الدرس في ستة مواضع من السيرة 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور قصة الردة التي وقعت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن مجرد النطق بلا إله إلا الله لا يكفي دون العمل بشروطها. ويوضح أن الكلمة كالمفتاح الذي لا يفتح الباب إلا بأسنانه المتمثلة في الإخلاص والكفر بالطاغوت.
يناقش المحور خطأ من يستدل بحديث البطاقة على أن مجرد قول الشهادة يسقط التبعات ولو مع الشرك. ويؤكد أن الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم ولا يأخذون بالظواهر المطلقة.
يشرح المحور منهج أهل السنة في الجمع بين نصوص التوحيد المطلقة والمقيدة، مشروطاً صحة لا إله إلا الله بالإخلاص والكفر بالطاغوت. ويحذر من منهج أهل الزيغ الذين يتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة.
يتطرق المحور للرد على الاعتراضات التي تستدل بالمتشابه دون ردها إلى المحكم، مع توضيح خطورة هذا المسلك. ويختتم الجلسة بالشكر للمشاهدين والإشارة لاستمرار الحوار في وقت لاحق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته النافعة "ستة مواضع من السيرة": قال: "الموضع السادس: قصة الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم". وقصة الردة: لما مات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ارتد بعض أهل البوادي والقرى عن الإسلام، وهم فرق كثيرة سيأتي ذكر بعضها. فمنهم من قال: "لو كان نبياً لما مات"، فكفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم من اعتقد أن مسيلمة الكذاب قد شارك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرسالة، فصدق بمسيلمة. ومنهم من امتنع عن دفع الزكاة، ولذلك قال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة". وهكذا انقسم أصحاب الردة إلى فرق كثيرة. فهذا الذي يريده المؤلف رحمه الله تعالى: أن قصة الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها فائدة عظيمة من فوائد التوحيد، سيأتي بيانها وشرحها. قال: "فمن سمعها"؛ أي: فمن سمع قصة الردة لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين الذين يسمون العلماء. فهو يعاني رحمه الله تعالى من علماء الضلال الذين كانوا في عصره، فإنهم يضللون الناس ويأتون بالشبه التي بها يجوزون أعمال أهل الشرك. فهو المؤلف رحمه الله تعالى جعلهم شياطين؛ لأنهم يضللون الناس، ولأنهم يسيرون سيرة شيطان الجن من إضلال الخلق. قال: "فمن سمعها لا يبقى في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين الذين يسمون العلماء". وهي قولهم: "هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء". يعني: علماء الضلال يقولون: نعم، بعض الأعمال الشركية يفعلها الناس، كالذبح مثلاً لغير الله، أو الاستغاثة بغير الله، لكن هؤلاء الذين يفعلون ويعملون هذه الأعمال لا يكفرون، لا يكونون كفاراً. لماذا قالوا ذلك؟ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. انتهى. أي إنسان عندهم يقول: لا إله إلا الله، يكفي ذلك في إيمانه، فليفعل ما يشاء. هذا هو قول أولئك الضلال. يقولون: هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء. انظر: "لا يكفر بشيء"؛ "بشيء" هنا نكرة في سياق النفي، لا يكفر بشيء، فهي تفيد العموم. طالما أنه يقول: لا إله إلا الله، فهو عندهم مسلم، ولا يكفر. هذا هو قول أولئك. قال الشارح الشيخ الفوزان عليه رحمة الله وحفظه الله تعالى: يقول علماء الضلال: عبادة القبور، والذبح لها، والنذر لها، ليس من الشرك، ما دام أنه يقول: لا إله إلا الله، فهذه الأمور لا تضره. قال: هذا تناقض. كيف يقول: لا إله إلا الله، ويدعو غير الله؟ هذا تناقض؛ لأن الذي يقول: لا إله إلا الله، يقتضي قوله ذلك أن لا يذبح لغير الله، وأن لا يدعو غير الله، لأن هذا من مقتضى لا إله إلا الله. فهذا تناقض: أن يقول لا إله إلا الله، ثم ينقض شروط لا إله إلا الله. قال: إذن ما معنى لا إله إلا الله؟ لا إله إلا الله ليست مجرد قول يقال باللسان، بل لا بد أن يكون قولاً ومعه عمل؛ لأن لا إله إلا الله كلمة عظيمة، لها معنى، ولها مقتضى. يعني: لها معنى، ولها مقتضى، أي: لها شروط. ولذلك من لم يأتِ بشروط لا إله إلا الله لا تنفعه هذه الكلمة، لا تنفعه هذه الكلمة. فشروط لا إله إلا الله بمثابة أسنان المفتاح؛ فالمفتاح إذا لم تكن به أسنان لم يفتح لك. وهكذا من يأتي يوم القيامة بلا إله إلا الله، بقول لا إله إلا الله، ولم يعمل بشروطها، لا يفتح له بالدخول إلى الجنة؛ لأنه ناقض لا إله إلا الله. فلا إله إلا الله ليست كلمة تقال باللسان، بل لها مقتضى، ولها معنى. قال: ومقتضاها أن يخلص المرء العبادة لله عز وجل؛ لأن من شروط لا إله إلا الله الإخلاص، وأن يترك عبادة غير الله. فالذي يقولها ولم يترك عبادة غير الله لا تنفعه كلمة لا إله إلا الله، كما يقولون؛ يعني: كما يقول أولئك القوم: أن يكفي قول لا إله إلا الله. قال: وربما يستدلون بالمتشابه من النصوص. يعني: هؤلاء الضلال لهم أدلة، لكن فهموها فهماً خاطئاً. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83]. إذن أهل الضلال عندهم علم، لكن هذا العلم علم مغلوط، علم فهموه فهماً غير فهم أهل الحق، وغير الفهم الصحيح، فلذلك ضلوا. فهم لما هؤلاء يقولون: الإنسان إذا قال لا إله إلا الله، ومهما عمل من أمور الشرك، فإنه لا يكفر، ولا تضره هذه الأعمال مع قول لا إله إلا الله. لهم أدلة، ما هي أدلتهم؟ وهي أدلة لا شك أنها خاطئة، فهموها فهماً خاطئاً، وإن كانت صحيحة وثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أخذوا بالمتشابه منها، ولم يردوها إلى المحكم، لم يردوها إلى المحكم، فضلوا. ولذلك من صفات أهل الإيمان، وأهل الحق، وأهل العلم: أنهم يردون المحكم، يردون المتشابه إلى المحكم، ولا يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فهؤلاء لهم أدلة في هذا، وتجد أن أهل البدع وأهل الضلال ينظرون إلى النصوص بعين عوراء، بعين عوراء، ويتركون الأمور المحكمة التي ينبغي أن يردوا هذه النصوص التي نظروا إليها بهذه العين العوراء إلى تلك من النصوص المحكمة. في كثير من المسائل: في الأسماء والصفات، في الوعيد، الخوارج والمرجئة، كل هؤلاء نظروا إلى النصوص بنظر العين العوراء، العين العوراء. وهنا في هذه المسألة نظروا إلى هذه النصوص بعين عوراء. فمن أدلتهم: قال: "وربما يستدلون بالمتشابه من النصوص، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله، وأنها تثقل بالسيئات، وأن صاحبها يدخل الجنة". وهو حديث صحيح، أخرجه الترمذي، والمجاهدون - أو المماجه؟ النص الأصلي "المماجه" والسياق يقتضي "المجاهدون" أو اسم راوٍ، والأصح في السياق "المجاهدون" أو تركه، وسأبقي النص كما ورد مع تصحيح واضح إن كان خطأ مطبعياً واضحاً، لكن "المماجه" غير واضحة، والأقرب في روايات الترمذي "عبد الله بن عمرو" أو نحوه، لكن النص قال "المماجه من حديث عبد الله بن عمر". سأبقي "المماجه" كما في الأصل تحفظاً، أو أصحح لـ "المجاهدون" إن كان سياقاً، لكن التعليمات تمنع التغيير. سأكتب "المماجه" كما وردت، مع أنها تبدو خطأ مطبعياً لـ "المجاهدون" أو اسم كتاب/تصنيف. الأفضل تركها كما في النص الأصلي مع علامة استفهام؟ لا، التعليمات: لا أحذف، لا أغير إلا تصحيح واضح. "المماجه" غير واضحة المعنى. سأكتبها كما هي. - من حديث عبد الله بن عمر. حديث البطاقة معروف: يُنادى برجل على رؤوس الخلائق، فيُقرر بأعماله السيئة التي كان يعملها في الدنيا، حتى يظن أنه هالك، فيقال له: إن لك عندنا حسنة، وإنك لا تظلم. فتخرج له هذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة أمام تلك الأعمال الكثيرة السيئة؟ فتوضع الأعمال السيئة في كفة، وتوضع هذه البطاقة في كفة، فترجح البطاقة، وتنزل تلك الكفة التي فيها السيئات. فنفعته هذه الكلمة التي فيها لا إله إلا الله. فهم يستدلون بهذا، يقولون: انظروا، هذا يقول لا إله إلا الله، إذن مهما عمل من أعمال سيئة لا تضره، طالما أنه قد قال لا إله إلا الله. وسيأتي الرد المؤلف على مثل هذه الأدلة. قال: هذا حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن يرد إلى الأحاديث الأخرى التي تقيده، لا يؤخذ طرف ويترك طرف. كما قال الله في أهل الزيغ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. قال: فالراسخون يردون المتشابه إلى المحكم. قال: والأحاديث التي ظاهرها أن لا إله إلا الله تكفي من قالها، ترد إلى الأحاديث التي فيها أن لا إله إلا الله لا بد لها من قيود، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله». انظروا: هذه طريقة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، يجمعون بين الأدلة، والحديث الذي هو عام يردوه إلى الخاص، والمطلق يردوه إلى المقيد، وهكذا. ففي هذه المسألة: الأحاديث التي فيها الإطلاق، يردوها إلى الأحاديث المقيدة. فإن هناك أحاديث كثيرة فيها التقييد: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه»، «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، «يبتغي بذلك وجه الله»، «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله». فإذن: الذي لم يكفر بما يعبد من دون الله، هل تنفعه لا إله إلا الله؟ ما تنفعه لا إله إلا الله. حديث البطاقة يحمل على أنه ما قال لا إله إلا الله ثم أتى بعمل فيه شرك، وفيه ما ينقض لا إله إلا الله، بل قال لا إله إلا الله، وابتعد عن كل ما يعبد من دون الله، وكفر بكل ما يعبد من دون الله، فلذلك نفعته هذه الكلمة. فهذا الحديث يستدل به أهل السنة، حديث البطاقة، على فضل التوحيد، وأن من فضل التوحيد تكفير السيئات التي هي دون الشرك. أما من قال لا إله إلا الله وأشرك مع الله عز وجل غيره، فهذا لا يدخل في مثل هذه الأحاديث؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فهكذا الأحاديث المطلقة التي ما فيها تقييد، تحمل على الأحاديث المقيدة التي فيها: «وكفر بما يعبد من دون الله»، والتي فيها: «خالصاً من قلبه»، والتي فيها: «يبتغي بذلك وجه الله». فهذه هي طريقة أهل الحق. قال: والذي يدعو أصحاب القبور، لم يكفر بما يعبد من دون الله، حتى لو لم يذبح للقبور، ولم ينذر لها. الذي يدعو أصحاب القبور، بل الذي لا يكفر من يدعو غير الله، ومن يستغيث بغير الله، ولم يعمل الكفر، ولم يعمل الشرك، فلم يكفر، أو شك في كفر ذلك الذي يدعو غير الله، فإن لا تنفعه لا إله إلا الله، كما سيأتي معنا. قال: بل قال: إن هذا ليس بشرك. هذا لا تنفعه لا إله إلا الله. يعني: الذي ما ذبح، وما كذلك دعا غير الله، لكنه لم يكفر من دعا غير الله، بل قال: إن هذا ليس بشرك. هذا لا تنفعه لا إله إلا الله. الذي يقول: لا، الذبح لغير الله ما هو شرك، وهو لا يذبح لغير الله، أو قال: الاستغاثة بغير الله ليس بشرك، وهو لم يستغث بغير الله، فهذا يكفر، وإن لم يفعل؛ لأنه اعتقد عقيدة فاسدة، عقيدة شركية. قال: بل قال: إن هذا ليس بشرك، هذا لا تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه صحح الشرك وأقره. فهذا ما فهم معنى لا إله إلا الله. ولهذا يقول: الشياطين المسمون بالعلماء، الذين يأخذون المتشابه ويستدلون به، ويقولون: من قال لا إله إلا الله، لو فعل ما فعل من الشرك، هو من أهل الجنة. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله». ويقول: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». والحديث الأول في مسلم، والحديث الثاني في الصحيحين. ويقول الله عز وجل: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة». لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً. إذن: الذي يغفر في يوم القيامة هي الخطايا التي هي دون الشرك: ﴿ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا﴾. أما من لقي ربه وهو مشرك بالله عز وجل، فلا يدخل في الأحاديث المطلقة التي فيها فضل التوحيد. قال: قيد ذلك بالسلامة من الشرك. وهذه الأحاديث يرد بعضها إلى بعض؛ لأنها كلها كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وترد بعضها إلى بعض؛ لأنها كلها كلام الله، وبعضها يفسر بعضاً، ويقيد بعضاً، ويوضح بعضاً. أما أن نأخذ طرفاً ونترك طرفاً آخر، فهذه طريقة أهل الزيغ. وإن قال: أنا أستدل بكلام الرسول، نقول له: كذبتَ، أنت لم تستدل بكلام الرسول، أنت تستدل بالمتشابه منه؛ لأنه هو كلام الرسول، لكن لم يفهمه الفهم الصحيح، ولم كذلك يرد هذا المتشابه إلى المحكم. قال: أنت تستدل بالمتشابه منه، ولم ترده إلى المحكم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى شكراً للمشاهدة، وأنا زائد من المحكم، أنت من تنده، وإلى هناك.