التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 20

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 20

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 20، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

زهد الشيخ ابن عثيمين وورعه وتواضعه في الفتوى والسلوك

استعرض المحاضر جوانب من زهد الشيخ ابن عثيمين وورعه في الفتوى والعمل، وتواضعه في اللباس والمشي وكراهيته للمدح، مع ذكر مواقفه كإفراغ مداد الجامعة قبل الانصراف، ومشيته إلى المسجد، وإيقافه قصيدة تمدحه لئلا يرتبط الحق بالأشخاص، مستشهداً بموقف أبي بكر الصديق عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

إخلاص الشيخ ابن عثيمين وعبادته وكرمه وإحالته للعلماء

أبرز المقطع تواضع الشيخ بإحالة السائلين إلى شيخه ابن باز رغم مكانته العلمية، وإخلاصه برفض المدح وإخفاء الأعمال الصالحة، وتفانيه في العبادة من قيام ليل وصيام وقراءة قرآن، وكرمه الظاهر في رفضه هدية سيارة فاخرة مع امتلاكه سيارة قديمة.

اهتمام الشيخ ابن عثيمين بأمة المسلمين وختام المحاضرة

صور المقطع زهد الشيخ في الدنيا حيث رفض سيارة فاخرة وأهداها لعريس شاب، وملاطفته للصبيان وأقاربه، وحرصه على متابعة قضايا المسلمين في فلسطين والبوسنة والشيشان رغم انشغاله العلمي، ثم ختم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وحمد الله رب العالمين.

  • 12 جمادى الآخرة 1445هـ - 24/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأئمة المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم وسير علمائنا الراسخين الربانيين العاملين الراحلين الذين افتقدناهم ورحلوا عنا، وبفقدهم يفقد من العلم الشيء الكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فضلوا وأضلوا. ولا زال الحديث حول علم من هؤلاء الأعلام، وعالم مشهور، من هو يا إخوان؟ نعم يا سعيد، من أحسنت؟ الشيخ أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين. ومن أين جاء عثيمين هذا يا أبا عبد الرحمن؟ نعم، أحسنت، هو لقب لجده عثمان، لجده عثمان، يقال له عثيمين، يقال له عثيمين. وهذا المجلس السابع الذي تذاكر فيه بعض جوانب من حياته وسيرته رحمه الله تعالى وغفر له. وتكلمنا في الدرس الماضي حول جوانب من زهده رحمه الله تعالى. والشيخ العثيمين رحمه الله في باب الزهد يعتبر إماماً، وهكذا العلماء، وهكذا العلماء. وتكلمنا حول جوانب من ورعه رحمه الله تعالى، سواء ورعه في الفتوى، أو ورعه في الخوض في أعراض العلماء والناس عامة بلا علم أو بينة، وهكذا أيضاً الورع فيما يتعلق بعمله، سواء في الجامعة أو غيرها. ولهذا قلنا: كان الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى إذا احتاج أن يعبئ قلمه بمداد الجامعة، فيستخدمه ويكتب به، فإذا أراد الانصراف من الجامعة أفرغ المداد في تلك العلبة التي هي تبع الجامعة، وخرج بقلمه من غير مداد، من غير مداد. وهكذا غيرها من الجوانب التي سبق الحديث عنها في الدرس الماضي حول ورعه. أيضاً تكلمنا حول ما يتعلق بتواضعه رحمه الله تعالى، سواء التواضع في لبسه، وهكذا من نظر إلى غترته، أي عمامته وعباءته وبشته ونعله، يجد أن الرجل ليس ممن يتعلق بهذه المظاهر، بهذه المظاهر. أيضاً مشيه: كان يمشي قرابة كيلو من بيته إلى المسجد، وهكذا يعود مثل هذه المسافة، وكان غالباً يمشي على قدميه، ويرفض أن يركب إلا إذا ضاق الوقت، إلا إذا ضاق الوقت. ولا تسل عن تواضعه في مشيه، يسلم على هذا، ويلاطف هذا، ويسأل عن أخبار ذاك، وغيرها. وسبق معنا أيضاً أن من تواضعه رحمه الله تعالى أنه كان يكره المدح، أنه كان يكره المدح. وذكرنا تلكم القصيدة التي استأذن أحد الطلاب في إلقائها بحضرة الشيخ، وكان فيها شيء يسير من المدح للشيخ رحمه الله تعالى، فأوقف القصيدة، وأمر الشاعر أن يغيرها، أن يغيرها. قال: «ما دام فينا ابن صالح شيخ دعوتنا، بمثله يرتجى التأييد والظفر». قال: لا أوافق على هذا، قال: لا أوافق على هذا البيت؛ لأني لا أريد أن يرتبط الحق بالأشخاص، فإذا ربطنا الحق بالأشخاص معناه أن الإنسان إذا مات قد ييأس الناس، قد ييأس الناس. وهذا يا إخوان درس من قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. أبو بكر الصديق لما رأى الناس في تلك الحالة عند خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عائشة في الصحيحين، قام خطيباً فقال: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت». ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. فمع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات عليه الصلاة والسلام، لكن لم تمت دعوته ولم يمت دينه، بل دينه باق، بل دينه باق. من تواضع الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى ما ذكره الشيخ صالح بن عبد العزيز العجلان: أنه كان ذات مرة في مجلسه في منى، في أثناء موسم الحج، وكان في نفس المخيم سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، جلسا سوياً، هذا يفتي وهذا يفتي، لكثرة المستفتين والسائلين عن حجهم وعن أمور دينهم. وكما تعلمون أن الناس يأتون من أسقاع الدنيا وأنحاء المعمورة لكي يلتقوا، يأتوا إلى موسم الحج ويلتقوا فيه بكبار العلماء، فيسألوا عن المسائل المشكلة والقضايا العويصة، استغلوا وجودهم بين العلماء، بين العلماء. ذكر الشيخ صالح بن عبد العزيز العجلان أن كلاً من الشيخين كان مشغولاً بالفتوى وبالإجابة عن الأسئلة دون كلل أو ملل، حتى خف الزحام، ولم يبقَ لديهما من يسأل. قال: ثم أقبل رجل يريد الإجابة عن سؤاله، رجل أتى عنده سؤال، فاتجه إلى الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى وغفر له، فسأل الرجل سؤاله، لكن الشيخ العثيمين لم يرضَ أن يجيب عن هذا السؤال، وأشار لفضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، قائلاً: «انظر الوالد، انظر الوالد». مع أن الشيخ العثيمين في ذلكم الزمان لربما قارب الثمانين من عمره، يحيل على شيخه الثاني ابن باز رحمه الله تعالى، قائلاً بكل تواضع: «انظر الوالد»، أي: اسأل الوالد ابن باز رحمه الله تعالى. وأمثال كثيرة يا إخوان حول تواضعه. لو نظرنا يا إخوان إلى جوانب إخلاصه، نجد أن هذه سمة ظاهرة، ما كان يحب الظهور، وكان يخفي الكثير من الأعمال عن الناس. وهذا يا إخوان هي عادة من وفقه الله عز وجل للإخلاص في الأعمال. ودليل ذلك ما سبق: عدم محبة المدح، وعدم الرغبة في الثناء. حتى في برامج «نور على الدرب» وغيرها من البرامج التي كانت تبث وتذاع في إذاعة القرآن الكريم وغيرها، كان رحمه الله تعالى ينهى المقدم أن يمدح، وأن يطري ويثني. حتى أن بعض المستمعين والمتابعين اتصل على أحد المقدمين لهذه البرامج، ولامه وعاتبه، يعني: أنتم ما تعرفون قدر الشيخ، الشيخ عضو هيئة كبار العلماء، وغيرها من المناصب، لماذا لا تذكرونها في برامجكم؟ فأجاب ذلكم المقدم يقول: الشيخ ينهانا عن هذا. بل في بعض البرامج التي سجلت، فبدأ المقدم يقدم للشيخ العثيمين ويذكر مكانته ومناصبه، فلما انتهى قال: «امسح التسجيل هذا، ليش هذا؟ قل: محمد بن عثيمين. امسح التسجيل هذا». فأمره أن يمسح ذلكم الثناء وذلكم المدح الذي كان يذكره. وما يتعلق بعبادته يا إخوان: كان الشيخ رحمه الله تعالى على جانب عظيم من العبادة، قيام للليل، وصيام للنهار، وبكاء عند تلاوة القرآن، وهكذا أيضاً جوانب عظيمة: حجه وعمرته، وغيرها من الجوانب التي... التي كان الشيخ رحمه الله تعالى مجتهداً فيها في عبادة ربه عز وجل. وهكذا كرمه، والكرم يا إخوان هذه صورة، وهذه صفة تتكرر معنا عند ذكرنا لتراجم وسير هؤلاء النبلاء من كبار العلماء، فكان كرمه، وكان حسن ضيافته شيئاً عظيماً. وقد سبق معنا موقف لو تذكرون في زهده رحمه الله تعالى، وذلك أن الشيخ كان من عادته إذا خرج من المسجد، خرج من المسجد، التف حوله الطلاب، بين سائل ومناقش. شيخ يا إخوان، كان يعلم طلابه المناقشة، أحياناً في تسجيل الدرس يتناقش مع بعض الطلاب، ويقبل نقاشهم بصدر رحب، بصدر رحب. الشيخ يتناقش ويجيب عن أسئلة الطلاب. فبينما هو كذلك، أتاه رجل سائق على متن سيارة، وهذه السيارة فاخرة وثمنها باهظ، فجنب السيارة، وخرج، وأعطى الشيخ مفاتيح السيارة، قال: هذه هدية لك من فلان الفلاني، وذكر أحد أعيان عنيزة، أحد أعيان عنيزة. فرفض الشيخ أن يقبلها، رفض الشيخ أن يقبلها. والشيخ يا إخوان أيضاً مر معنا أن سيارته التي يملكها موديل قديم، أي ماركة... نعم، مازدا، موديل ثمانينات، يعني قديمة جداً، قديمة جداً. أكان يحب الرفاهية؟ ذكرنا أنه أهدِيت له سيارة، فبقيت أمام باب بيته لم يستعملها، حتى علها الغبار، فسحبت. وهذه المرة تُهدى له سيارة أفخر وأثمن، فرفض أن يقبلها. فالح السائق يقول: أنا ماذا؟ مرسل، وليس لي دخل في هذا الأمر. فأخذ المفاتيح الشيخ العثيمين رحمه الله، وجعل يقلبها، ويجيب، استمر في إجابته عن الأسئلة ومناقشة الطلاب. فبينما هو كذلك، إذ أقبل شاب، وطلب من الشيخ طلباً، ما هو هذا الطلب؟ نعم، زواجي الليلة. طلب من الشيخ أن يحضر زواجه. فاعتذر الشيخ بكثرة مشاغله وارتباطه، والشيخ يتلطف مع هذا، مع هذا العريس الجديد، والشاب الذي زواجه قرب، يتلطف معه ويعتذر. فأصر الشاب إلا وأن يحضر الشيخ رحمه الله تعالى، فأخبره أنه معذور ومشغول، لكن: «هذه مفاتيح السيارة، خذها هدية مني لك بمناسبة زواجك». سيارة يا إخوان، الشيخ ما يدري كم ثمنها، لكن ماذا؟ هذا يدل على كرم وزهد في آن واحد. مفاتيح سيارة، أخذها الشاب وانصرف، أخذ المفاتيح وأخذ السيارة وانصرف. وعاد الشيخ العثيمين إلى نقاشه وإلى حديثه. قال من حضر الواقعة: كأنه لم يقع شيء، كأنه لم يقع شيء. وهذا يا إخوان من الجوانب العظيمة التي كان عليها الشيخ رحمه الله: صلته لأرحامه، كان أنموذجاً عظيماً في ماذا؟ في تفقد الأرحام والتواصل بهم، أما زيارة، وأما عن طريق الاتصال، وغير ذلك. وهكذا أيضاً مسألة ملاطفته للصبيان، ملاطفته للصبيان. والصبيان كما سبق: هو ماذا يطلق على الصبي؟ أو يطلق على الطفل إلى أن يبلغ، فإذا بلغ ارتفع عنه هذا اللقب، وأصبح رجلاً شاباً، إلى غيرها. كان الشيخ رحمه الله تعالى من تواضعه يتلطف مع الصبيان، سواء الذين يمر بهم في طريقه من وإلى المسجد، أو ممن يأتون مع آبائهم إلى الدرس، أو إلى المسجد، أو إلى المسجد، فكان رحمه الله تعالى يتلطف معهم. وهكذا تلطفه مع الآخرين، كان أحياناً يمزح ويضحك الآخرين. وهذا يا إخوان من الأمور التي يلاحظها من استمع لتلكم التسجيلات لدروسه ومحاضراته التي كان يلقيها الشيخ رحمه الله تعالى. كان على عناية كبيرة بأمور المسلمين، بقضايا المسلمين، كقضية إخواننا في فلسطين في تلكم السنوات الماضية، والمجازر التي يتعرض لها إما من قبل اليهود قاتلهم الله، أو من قبل الرافضة أخزاهم الله. فكان الشيخ يتألم لما يقع لإخواننا هناك، كتلكم المجازر، كصبرا وشاتيلا، وغيرها مما يقع في لبنان، أو في سوريا، أو في فلسطين. وهكذا أيضاً ما حصل من المذابح لإخواننا في البوسنة والهرسك، كيف كان الصرب المجرمون يذبحون المسلمين هناك، ويقتصبون النساء، ويقتلون الأولاد والرجال، وغير ذلك. كان الشيخ يتألم غاية الألم لما يصيب المسلمين في تلك البلدان. وهكذا ما وقع لإخواننا في الشيشان من العدوان الروسي، من العدوان الروسي، وكيف نكل الروس بإخواننا من المسلمين هناك، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. فكان الشيخ يا إخوان على كثرة ارتباطاته ومشاغله إلا أنه كان يتابع تلكم الأحداث، ما كان عنده تلفاز وغيرها من الوسائل، وإنما كان يتابع عن طريق المذياع، عن طريق المذياع، أو ما يذكره له طلابه من أحوال المسلمين في تلكم البلدان، في تلكم البلدان. فكان يا إخوان مدرسة عظيمة، وجامعة مباركة، لا زال طلاب العلم إلى يومنا هذا يأخذون منها الدروس النافعة والعبر العظيمة. والحديث له تتمة في مجلس آخر، علّه أن يكون الثامن والأخير، إذ نتعرض... نتعرض لآخر أيامه ومرضه وعلاجه ووفاته، وأيضاً ماذا؟ ما يتعلق بما بعد ذلك. فكان رحمه الله تعالى معلماً في الصحة، ومعلماً أيضاً في المرض، رحمه الله تعالى وغفر له، ولنا، ولوالدينا أجمعين. وأسأل المولى جل في علاه أن يجمعنا بهؤلاء الأعلام في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.