شرح الأصول من علم الأصول 23

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 23، الدرس الثالث والعشرون:من( صيغ الأداء:للحديث تحمل وأداء ... على أمر باطل لا يرضى به الله؟!هذا من أكبر المحال ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإجماع لغة واصطلاحا وأهم شروطه

الإجماع يعني الاتفاق والعزم لغة، وهو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، ولا ينعقد مع وجود خلاف. يشترط في الإجماع أن يكون من مجتهدي الأمة وليس العوام أو المقلدين.

حجية الإجماع وأدلته من القرآن والسنة

الإجماع حجة وقد استدل العلماء على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

إجماع الأمة ودليل ثبوته وحقيقته

إجماع الأمة حجة ودليل على الحق، ولا يمكن أن تجتمع على ضلالة أو باطل. يبرهن على ذلك بأن الأمة معصومة من الاجتماع على الخطأ، ويستدل على ذلك بالأدلة الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال علامة المعثيم رحمه الله تعالى: الصيغ الأداء، قال: للحديث تحمل وأداء، فالتحمل أخذ الحديث عن الغير، والأداء إبلاغ الحديث إلى الغير. التحمل يعني أن يأخذ الحديث من غيره فيتحمله، والتحمل للحديث لا يشترط فيه الإسلام ولا البلوغ، لا يشترط فيه الإسلام ولا البلوغ، ودليل ذلك هو أن بعض الأحاديث تحملها كفارها قبل إسلامهم، ثم حدثوا بها بعد إسلامهم وقبلت، وغيرهم أيضا تحملوها في صغرهم ثم أدوها بعد ذلك وقبلت منهم، مثل حديث هرقل، حديث أبي سفيان، قصة هرقل كان إذ ذاك وهو كافر، ثم بعد أن أسلم ذكر هذا الحديث وقبل منه، فكان تحمله له في وقت ماذا؟ قبل الإسلام، وهكذا حديث جبير بن مطعم لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، قالت: هذا قلبي أن يطير، وقبل أن يسلم، حديث كثيرة تحملها بعض الصغار من الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم. والأداء إبلاغ الحديث إلى الغير، إيصال ما سمعه من الحديث إلى غيره، وهنا اشترط العلماء الإسلام والبلوغ في الأداء، لا بد أن يكون مسلما، ما يقبل الحديث للكافر وإن كان تحمله قبل إسلامه، لكن ما يقبل منه إلا بعد الإسلام، لا يقبل منه إلا بعد الإسلام، لأن من شرط الرواية العدالة، والكافر ليس بعدل، وكذا أيضا البلوغ يجد ضبط الرواية، والصغير قد لا يضبط الرواية وما تحمله مثل ماذا؟ ما يكون بعد البلوغ. قال: وللأداء صيغ، منها أولا: حدثني، لمن قرأ عليه الشيخ، يعني إذا قرأ الشيخ على التلميذ أو التلاميذ فيقول حدثنا، أو إذا قرأ عليه وحدة فيقول حدثني. قال: ثانيا: أخبرني، لمن قرأ عليه الشيخ أو أقرأه على الشيخ، لمن قرأ عليه الشيخ، يعني يجوز كذلك أن تقول أخبرني، أو إذا قرأت على الشيخ وأتيت له بأحاديث تقرأها عليه ثم تقول في التحديث أخبرني. قال: الثالث: أخبرني إجازة، أو أجاز لي، لمن روى بالإجازة دون القراءة، والإجازة إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة، يعني أن يجيز الشيخ للتلميذ أن يروي عنه بعض كتبه أو جميع مؤلفاته أو بعض أحاديثه، فيقول: لو أجزت لك مثلا أن تروي عني هذا الكتاب، فيقول: أخبرني إجازة، أخبرني إجازة. والرابعة: العنعنة، وهي رواية الحديث بلفظ عن، يقول: عن فلان، قال، وحكمها الاتصال، إلا من معروف بالتدليس، فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث، يعني حكم العنعنة حكم الاتصال، مثل ما يقول: حدثني أو سمعت، وفي حكمها أيضا أنا، أن قلان، قال، وهكذا أيضا القول: قال قلان، هذه حكم الاتصال، إلا من معروف بالتدليس، يعني إذا كان الراوي هذا قد عرف بالتدليس، وهنا لا يحكم فيها بالاتصال إلا إذا صرح بالتحديث، بالتحديث، لإحتمال أن يكون قد دلس، لإحتمال أن يكون قد دلس في هذه الرواية. قال: هذا وللبحث في حديث ورواة أنواع كثيرة في علم المصطلح، وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله وتعالى، وهذا كما قلنا له كتبه الخاصة في علم المصطلح حديث، لكن هذه مجرد إشارة في هذا الكتاب يتعرف عليها طالب علم أصول الفقه، لأنه كذلك لا يستغني عن معرفة شيء من علم المصطلح. قال رحمه الله: الإجماع، قال: تعريف الإجماع لغة: العزم والاتفاق، أجمع على كذا يعني اتفقوا، أجمعت صدقه يعني عزمت على صدقه، كما قال كعب بن مالك: «فأجمعت صدقه» يعني عزمت، تقول مثلا: أجمعنا على السفر يعني عزمنا. قال: واصطلاحا: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، قال: فخرج بقولنا اتفاق وجود خلاف ولو من واحد، فلا ينعقد معه الإجماع، لأنه قال: في تعريف اتفاق ومعنى اتفاق عدم وجود مخالف ولو كان مخالف واحد على الصحيح، فلا ينعقد الإجماع، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: «إذا قلت أجمع لم تجد أحدا يخالفك هذا»، والإجماع المعتبر، فإذا وجد مخالف ولو واحد ممن يعتد به في الإجماع فإن الإجماع لا ينعقد. قال: وخرج بقولنا مجتهدي العوام والمقلدون، فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم، يعني أن الاتفاق الإجماع المعتبر هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة، يعني العلماء المجتهدون الذين عندهم اطلاع بأحكام الشريعة، وكذلك بلغوا رتبة الاجتهاد ومعرفة الأحكام وقواعد الاستنباط منها، فإذا اتفق العوام - عوام الناس - على شيء فليس هذا إجماعا، أو المقلدون الذين ما عندهم معرفة باستنباط الأحكام من أدلتها، هؤلاء كذلك لا يعتبر إجماعهم، إنما المعتبر إجماع المجتهدين، فلا يعتبر وفاقهم يعني اتفاقهم، ولا خلافهم، يعني إذا وجد منهم من يخالف إجماع المجتهدين فلا يعتبر به، لأنه أصلا غير معتبر، والعامة ما يدركون الأدلة الشرعية ولا كذلك استنباط الأحكام، ولو اعتبر قولهم في الإجماع كما قال بعض الأصوليين، فصار مجلس الإجماع مجلس فوضى، مجلس الإجماع فوضى. قال: وخرج بقولنا هذه الأمة، إجماع غيرها فلا يعتبر، يعني إجماع غير هذه الأمة لا يعتبر، فالمعتبر إجماع هذه الأمة فقط، لأنها أمة معصومة من الضلال. قال: وخرج بقولنا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، اتفاقهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعتبر إجماعا من حيث كونه دليلا، لأن الدليل حصل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ولذلك إذا قال الصحابي: «كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم» كان مرفوعا حكما لا نقلا، للإجماع يعني الإجماع المعتبر في الاصطلاح هو ما كان من اتفاق المجتهدين بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه في حياته العبرة بسنته، العبرة بسنته، والسنة أقوى من الإجماع، السنة أقوى من الإجماع، فالسنة لم يختلف فيها، بخلاف الإجماع فإنهم يختلفون فيه، فإذا وجدت السنة فهي مقدمة، وهكذا قول الصحابي: «كنا نفعل أو كانوا يفعلون» فهذا له حكم الرفع، يعني كالحديث المرفوع، ولا يكون إجماعا، لأن العبرة هنا كما قلنا أيضا هي بسنة النبي عليه الصلاة والسلام المنقولة، وإن كان هذا يعد إجماعا، لكن في الاصطلاح لا يعد إجماعا. قال: وخرج بقولنا على حكم شرعي، اتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا، إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع، يعني لا بد أن يكون الإجماع اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، فخرج به اتفاقهم على غير حكم شرعي، فلا يسمى هذا إجماعا، كاتفاقهم مثلا على حكم عقلي: أن الكل أكبر من الجزء، هذا مجمع عليه إجماعا عقليا، ما تجد أحد يخالف، وهكذا أيضا إجماعهم مثلا على أن ما من تأثير أو أثر إلا ولا بد له من مؤثر، هذا إجماع عقلي، أو إجماع عادي كإجماعهم مثلا أنه لا يمكن الصعود إلى السطح إلا بسلم، هذا إجماع عادي، فلا يسمى إجماعا بالمعنى الشرعي، لكن لا بد أن يكون الإجماع على حكم شرعي من أدلة الشرع، لأن المراد من الإجماع هو النظر: هل هو دليل من أدلة الشرع الذي يستدل به أم لا؟ قال: والإجماع حجة، وقد خلف في الإجماع: هل هو حجة أم لا؟ منهم من قال: ليس بحجة، لأن الحجة في قول الله وقول رسوله عليه الصلاة والسلام، والإجماع إنما هو قول الناس، وكذلك منهم من قال: أن الإجماع لا يمكن أصلا أن يقع، لكثرة الأمة وانتشارها، فلا يمكن استيعاب أقوال جميع العلماء، هذا في الشرق وهذا في الغرب، فالإجماع غير ممكن أصلا، وإذا كان غير ممكن إذن فليس بحجة. وبعض الناس يستدل بقول الإمام أحمد رحمه الله: «من قال أجمع فقد كذب، ما يدريك لعل الأمة اختلفوا أو أعلى الناس اختلفوا»، والصحيح أن الإجماع ممكن وأنه حجة، أنه ممكن وأنه حجة، أما إمكانه ذلك بتتبع أقوال العلماء، تتبع أقوال العلماء، وهو كما سيأتي معنا ما يسمى بالإجماع الاستقرائي، وأما كونه حجة فستأتي الأدلة على حجية الإجماع. وأما قول الإمام أحمد رحمه الله: «ما يدريك لعل الناس اختلفوا»، فإنه أراد رحمه الله الرد على من كان يكثر من الاستدلال بالإجماع في مسائل النزاع والخلاف، فبعض الفقهاء ربما يكثر من نقل الإجماع في مسائل مختلف فيها، فأراد رحمه الله الإنكار عليهم وعلى أمثالهم ممن يتساهلون في نقل الإجماع من غير النظر في أقوال العلماء، من غير نظر في أقوال العلماء، فينقل الإجماع ثم يتبين أن هناك خلافا، فلذلك قال رحمه الله: «من قال أجمع فقد كذب»، ما أدراك لعل الناس اختلفوا، ولم يرد بذلك رحمه الله إبطال حجية الإجماع، لم يرد بذلك إبطال حجية الإجماع، وإنما كما قلنا أراد الرد على المتساهلين في نقل الإجماع، وإنما أراد أن يكون هناك تثبت في نقل الإجماع. قال: وكذلك أيضا مما ينبغي التنبيه عليه: أنه ربما أنكر بعض أهل السنة أو من ينتسب إلى أهل السنة الإجماع، ولم يرد بذلك نفي الإجماع المعتبر، وإنما أرادوا نفي الإجماع الذي ينقل وهو غير صحيح، وربما يقولون بعدم ثبوت الإجماع أو عدم حجية الإجماع، وهؤلاء يمكن أن يكون خلافهم لفظي، ومع ذلك فلا شك أن الأولى عدم إطلاق هذه العبارة، يعني إنكار الإجماع، لأن كثيرا من أهل البدع ينكرون الإجماع، كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم ينكرون الإجماع، ولهذا يستدل عليهم أهل السنة في كثير من المواضع بالإجماع، فإنهم ماذا ينكرونه؟ وأهل السنة يحتجون بالإجماع في كثير من المسائل في باب الأسماء والصفات وغيرها من مسائل العقيدة، يردون على أهل البدع بإجماع السلف، وفهم السلف، وهذا إجماع، وهذا إجماع، فإذا رد عليهم بذلك قالوا: أنتم يا أهل السنة تنكرون الإجماع، منكم من ينكر الإجماع، فيكون في ذلك ماذا؟ تطويل في المناظرة، واحتياج ماذا إلى بيان مراد أهل السنة من إكرام الإجماع، فلأجل ذلك وسدا لمثل هذا الباب، فإنه لا ينبغي ماذا؟ إطلاق إنكار الإجماع. قال: والإجماع حجة لأدلة منها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فقول: شهداء على الناس يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم، والشهيد قوله مقبول، وهذا الاستدلال بهذه الآية على الإجماع بالاستنباط، فقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد: «أن الوسط العدل»، أمة وسط أي عدل، وجاء في خارج الصحيح عند الترمذي وغيره: «أن الوسط أي الخيار»، فإذا كانت هذه الأمة هي أعدل الأمم وخير الأمم، دل ذلك ماذا؟ على قبول شهادتها، وأن هذه الأمة شاهدة على سائر الأمم، بتكون شهداء على الناس، فإذا قبلت شهادتهم على أعمالهم وما يعملون، فإن كذلك تقبل ماذا؟ على أحكامهم. قال: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دل على أن ما اتفقوا عليه حق، يعني هذه الآية أمرت بالرجوع عند التنازع إلى الله والرسول، إلى الله إلى كتابه، وإلى الرسول إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، ومفهوم الآية: إن لم يكن هنا تنازع فلن نحتاج ماذا إلى الرجوع إلى الله والرسول، وهذا هو الإجماع، يعني إذا اتفقنا واجتمعنا لا نحتاج إلى التحاكم، فدل ذلك على حجية الإجماع. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، الحديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله، والحديث الغاية من طرقه فيها ضعف، وبعض أهل العلم حسنه بمجموع طرقه، وهي الظاهر، والله أعلم، لا تلتقي الحجية لشدة ضعفها، ومع ذلك معنى الحديث صحيح، ويؤيده أحاديث كثيرة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة معنى هذه الأحاديث التي فيها أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، فإذا اجتمعت على حكم من الأحكام فإن إجماعها حجة. قال: رابعا: أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقا وإما أن يكون باطلا، فإن كان حقا فهو حجة، وإن كان باطلا فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟ هذا من أكبر المحال، وهذا دليل عقلي: أن إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقا وإما أن يكون باطلا، إما أن يكون حقا وإما أن يكون باطلا، فإن كان حقا فهو حجة، وإن كان باطلا فكيف تجتمع الأمة المعصومة التي هي خير الأمم، والتي كذلك أكرم الأمم، والشاهد على جميع الأمم، تجتمع على ماذا؟ تجتمع على ضلالة وعلى باطل؟ فهذا محال ولا يمكن، فدل ذلك على أن إجماعهم حجة، دل على أن إجماعهم حجة.