الدرس في ستة مواضع من السيرة 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تفصيل المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى صنفين: من كذب بالرسالة ورجع للأوثان، ومن أقر بنبوة مسيلمة. ويبين أن مانعي الزكاة لم يكفرهم الصحابة بل قاتلوهم لامتناعهم عن حق واجب بتأويل فاسد، محذراً من استدلال التكفيريين بهذه القصة على كفر مانع الزكاة.
يذكر المؤلف صنفين من المرتدين أجمع الصحابة على كفرهم: من أنكروا نبوة محمد لوفاته، ومن أقروا بنبوة مسيلمة الكذاب مع نبوة محمد. ويبين أن قول الشهادتين لا ينفع من أقر بنبوة غير محمد، لأن ذلك جحد لختم النبوة الثابت بالقرآن والسنة، فمن فعل ذلك كفر بإجماع العلماء.
يبيّن المقطع أن من قال لا إله إلا الله وصدّق مسيلمة أو طليحة في دعوى النبوة بعد وفاة النبي ﷺ كفر بإجماع الصحابة والعلماء، وأن مجرد النطق بالشهادتين لا ينفع مع الشرك في النبوة. كما يذكر قصة طليحة الذي ادعى النبوة ثم تاب ورجع إلى الإسلام وقُتل مجاهداً، دليلاً على قبول توبة من صدق وأناب.
يعلن المحاضر عن انتهاء الدرس الحالي واستكمال باقي المحتوى في درس قادم، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى، ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة: "ستة مواضع من السيرة، والموضع السادس منها هو قصة الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم". قال: "والذي يبين ذلك من قصة الردة أن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبياً ما مات. ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة، ظناً أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة"، إلى آخر كلامه. قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى: "قال: المرتدون لا شك في كفرهم، ومعنى الردة هو الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام، كان مسلماً فرجع إلى الكفر، فهذا يقال له مرتد". قال الشارح: "المرتدون لا شك في كفرهم، ولم يحصل عند الصحابة خلاف في كفرهم، فالصحابة أجمعوا على كفر الأصناف التي ارتدت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم". وهنا مسألة في الردة، وهي أن مانعي الزكاة يذكرهم بعض أهل العلم في المرتدين، فيذكر مانعي الزكاة منهم. وهذا الذكر، كما ذكر بعض أهل العلم، إنما هو على سبيل التغليب؛ لأن مانعي الزكاة ليسوا بكفار، لم يكفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فمانعو الزكاة لما مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم امتنعوا من دفعها إلى أبي بكر، بحجة أنهم كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم متأولون في ذلك. فبعضهم استدلوا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، بعضهم استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]، فقالوا: لسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا، من صلاته سكن لنا وهو النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا لا شك أنه استدلال خاطئ؛ لأن الزكاة جارية إلى قيام الساعة، ولم يأت في الأدلة ما يدل على أنها تؤدى فقط للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا مات انقطعت، بل الأدلة عامة، لكنهم تأولوا هذا. بل وأنشد بعضهم وقال: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فوى عجباً ما بال ملك أبي بكر فهم تأولوا في هذا، فلم يكفرهم الصحابة، مع إجماعهم على قتلهم، ولا تلازم بين القتل وبين الحكم بالكفر؛ لأنها طائفة ممتنعة امتنعت على شريعة واضحة بينة من شرائع الإسلام، فقاتلهم أبو بكر، مع أن بعض الصحابة رأى أنهم لا يقاتلون في بداية الأمر، لعل الله عز وجل أن يمكن الإيمان في قلوبهم، فرأى بعض الصحابة أن يؤلفوا ولا يقاتلوا. لكن أبا بكر بيّن لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو بيّن لهم أن المال حق، أو أن الزكاة حق المال، فهي واجبة، فهي واجبة. مع أن عمر استدل، استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في مراجعته لأبي بكر أن لا يقاتل هؤلاء الممتنعين، استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". لكن شرح الله سبحانه وتعالى صدر أبي بكر للقتال، فعلم عمر، كما أخبر عن نفسه، أنه الحق، وأن الله عز وجل ما شرح صدر أبي بكر إلا لأنه على الحق. فإذا مانعو الزكاة ليسوا بكفار، وعندما يذكرون من أقسام المرتدين أو من ذكر المرتدين فهو من باب الغالب؛ فأغلب القبائل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت، خصوصاً التي هي حوالي المدينة من البادية ومن الأعراب، ومن الأعراب. وفصلنا في هذا لأن بعض التكفيريين يستدلون بهذه القصة، قصة الردة، على كفر مانع الزكاة، على كفر مانع الزكاة، وأن من منع الزكاة وأن من منع الزكاة يحكم بكفره، وهذا ليس بصحيح. إذا منعها متأولاً أو منعها بخلاً وليس جحوداً، فهذا لا يكفر، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، أي: منع الزكاة. وأما غيرهم ممن سيذكر المؤلف، فهم الذين حكموا، وأجمع الصحابة على كفرهم. ولذلك قال الشارح حفظه الله تعالى: "وهم صنفان، الذين لم يختلف في كفرهم، صنفان". قال: "الصنف الأول: الذين يقولون: لو كان نبياً ما مات، وكونه مات هذا دليل على أنه غير نبي، فارتدوا عن الإسلام لأنهم كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم". هذا صنف من المرتدين الذين حكم العلماء بكفرهم، وهم الذين قالوا: لو كان نبياً ما مات، فاعتقدوا الخلود للأنبياء، فلما مات النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: هذا إذن ليس بنبي، فتركوا شريعته وارتدوا عن الإسلام، فهؤلاء كفار. الصنف الثاني: من أقر بالشهادتين وأن محمداً رسول الله، لكن أقر بنبوة مسيلمة. ومسيلمة هو مسيلمة الكذاب، انحاز إليه بنو حنيفة وخلق كثير من أهل اليمامة، ادعى النبوة، وكما سيأتي من كلام المؤلف أنه أتى بشهود زور فشهدوا له على النبوة، فصدقه كثير من الناس، فقاتله الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهؤلاء يقولون: نحن لا نقول أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بنبي، بل هو نبي، لكن شاركه في النبوة مسيلمة. فيقرون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبنبوة مسيلمة. فهؤلاء أيضاً كفار، لماذا؟ سيأتي من كلام المؤلف. قال: "فهؤلاء لا تنفعهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ أقروا بنبوة مسيلمة الكذاب، فليسوا بمسلمين، وهذا بالإجماع؛ لأنهم جحدوا شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، وهو آية في كتاب الله، وأيضاً أحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام". والآية: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، معنى أنه لا نبي بعده، ولا يشاركه نبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم، بل ببعثته عليه الصلاة والسلام ختمت النبوة، فلا نبوة بعده. وهؤلاء صدقوا بنبوة غيره، فلا شك أنهم أنكروا شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، فكفروا بهذا. قال: "ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظناً أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة"، يعني: هؤلاء الذين آمنوا بمسيلمة، قال: "لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس". قال الشارح عند قوله: "أشركه في النبوة": "لأن مسيلمة الكذاب يقول: إن الرسول أشركني في النبوة، وصدقوه في هذه الكلمة، ما قال: أنا نبي آخر، وإنما قال: أشركني، فهو شريك للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كذب وزور وبهتان". وقال الشارح عند قوله: "شهدوا له بذلك": "وشهد له بعض الشهود أن الرسول أشركه في الأمر، والشهود هم من البشر، من الكذبة، من الكذبة، ليس الشهود هم الملائكة، أو الشهود كذلك إرسال وحي من السماء إليه، وإنما أتى له بحفنة من البشر فشهدوا له بأنه أشرك النبي عليه الصلاة والسلام في النبوة". قال: "وشهد له بعض الشهود أن الرسول أشركه في الأمر، شهادة زور، العياذ بالله، وكذبوا صريح القرآن بختم النبوة بمحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم: أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، نص واضح صريح أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون، ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر، وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذه المسألة، وهذا الموضع من مواضع السيرة". انظر: هؤلاء الذين صدقوا مسيلمة، صدقوا مسيلمة، يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن أشركوا في النبوة، أشركوا مسيلمة في النبوة، فلم يختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في كفرهم وفي ردتهم. فهل نفعتهم لا إله إلا الله؟ ما نفعتهم لا إله إلا الله. فالشاهد من هذا: أن ليس كل من يقول لا إله إلا الله فهو مسلم، وإن فعل ما فعل، وإن ارتكب من نواقض الإسلام ما ارتكب. لا، ليس الأمر كذلك، بل الذي يقول لا إله إلا الله ويأتي بناقض من نواقض الإسلام، ويأتي بأمر فيه من الشرك وفيه كذلك من الكفر، فلا تنفعه لا إله إلا الله، لا تنفعه لا إله إلا الله. فهؤلاء يقولون لا إله إلا الله، ولكن لما صدقوا مسيلمة وأشركوه في النبوة، كفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعاً. قال الشارح: "الذي يقول إنه يبعث بعد الرسول نبي يكون كافراً بالإجماع، يكون كافراً بالإجماع، لأن هذا أمر قد دل عليه القرآن والسنة، وهو مما علم من الدين بالضرورة". وقال الشارح في قوله: "ومن شك في ردتهم فهو كافر": "قال: أنه لم يكفر المشركين، وقال: يمكن أن يكونوا صادقين، وما جزم أنهم على الباطل، بل قال: أنا لا أدري، أنا لا أكفر الناس. نقول: لا، لابد أن تعرف الحق من الباطل، لابد أن تعرف الكفر من الإيمان، وتميز المسلم من الكافر، لابد من هذا، وإلا ما معنى الإسلام؟ فمن حكم الشرع بكفره فلا تتردد في الحكم عليه بالكفر، فهذا من الورع البارد أنك تتوقف في من حكم عليه الشرع بالكفر، بل تشك في كفره، وقد حكم عليه الشرع بالكفر، وحكم عليه العلماء بالكفر، فهذا لا يجوز. بل من شك في ردتهم فهو كافر، فكيف من لم يكفرهم فهو من باب أولى". قال: "فإذا عرفت"، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوا ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم ومن أقر بنبوة مسيلمة، في حال واحدة، ولو ثبت على الإسلام كله". الذي عبد الأوثان ارتد وقال: لو كان نبياً ما مات، فهذا كفر بالنبي أصلاً، ولم يقر له بالنبوة. والصنف الثاني: أقر بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أشرك معه في النبوة غيره. فهل فرق الصحابة؟ فكفروا الصنف الأول ولم يكفروا الصنف الثاني؟ لا، ما فرق الصحابة، حكموا على الجميع بالكفر، حكموا على الجميع بالكفر. فهذا معنى قوله: "هم ومن أقر بنبوة مسيلمة في حال واحدة، ولو ثبت على الإسلام كله". لو أنه يصوم ويصلي، ومستقيم على جميع شرائع الإسلام، محافظ على أمور الدين، لكنه يشرك غير النبي عليه الصلاة والسلام في النبوة، فهذا ما ينفعه هذه الأعمال، ما تنفعه، وقول لا إله إلا الله ما ينفعه. فهذه المسألة واضحة بينة. فليس كل من قال لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، وهذه اللفظة تكفي في دخوله إلى الإسلام. لا، ليس الأمر كذلك، كما يزعم عباد القبور. لما تنكر على من يدعو غير الله ويذبح لغير الله، تقول: هذا شرك. هؤلاء قد وقعوا في الشرك، قال: لا تكفروا الناس، هم يقولون لا إله إلا الله. سبحان الله! والذين اتبعوا مسيلمة، ما يقولون لا إله إلا الله؟ يقولون لا إله إلا الله، فلماذا ما عذرهم الصحابة وقالوا: ما نكفرهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله؟ فوجه الاستدلال واضح بيّن. هذا صنف من المرتدين، قال: "ومنهم من أقر بالشهادتين وصدق طليحة في دعواه النبوة". وطليحة أيضاً ظهر بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بدعوى النبوة، وهو طليحة الأسدي، التف حوله بنو أسد وطيء وبشر كثير، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، في "البداية والنهاية". قال الشارح: "طليحة ممن ادعى النبوة، وصدقه قومه، وقاتلوا الصحابة معه، ثم إن الله منّ على طليحة وعاد إلى الإسلام، وتاب إلى الله، وقتل في حروب الفرس مع المسلمين. ادعى النبوة ثم رجع وتاب وصدق، فرجع إلى الإسلام، رجع إلى الإسلام، وقتل مع المسلمين في صف المسلمين في محاربة الفرس، في محاربة الفرس". وهذا فيه أن الإنسان مهما ارتكب من المعاصي ومن الذنوب ومن البوائق والكبائر، إذا صدق وتاب ورجع وأناب، فالله سبحانه وتعالى يقبل توبته. انظر طليحة: دعا النبوة، كفر، ردة، ومع هذا منّ الله عز وجل عليه بالتوبة والرجوع إلى الحق وإلى الإسلام، فقتل مجاهداً في سبيل الله. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: 68-70]. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.