شرح الأصول من علم الأصول 21

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 21، الدرس الحادي والعشرون:من( النسخ ... أن يكون الناسخ أقوى لأن محل النسخ الحكم ولا يشترط في ثبوته التواتر ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم النسخ وتعريفه في علم الأصول

النسخ هو رفع حكم شرعي بدليل آخر، ويشمل تغيير الحكم بين الإيجاب والإباحة. النسخ جائز عقلا وواقع شرعا كما ورد في القرآن والسنة.

حكم النسخ وجوازه في الشريعة

النسخ جائز عقلا وواقع شرعا ولا يلزم منه البداء أو الجهل بالله. يقتصر النسخ على الأحكام وليس الأخبار، ولا يمكن نسخه في الأمور ذات المصلحة الدائمة.

شروط النسخ ومعرفة الناسخ والمنسوخ

يشترط للنسخ تعذر الجمع بين الدليلين، والعلم بتأخر الناسخ وثبوته، وتفوق الناسخ على المنسوخ. يُعرف تأخر الناسخ بالنص أو بخبر الصحابي أو بالتاريخ.

حكم النسخ وعلاقته بالتواتر

لا يشترط التواتر في النسخ لأن المقصود هو الحكم، ويثبت النسخ بالدليل الناسخ أو المنسوخ.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله قال الشيخ نتيمي رحمه الله: كتاب الأصول من علم الأصول: النسخ. قال: تعريفه النسخ لغة: الإزالة والنقل، واصطلاحا: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة. فالمراد منه رفع حكم، أي تغييره من إيجاب إلى إباحة أو من إباحة إلى تحريم مثلا. فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب أو وجوب الصلاة لوجود الحيض، فلا يسمى ذلك نسخا. والمراد بقولنا أو لفظه: لفظ الدليل الشرعي، لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ أو بالعكس أو لهما جميعا، كما سيأتي. وخرج بقولنا بدليل من الكتاب والسنة: ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس، فلا ينسخ بهما. والنسخ جائز عقلا وواقع شرعا. أما جوازه عقلا فلأن الله بيده الأمر وله الحكم، لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقضي حكمته ورحمته. وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب أحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أصلح. والله عليم حكيم. وأما وقوعه شرعا، ففيه أدلة، منها قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾، وقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، وقوله: ﴿فالآن باشروهن﴾، فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق. وقوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور. ذكر رحمه الله في هذا الفصل ما يتعلق بالنسخ. والنسخ كما قال رحمه الله لغة: الإزالة والنقل، بمعنى الإزالة والنقل. تقول: نسخت الشمس الظل، بمعنى أزالته. وتقول: نسخت ما في الكتاب إذا نقلته. هذا معناه في اللغة. واصطلاحا: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة، ويضاف متراخ عنه. وبهذا يكون التعريف جامعا مانعا. فقوله: رفع حكم، أي تغييره من إيجاب إلى إباحة أو من إباحة إلى تحريم. فالمراد بالرفع هنا هو تغيير الحكم. فيكون مثلا واجبا، ثم يأتي نص آخر يدل على أن هذا الحكم ليس بواجب، وأن هذا الحكم منسوخ، يعني حكم الوجوب منسوخ، تغيير من الوجوب إلى الاستحباب. هذا يعتبر نسخا. أو من التحريم إلى الإباحة، فهذا هو معنى رفع الحكم. قال: فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، فهذا لا يسمى نسخا. إذا تخلف الحكم لفوات الشرط أو لوجود مانع، مثل وجوب الزكاة، وجوب الزكاة لها شروط منها بلوغ النصاب وحولان الحول. فإذا لم يوجد وجوب الزكاة في مال من الأموال مثلا لكونه لم يبلغ النصاب، هل يكون هذا نسخا؟ الجواب: لا، لا يكون هذا نسخا، لماذا؟ لأن الحكم هنا لم يرتفع، وجوب الزكاة ما زال واجبا، لكن تخلف الحكم لماذا؟ لتخلف شرط الوجوب، وهو بلوغ النصاب. أو وجد مانع كالصلاة مثلا، واجبة، فهل إذا لم تصلي الحائض دل ذلك على رفع حكم وجوب الصلاة؟ الجواب: لا، وجوب الصلاة محكم، وإنما هنا تخلف حكم الوجوب لوجود مانع، وهو الحيض، والحيض مانع من موانع الصلاة، فلا يسمى هذا نسخا. وإنما النسخ هو تغيير الحكم، يغير من حكم إلى آخر. قال: والمراد بقولنا أو لفظه: لفظ الدليل الشرعي، لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ أو بالعكس أو لهما جميعا، يعني نسخ اللفظ أو نسخ الحكم، وسيأتي أمثل ذلك. وهذا التعريف يشمل كلا النوعين من النسخ: نسخ اللفظ ونسخ الحكم. مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، هذا نسخ لحكم الزيارة، كان حكمها المنع، ثم نسخ هذا الحكم وأبيحت زيارتها، هذا نسخ للحكم. ونسخ اللفظ: أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، مثل آيات الرجم، رجم الزاني، فحكم رجم الزاني باق، أن من زنى ومحصن فإنه يرجم، لكن لفظها نسخ، رفع لفظها، وبقي حكمها. قال: وخرج بقولنا بدليل من الكتاب والسنة: ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس، فلا ينسخ بهما، يعني أن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة، إما بآية أو حديث. أما الإجماع فلا ينسخ به، إلا إذا كان مستندا إلى دليل، فيكون النسخ بالدليل المستند إليه الإجماع. وكذلك القياس، لا ينسخ به، لأن القياس يفتقر إليه عند عدم وجود الدليل من الكتاب والسنة. ثم ذكر رحمه الله أن النسخ جائز عقلا وواقع شرعا، دل عليه الشرع والعقل. أما العقل، فإن الأحكام الشرعية التي أوجبها الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل هو المدبر لها، وهو الآمر بها، وهو سبحانه وتعالى الأعلم بمصالح العباد وما يصلح لعباده وما ينفعهم. فهو يأمر بالأمر، ثم يرى أن الأصلح في هذا الأمر تغييره من هذا الزمن إلى زمن آخر، فيغيره لأنه أصلح للعباد، ولا مانع من ذلك عقلا. كما أن صاحب المال الذي عنده مال أو يملك عبيدا قد يأمرهم بالأمر، ويغيره في الوقت الآخر، نظرا للمصلحة التي ينظر إليها. ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى، فهو عز وجل يعلم ما يصلح العباد وما ينفعهم، فيأمر بالأمر اليوم، ويغيره في الغد. والله عز وجل يفعل في ملكه ما شاء. وكذلك أيضا دل الشرع على وقوعه، كما في هذه الآيات التي ذكرها رحمه الله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾، فأخبر الله عز وجل أنه ما ينسخ من آية فيرفع حكمها أو يغيره ويبدله أو يؤخرها، إلا وجاء سبحانه وتعالى بخير منها أو مثلها. وهكذا أيضا قوله سبحانه: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، وهذا نسخ لما كان من وجوب مصابرة الواحد للعشرين. و قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾، يعني في ليالي رمضان، كان في أول الأمر ممنوعا، ثم نسخه هذا الحكم، وأباح الله سبحانه وتعالى مباشرة الرجل لأهله في ليالي رمضان. وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور. فدل ذلك على وقوع النسخ في الشرع. وكذلك دل العقل على وقوعه. وفي هذا رد على من أنكر النسخ من أمثال اليهود، فإن طائفة من اليهود أنكروا النسخ، يقال لهم: الشمعونية، أنكروا وقوع النسخ، وقالوا: يلزم من النسخ البداء. وتابعهم على ذلك طائفة من الرافضة، يعني قالوا: يلزم من النسخ أن الله سبحانه وتعالى يخفى عليه العلم، ثم يبدو له. ومعنى ذلك: نسبة الجهل إلى الله سبحانه وتعالى، تعالى الله عن ذلك. وهذا قول باطل، لا يلزم من النسخ وقوع البداء أبدا، أنه كما مر معنا أن الله عز وجل يأمر بالأمر وينسخه، وهو يعلم سبحانه وتعالى متى سينسخه وإلى أي شيء سينسخه، فلا يخفى عليه من ذلك شيء. فقولهم هذا باطل مردود. قال: ما يمتنع نسخه؟ قال: الأخبار، لأن النسخ محله الحكم، ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذبا، والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله. يعني: ما أخبر الله سبحانه وتعالى به، أما محل النسخ: فالأحكام، يعني الأوامر والنواهي. أما الأخبار، فلا يدخلها النسخ، لا يدخلها النسخ، لأن دخول النسخ على أحد الخبرين يستلزم كذب أحدهما، والكذب في أخبار الله سبحانه وتعالى مستحيل. قال: اللهم إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر، فلا يمتنع نسخه. فقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾، الآية، فإن هذا خبر معناه الأمر، أي: ليكن منكم عشرون صابرون. قال: ولذا جاء نسخه الذي بعدها، وقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، ولذا جاء نسخه. قال ثانيا: مما يمتنع نسخه: الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان، كالتوحيد وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك. فلا يمكن نسخ الأمر بها، وكذلك لا يمكن نسخ النهي عن قبيح في كل زمان ومكان، كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك. إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، فهذه الأحكام لا يدخلها نسخ، لأنها أحكام تابعة للمصالح التي ينتفع بها العباد. والشرع كما هو معلوم لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، وهكذا أيضا هذه المنهيات التي هي دفع مفاسد عنهم، ولا يمكن أن تنسخ وأن ترفع أحكامها، لأن المصلحة في إبقاء هذه الأحكام. قال: شروط النسخ: يشترط للنسخ بما يمكن نسخه شروط، منها: الأول: تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، لإمكان العمل بكل منهما. يعني: لا يصار للنسخ إلا عند عدم إمكان الجمع، إذا عندك دليلان متعارضان، أحدهما فيه أمر والآخر فيه نهي، قبل أن تنتقل إلى النسخ، أولا اجمع بين الدليلين ما أمكن. مثلا: المثال الذي ذكرناه اليوم في الدرس، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخر لسنة»، وفي حديث آخر: «لا يدخر لغد»، هذا فيه إثبات وهذا فيه نفي. هل نقول: خلاص ننظر إلى التاريخ والمتأخر نسخ المتقدم؟ الجواب: لا، أولا نجمع بين الدليلين ما أمكننا، نجمع بين الدليلين بأي صورة من صور الجمع المحتملة. لماذا؟ لأن الجمع إعمال لكلا الدليلين، وإعمال كلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما، لأن النسخ إهمال لأحد الدليلين، لما تقول: هذا منسوخ، يعني رفع حكمه، أهملت العمل به. لكن الجمع تعمل بكلا الدليلين، هذا فيه حال وهذا فيه حال. قال: الثاني: العلم بتأخر الناسخ، يعني إذا ما أمكن الجمع، انتقلنا إلى العلم والنظر بالمتأخر من الدليلين، وهو الذي يكون ناسخا للمتقدم. قال: ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي أو بالتاريخ. يعني: يعلم تأخر الناسخ إما بالنص، يعني بدليل من الكتاب والسنة، أو بخبر الصحابي يخبر بأن هذا آخر الأمر، أو بالتاريخ. قال: مثال ما علم تأخره بالنص: قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة»، والحديث في مسلم. فهذا الحديث نص في تحريم الاستمتاع أو المتعة بالنساء، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أذن بها في أول الأمر لما كانوا يحتاجون لذلك في الغزوات، ثم نهى عنها: «إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة»، وهذا نص في تحريم المتعة، وأنه محرم تحريما أبديا. كيف عرفنا أن حكمها منسوخ بنص الحديث؟ علمنا بنص الحديث أن حكمها منسوخ. والمتعة: هو نكاح المرأة بشيء إلى أجل محدود، إلى أجل محدود، يتزوجها لمدة أسبوع أو شهر أو لذلك، مدة محدودة، هذا منسوخ. قال: ومثال ما علم بخبر الصحابي: قول عائشة رضي الله عنها: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضاعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات»، وهذا في الصحيح. فهذا الآن حكم التحريم بالرضاع، أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها أن كان تحريم الرضاع بعشر رضاعات، وأن هذا كان مما أنزل في القرآن، ثم نسخ هذا الحكم إلى خمس رضاعات. يعني: بدل ما كان تحريم بعشر رضاعات، صار التحريم بخمس رضاعات، فالخمس رضاعات نسخت حكم التحريم بعشر رضاعات. كيف عرفنا ذلك؟ عرفنا بخبر الصحابي، بخبر عائشة رضي الله تعالى عنها، أخبرت بنسخ التحريم بعشر رضاعات. قال: ومثال ما علم بالتاريخ: قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، فقوله: «الآن» يدل على تأخر هذا الحكم. وكذا لو ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بشيء قبل الهجرة، ثم حكم بعدها بما يخالفه، فالثاني ناسخ. يعني: إذا حكم بشيء قبل أن يهاجر وهو في مكة، ثم حكم بشيء آخر وهو في المدينة، فيكون ما حكم به بعد الهجرة ناس: لما كان قبل الهجرة، لأنه متأخر. قال: الثالث: ثبوت الناسخ، واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ، فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد، وإن كان ثابتا. يعني: قال: واشترط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ، يعني هذا الدليل المتأخر، لابد أن يكون أقوى من الدليل المتقدم. فالمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، يعني مثلا إذا عندنا آية من القرآن في حكم من الأحكام، وجاء ما يخالفه في السنة التي هي من الآحاد. قالوا: فهذا الدليل الذي في السنة لا ينسخ حكم الآية، لا ينسخ حكم الآية، لأن هذا الناسخ ليس بأقوى من المنسوخ، هكذا قالوا، وإن كان صحيحا ثابتا، لكنه ليس بأقوى منه. قال: والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى، لأن محل النسخ الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر، وهذا هو الصحيح. لا يشترط في حكم النسخ التواتر، لأن مقصود النسخ هو الحكم، فمتى ثبت الدليل الناسخ أو المنسوخ، فإنه يثبت به حكم النسخ، يثبت به حكم النسخ.