الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 2، الدرس الثاني:من( فائدة أصول الفقه ... ويمسى فرضاً وفريضة وحتماً ولازماً ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أهمية علم أصول الفقه وتاريخه، حيث يبين المؤلف أهمية هذا العلم في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، ويشير إلى أن الإمام الشافعي كان أول من جمعه كفن مستقل.
هذا الفصل يشرح تعريف الحكم الشرعي في علم أصول الفقه، ويوضح أقسامه وحدوده، ويبين أن الحكم الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع.
الفصل يتناول تعريف الواجب وأقسامه، حيث يُعرَّف الواجب بأنه ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، ويوضح أسماء الواجب المختلفة في الشريعة الإسلامية مثل الفرض والفريضة.
قال المؤلف رحمه الله: فائدة وصول الفقه، قال: إن وصول الفقه علم جليل القدر، بالغ الأهمية، عزيز، قليل الفائدة. فائدته التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أسس سليمة. يعني تستطيع من دراسة هذا العلم أن تستخرج الأحكام الشرعية من أدلتها من كتاب الله، والسنة، وهكذا أيضا من الإجماع والقياس على أسس سليمة، يعني أسس صحيحة. وذلك كما علمنا وسمعنا أنك تعرف لذات الألفاظ من العام وخاص، ومطلق ومقيد، وناسخ ومنسوخ، وتعرف كيف تتعامل مع الأدلة التي في ظاهرها التعارض، وهكذا غير ذلك من الأمور التي تستفيدها من معرفة هذا العلم. قال: وأول من جمعه كفن مستقل الإمام الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله، وذلك في كتابه الرسالة. هو أول من جمع هذا العلم، أي علم أصول الفقه، كفن مستقل. وإلا فعلم الأصول له أصل في الشريعة، له أصل في الشريعة، من ذلك مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث التشهد، حديث ابن مسعود في الصحيحين، لما علمه التشهد، قال له: قول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم قال: فإنك إذا فعلت ذلك فقد سلمت على كل عبد صالح في السماء والأرض. من أين هذا العموم من قوله: على عباد الله؟ لأن عباد الله جمع مضاف، والجمع إذا أضيف دل على العموم. وهذا مما يدل على أن علم الأصول له أصول في الشريعة. وهكذا أيضا استدلال الصحابة بعموم الآيات، مثل نزول قول الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، فهموا من هذه الآية العموم، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد بهذه الآية هو خصوص الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: «يا بني، لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم». والشاهد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهموا العموم من لفظ الآية، لأن لفظها ماذا؟ جاء أو ورد فيه العموم من قوله: الذين، أولا الذين اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم، ومن قوله: لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وظلم نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي من ألفاظ العموم. ففهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم العموم من هذه الآية، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، ولم ينكر عليهم. وهذا كذلك مما يدل على علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا العلم. لكن لم يكن قد كتب وألف في فن مستقل، وإنما كانت معرفتهم له كما يقال: سجية، كمعرفتهم باللغة العربية. ثم جاء تدوينه بعد ذلك، وكان أول من فعل ذلك ما سمعنا: الإمام الشافعي رحمه الله. قال: ثم تابعه العلماء في ذلك، فألفوا فيه التآليف المتنوعة، ما بين منثور ومنظوم، ومقتصر ومبسوط، حتى صار فنا مستقلا له كيانه ومميزاته. منثور يعني مكتوب كتابة، ومنظوم يعني نظم شعر، ومختصر ومبسوط واضح، يعني موسع. إلا أنه قد دخل في علم أصول الفقه علم الكلام، الذي كان سببا في تعقيد هذا العلم، كان سببا في تعقيد هذا العلم على كثير من طلبة العلم. وأول من أدخله هو الباقلاني أبو بكر الباقلاني، هو من أئمة الأشاعرة، كان أول من دس علم الكلام في أصول الفقه. وحاول العلماء على تصفية هذا العلم من علم الكلام، منهم أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله، وهكذا أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، شيخ الإسلام في مواضع، كما في «مجموعة الفتاوى»، وابن القيم في «إعلام الموقعين». وهكذا أيضا الإمام الشوكاني في كتابه «الإرشاد». ومع ذلك ذكر بعض المسائل الكلامية. قال رحمه الله: الأحكام، الأحكام جمع حكم، وهو لغة: القضاء، يعني بمعنى القضاء، مثل في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، ﴿إن أنزل لك كتابا الحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، يعني تقضي. قال: واصطلاحا: ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع. قال: فالمراد بقولنا خطاب الشرع: الكتاب والسنة. وقول: خطاب الشرع، يخرج به ماذا؟ غير خطاب الشرع، غير خطاب الشرع، خطاب الإنسان وغيره. قال: والمراد بقولنا المتعلق بأفعال المكلفين: ما تعلق بأعمالهم، سواء كانت قولا أم فعلا، إيجادا أم تركا. فخرج به ما تعلق بالاعتقاد، فلا يسمى حكما بهذا الاصطلاح. يقول: المراد بقولنا المتعلق بأفعال المكلفين: ما تعلق بأعمالهم، يعني بأعمال المكلفين، والمكلفين جمع مكلف، والمكلف هو البالغ العاقل، هو البالغ العاقل. قال: ما تعلق بأعمالهم، سواء كانت قولا أم فعلا، يعني سواء كان العمل قولا أم كان فعلا. الفعل واضح، والقول كذلك، فإنه يسمى فعلا. ويدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿زخرف القول غرورا﴾، ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾، ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾، فسمى قولهم فعلا. قال: فخرج به ما تعلق بالاعتقاد، فلا يسمى حكما بهذا الاصطلاح. ما يتعلق بالاعتقاد، فهذا لا يسمى حكما، لكن بهذا الاصطلاح، وإلا فهو يسمى حكما، مثل اعتقاد أن الله في السماء، هذا حكم يجب اعتقاده، لكن في اصطلاح الحكم في هذا الموضع، فإنه لا يدخل فيه ما يتعلق بالاعتقاد. قال: المراد بقولنا المكلفين: ما من شأنهم التكليف، فلا يشمل الصغير والمجنون. فلا يشمل الصغير والمجنون، فالصغير ليس بمكلف لأنه لم يبلغ، والتكليف إنما يتوجه إلى البالغ، والمجنون لأنه لا عقل له، والتكليف من شرطه العقل. قال: والمراد بقولنا من طلب: الأمر والنهي، سواء على سبيل الإلزام أو الأفضلية. والمراد بقولنا أو تخيير: المباح، يعني قوله من طلب يشمل الأمر والنهي، سواء على سبيل الإلزام، وهو الواجب، أو الأفضلية، وهو المندوب. والمراد بقولنا أو تخيير: المباح، الذي ليس فيه أمر ولا نهي، ونهي على سبيل الإلزام، وهو المحرم، أو الأفضلية، وهو المكروه، والمباح أو التخيير المباح، الذي ليس فيه أمر ولا نهي. قال: والمراد بقولنا أو وضع: الصحيح والفاسد، ونحوهما مما وضعه الشارع من علامات وأوصاف للنفوذ والإلغاء، يعني ما جعله الشرع ووضعه للدلالة على شيء من الأشياء، كالأسباب والشروط والموانع. وهذا يسمى الأحكام الوضعية، وسيأتي الكلام عليها. قال رحمه الله: أقسام الأحكام الشرعية، تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. قال: في التكليفية خمسة: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. هذه الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. وهذه عرفت بالاستقراء، عرفت بالاستقراء أن الأحكام تنقسم إلى خمسة أحكام: واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح. قال: فالواجب لغة: الساقط واللازم. الساقط واللازم، ومنه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾، ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾، إذا وجبت جنوبها، يعني إذا سقطت لزوما محلها، يعني الإبل عندما تنحر تعقل يد البصرة، فإذا نحرت سقطت، فأمر هنا بالوجوب إذا وجبت جنوبها، يعني سقطت. قال: واصطلاحا: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، كالصلوات الخمس. قال: فخرج بقولنا ما أمر به الشارع: المحرم والمكروه والمباح. لماذا خرج المحرم؟ لأن الشرع لم يأمر به، لم يأمر به. وهكذا المكروه لم يأمر به، وإنما نهى عنه، والمباح كذلك لم يأت فيه ماذا؟ أمر ولا نهي. قال: وخرج بقولنا على وجه الإلزام: المندوب. على وجه الإلزام، يعني ما أمر به الشرع على وجه الإلزام، خرج به المندوب، لأن الشرع أمر به لا على وجه الإلزام، وإنما على وجه الاستحباب والأفضلية. قال: والواجب يثاب فاعله امتثالا، ويستحق العقاب تاركه. هذا ثمرة الواجب، هذا ثمرة الواجب. تعريف الواجب: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام. وإن كان التعبير بلوغ الشارع الأولى تركه، وأن يعبر بلوغ الشرع لوروده في أدلة الكتاب والسنة، لكن إذا كان مراد به باب الإخبار، فلا بأس. قال: والواجب يثاب فاعله امتثالا، ويستحق العقاب تاركه. يثاب فاعله امتثالا، يعني إذا فعل الواجب على وجه الامتثال للشرع، فهذا يثاب على فعله. ومعنى ذلك أنه إن لم يفعله امتثالا، فإنه لا يثاب، بل ربما يأثم إذا فعله رياء، صلى رياء لم يصل لله سبحانه وتعالى امتثالا، تصدق رياء، فهذا يأثم، ليس مجرد عدم ثواب، بل يحصل له الإثم. قال: ويستحق العقاب تاركه، يعني إذا ترك الواجب، فإنه يستحق العقاب على تركه، لأنه ترك واجبا مأمورا به. والأولى أن يعبر كما ذكر رحمه الله: ويستحق العقاب تاركه، هذا أفضل من قول بعضهم في الواجب: ما يثاب فاعله امتثالا، ويعاقب تاركه. ويعاقب تاركه، لماذا؟ لأن تارك الواجب هو فاعل لمعصية، وصاحب المعصية على الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة: أنه تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. فلذلك لا نجزم له بالعذاب، لا نجزم له بالعذاب، إنما نقول: يستحق العقاب، يعني إن عقبه الله، يستحق العقاب إن عقبه الله، وإن لم يعاقبه، فهو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى. قال: يسمى فرضا، وفريضة، وحتما، ولازما، يعني كلها من أسماء الواجب، يقال له: الفرض، والفريضة، والحتم، واللازم، كل هذه مما تؤدي معنى الواجب.