتفى بما ذُكر، مختتماً الجلسة بالشكر للمشاهدين وقوله "والله تعالى أعلم".
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته "ستة مواضع من السيرة": قال: الموضع الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون، جعلوا ذلك شتماً. قال الشارح حفظه الله تعالى عند قوله: "أنه صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد": قال: لو كان يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك عموماً، ولم يتعرض لما هم عليه، وهم يقولون: الذي نحن عليه ليس بشرك، الذي نحن عليه تقرب إلى الله بالأولياء والصالحين، ونحن لا نشرك بالله، إنما هذا تقرب إلى الله وتوسل إليه. ولو أن الرسول اقتصر على النهي عن الشرك دون تفصيل وبيان، لم يعترضوا عليه؛ لأنهم يرون أنهم غير مشركين. ومعنى هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو دعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك على وجه العموم، على وجه العموم، لاستحسن بعض المشركين ذلك؛ لأنهم يظنون أنهم غير مشركين، وأنهم على توحيد، لأنهم يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فهم يعتقدون أنهم يعبدون الله، وأنهم موحدون، وأنهم غير مشركين. هم يعتقدون ذلك ويظنون ذلك. فلو قال النبي صلى الله عليه وسلم: وحدوا الله واتركوا الشرك، لربما استحسن بعضهم ذلك؛ لأن معنى التوحيد على ما فهموه، ومعنى الشرك على ما فهموه. فهذا كلام عام. ولذلك الآن لو مثلاً قام خطيب وتكلم عن فضل التوحيد: التوحيد، التوحيد، التوحيد، ولم يفصل، ولم يذكر بعض التفاصيل، ولم يذكر صور وأنواع الشرك وتفاصيل الشرك، لظن القوم أنهم على التوحيد الذي يفهمونه. هذا القوم فيقول: معنى التوحيد أنك لا تعبد صنماً، لا تسجد لصنم. هذا ربما فهم بعض الناس للتوحيد، للتوحيد، فهو يقول: ما شاء الله، خطبة طيبة اليوم. هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ويسجدون للأصنام، أو يسجدون للصليب، هؤلاء هم المشركون. فهذا خطبة عن التوحيد طيبة على وجه العموم، ربما استحسن بعض المشركين هذا؛ لأنه ذكر هذا على سبيل العموم، على سبيل العموم. فهم كل واحد يظن أن التوحيد على ما يفهمه. وأنتم تعلمون أن بعض الناس لا يفهم معنى "لا إله إلا الله" الفهم الصحيح، وهي كلمة التوحيد. فربما بعضهم يظن أن "لا إله إلا الله" معناها: لا خالق إلا الله. فهو يقول: ما شاء الله، خطبة طيبة. هؤلاء الذين يقولون: إن الطبيعة تخلق، وإن الشمس تخلق، وإن القمر يخلق، وإن كذا، هؤلاء على خطأ، هؤلاء هم المشركون. فهو يفهم هذا من الكلام على التوحيد. لكن عند التفصيل، وعند ذكر أنواع الشرك وصور الشرك، هنا تنجلي الأمور، وهنا تبدأ العداوة. إذا قمت وقلت: ومن الشرك الذبح لغير الله، ومن الشرك أن تدعو قبراً، أو أن تدعو صالحاً، أو أن تنذر لقبر فلان، أو لضريح فلان، هنا يبدأ إنجلاء الأمر، وأن المراد بالتوحيد هو إخلاص العبادة لله، وعدم صرفها لا لنبي مرسل، ولا لملك مقرب. فعند هنا تبدأ ماذا؟ العداوة. فهذا معنى الشيخ، أن النبي صلى الله عليه... فهذا معنى كلام الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بالتوحيد على سبيل العموم، الأمر لم يصل إلى درجة العداوة، وإلى درجة المحاربة، بل ربما استحسن بعضهم ذلك؛ لأنهم يظنون أنهم على توحيد، وأن هذا الأمر الذي جاء به هو عين ما هم فيه، وهو عين ما يفعلونه. فهذا هو مراد الشيخ. وقوله: "لم يكره ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة". قال الشارح: أي لأنهم يفسرون الذي هم عليه أنه ليس بشرك. لكن عندما تقول لهم: هذه الأضرحة وهذه القبور التي تعبدونها وتنذرون لها وتذبحون لها، عملكم هذا هو الشرك، عند ذلك تثور ثائرتهم. هذا هو الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم: نهاهم عن عبادة اللات والعزى ومناة والأصنام، وهذه كلها كانت آلهة تعبد من دون الله سبحانه وتعالى لأهل مكة ومن حولها من أهل الطائف وغيرهم. فلما نهاهم عن عبادة هذه المعبودات وصرح بأسمائها، هنا بدأت العداوة، وهنا ثارت ثورتهم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن آمن معه. قال: وقال لهم: لستم على شيء، وهؤلاء الذين يدعونكم إليهم هؤلاء علماء ضلال. فحينما قال لهم ذلك ثارت ثائرتهم حمية لدينهم. وهذا هو الذي عليه غالب العالم اليوم. أنت في هذه الأيام لو تفعل مثل ما يفعل بعض الناس، تتكلم على سبيل العموم، ربما ما ينفر منك أهل الشرك، ولا أهل البدع، ولا أهل الخرافات، ولا أهل الحزبيات. إذا أنت تتكلم على سبيل العموم، لو قمت وعملت خطبة عن البدع والتحذير من البدع على سبيل العموم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، ذاك المبتدع يظن أن البدع هو أن تزيد ركعة خامسة في الصلاة الرباعية، هذه هي البدع عنده فقط، ما عنده غير هذا. فيقول: ما شاء الله، اليوم خطبة طيبة، التحذير من البدع. نعم، هذا الذي يزيد ركعة خامسة، أو الذي يزيد صلاة خامسة، هذه هي البدع، هذه هي البدع، وهذه هي التي حذر منها النبي عليه الصلاة. لكن لما تبدأ بذكر أمثلة يقعون فيها، كالموالد، والأذكار الجماعية، وهكذا ليلة الإسراء والمعراج، وهكذا يعني الختمة وغير ذلك، هنا تبدأ العداوة. وهكذا الحزبيون: لو تتكلم على الحزبية، يظنون أن الحزبية هم العلمانيون والاشتراكيون، أو الأحزاب. لكن أن تكون هناك من أهل الإسلام فرق حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة»، ما يظنون هذا. فلما تبدأ في التفصيل، وأن السرورية من هذه الأحزاب التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام، والإخوان المسلمين من هذه الأحزاب، والتبليغ من هذه الأحزاب، وأنهم ليسوا من أهل السنة، والعلماء حذروا منهم، هنا تبدأ العداوة. فعند التفصيل تثور ثائرة أهل الباطل وأهل الضلال. أما إذا تتكلم على وجه العموم، فهذا ربما يوافقك عليه الصديق والعدو، يوافقك عليه الصديق والعدو. وقال الشيخ عند قوله: "وقالوا: سفهوا أحلامنا، وعابوا ديننا، وشتموا آلهتنا": قال: لو أنه ما شتم آلهتهم، ولا عاب دينهم، ما قالوا له شيئاً. فلو اقتصر على قوله: الشرك قبيح، والتوحيد طيب، ولا عاب آلهتهم، ولا سب دينهم، لم يعرضوه. وهذا واضح بمعنى الكلام المتقدم. وقال الشارح عند قوله: "ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى...": لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين. قال: الرسول صلى الله عليه وسلم ما سب الصالحين، وإنما سب عبادة غير الله عز وجل، وبيّن أن أنبياء الله وعباده الصالحين والملائكة لا يرضون أن يعبدوا من دون الله. فهذا هو عندهم السب. لما تقول: هذا الذي تعبدونه من دون الله لا ينفع ولا يضر، وأن عبادته باطلة، ولا تبنوا له القبور والأضرحة، ولا تطرّوه، ولا تغالوا فيه، فهم يظنون ذلك أنه سب، وأنه إعابة لدينهم ولآلهتهم. وهذا الذي وقع فيه أهل الشرك قديماً، وكذلك يقع فيه أهل الشرك حديثاً. فإذا حذرت من الأشياء أو من الأمور التي يعبدونها من دون الله، جعلوا ذلك سباً لهم ولآلهتهم، وجعلوا ذلك كذلك شتماً. وقوله: "لكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون جعلوا ذلك شتماً": هذا هو عندهم الشتم. ليس معنى الشتم أن تقول: هذا الذي داخل القبر فاسد ومجرم، وفعله وفعله، لا، ما هو هذا. عندهم السب: السب الذي يظنون أنه سب، أن تحذر مما يعبدون. لما تقول: لا تعبدوا القبور والأضرحة، لا تدعوهم من دون الله، لا تذبحوا عندها، لا تدخلوا قبورهم إلى المساجد، لا تبنوا عليها، هذا عندهم السب والشتم. هذا عندهم ماذا؟ السب والشتم. هذا من قديم الزمان. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عهده كان قوم يعبدون عيسى، ويعبدون أمه، ويعبدون الملائكة، ويعبدون الصالحين. فهل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سب هؤلاء؟ حاشا وكلا. ما سب الملائكة، ولا سب الصالحين. ولكن ماذا قال؟ قال لهؤلاء: الذين تعبدونهم ما ينفعون ولا يضرون، وليس لهم من الأمر شيء. فجعلوا هذا سباً وشتماً. وهذا هو الواقع إلى يومنا هذا: من حذر من عبادة غير الله، جعلوا ذلك سباً وقدحاً وشتماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: لما قال: إن عيسى لا ينفع ولا يضر، وإن الملائكة لا تنفع ولا تضر، وإن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، عدوا ذلك تنقصاً للصالحين. ويقولون لأهل التوحيد: أنتم لا تبنون على أضرحتهم. يعني: عندما لا تبنون على أضرحة الصالحين، فهذا سب للصالحين، وهذا تنقص للصالحين، ما أعطيتموهم قدرهم، وما أعطيتموهم منزلتهم. فهذا يعدونه ماذا؟ سباً وتنقصاً. فيا سبحان الله! النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى، بل ويلعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما في حديث أبي هريرة، وحديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهؤلاء يعدون ذلك من التنقص لأوليائهم وصالحيهم. فيا سبحان الله! قال: ويقولون: وهذا من حقهم علينا. يقولون: حقاً علينا إكرامهم والبناء على قبورهم، هذا من حقهم علينا، وهذا من تقديرهم. وعندما نتوسل بهم إلى الله، هذا من تقديرهم وتعظيمهم. فهكذا هؤلاء القوم، ربما قام أحدهم ويعدد فضائل أحد ممن يعبد من دون الله، ويقول: وأنه، وأنه، وأنه، وأنه فعل وفعل، وأنه كان يطوف القفار والفيافي ويخلو بربه، وكان يصلي كذا وكذا من الليل، وكان يصوم كذا وكذا من النهار. كيف لا نعمل هذه الزيارة له؟ وكيف لا نبني على قبره ضريحاً؟ وكيف لا نثني عليه، أو لا نجعل فيه القصائد والمدائح؟ فهم يظنون أن هذه الأمور من حقهم على أوليائهم وصالحيهم، من حقهم على أوليائهم وصالحيهم. فلما يأتي الموحد ويحذر من هذه الأشياء، يقولون: أنت ما تحب الصالحين، أنت تكون العداوة للأولياء والصالحين. لماذا أنت تحذر من هذه الأشياء؟ اعرف قدر هؤلاء. هذا من حقنا عليهم: نبني على قبورهم الأبنية، ونجعل لهم الزيارات، وهكذا نعدد فضائلهم، ونأتي فيهم بالمدائح والقصائد. هؤلاء هم القوم. فتشابهت قلوبهم، تشابهت قلوبهم مع المشركين الأولين. قال: وأنتم تقولون: هذا باطل، ويعتبرون هذا شتماً وسباً لهم. هذا الذي يفسرون به أعمالهم، وهذا موجود الآن على ألسنتهم وفي كتبهم. وهذا الذي ذكرنا. وقال عند قوله: "فإذا عرفت هذا...". أيضاً قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: ما شاء الله، الوقت قد مضى، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين.