شرح الأصول من علم الأصول 25

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 25، الدرس الخامس والعشرون:من( القياس ... إذا من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في القياس وأركانه وأدلته

يشرح هذا الفصل تعريف القياس وأركانه الأربعة: الفرع والأصل والحكم والعلة، ويبين كيفية عمل القياس وأهميته في إثبات الأحكام الشرعية، كما يستعرض أدلة القياس من القرآن والسنة النبوية وأقوال الصحابة. يتناول أيضاً آراء مختلف الفرق الإسلامية حول القياس.

شروط صحة القياس في الفقه الإسلامي

يتناول هذا الفصل شروط القياس في الفقه الإسلامي كما ذكرها ابن القيم، حيث يشترط لصحة القياس ألا يصادم دليلاً أقوى، وأن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع، وأن يكون لحكم الأصل علة معلومة. يُوضح أمثلة على القياس الفاسد والصحيح، ويُبرز أهمية توفر شروط القياس لضمان صحة الأحكام الفقهية.

أقسام القياس: الجلي والخفي

يناقش هذا الفصل أقسام القياس إلى جلي وخفي، حيث يُشرط وجود علة مناسبة للحكم وتكون موجودة في الفرع كوجودها في الأصل. يُوضح الفرق بين القياس الجلي الذي ثبتت علته بنص أو إجماع، والقياس الخفي الذي ثبتت علته بالاستنباط، مع تقديم أمثلة على كل قسم.

التفريغ النصي الكامل

قال وبالله التوفيق تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما هذا تعريف القياس، تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، فعندنا فرع وأصل وحكم وعلة، هذه أركان القياس. قال: فالفرع المقيس -يعني الذي يراد إثبات حكمه- الذي يراد إثبات حكمه، فهو الفرع، والأصل المقيس عليه، والحكم مقتضى الدليل الشرعي من وجوب أو تحريم أو صحة أو فساد أو غيرها، والعلة المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، العلة الذي ثبت بسببه حكم الأصل، يعني مثلا حرم الخمر لعلة الإسكار، فالعلة هي الإسكار، هي المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل وهو التحريم. قالوا: هذه الأربعة أركان القياس، لا بد في القياس من وجود هذه الأركان الأربعة: الفرع والأصل والحكم والعلة. فمثلا الخمر نص الشرع على تحريمه لعلة الإسكار، نريد أن نقيس على الخمر غيره مما لم ينص الشرع على تحريمه، مثلا نبيذا إذا صار مسكرا فنريد إلحاقه بالخمر، فالآن الخمر أصل، الخمر أصل وهو المقيس عليه، والنبيذ فرع وهو المقيس الذي يراد إثبات حكم الأصل في هذا الفرع، والعلة الإسكار علة الأصل هي الإسكار، وهذه العلة موجودة في الفرع، وهذا النبيذ قد صار مسكرا، إذن فيأخذ هذا الفرع حكم هذا الأصل وهو التحريم. فالآن سوينا هذا الفرع بهذا الأصل في الحكم لعلة جامعة بينهما وهي الإسكار. قال: القياس أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية، وقد دل على اعتباره دليلا شرعيا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة. والقياس الناس فيه طرفان ووسط، منهم من أنكر القياس وأبطله كالظاهرية، فقالوا: القياس باطل، وأول من قاس هو إبليس، قال: «أنا خير منه خلقتن، وخلقته من طين»، فمن قاس فهو متشبه بإبليس. وأن الله عز وجل أمرنا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ما أمرنا بالرد إلى الآراء؛ لأن القياس يعتبر الرأي من الآراء. فقالوا: القياس باطل. وكان منهم من ربما ينكر القياس على وجه الإطلاق، ومنهم من ربما ينكر القياس الخفي ويثبت الجلي، لكن بغير اسمه يسميه، مثلا عموم نص ونحو ذلك، كما قد يفعله بعض أهل الحديث، قد ينكر لفظ القياس لكنه يعمل به ويسميه بغير اسمه. بل حتى هؤلاء الذين ينكرون القياس لا يستغنون عنه، وآخرون غلوا في إثبات القياس وربما قاسوا مع وجود النصوص كحال أهل الرأي، وهذا أيضا من الغلط. والحق بذلك وسط لا إفراط ولا تفريط، قد حذر أهل العلم من الإفراط في القياس واستخدامه مع وجود النصوص أو التقصير في البحث عن نص، كما قال إمام أحمد رحمه الله: «يتجنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس أو أكثر خطأ الناس في الفقه من باب الإجمال والقياس»، وذلك لأنه يأتي يقيس مع وجود النص فيكون قياسه باطلا فاسدا. والحق إذا كما قلنا أنه وسط، لا يرجع إلى القياس إلا عند عدم وجود النص، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: هو كالميت، يرجع إليه عند الضرورة. وأما من قاس مع وجود النص فقياسه فاسد الاعتبار. قال: فمن أدلتهم من الكتاب قوله تعالى: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾، والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها، وهذا عام سواء كان ميزانا حسيا أو معنويا، فما توزن به الأشياء ويقايس به بينها فهو من الميزان الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾، وقول الله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾، فشبه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه، وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، وهذا هو القياس. وهذا ظاهر، ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾، فشبه سبحانه وتعالى إعادة الخلق بابتدائه، يعني كما أن الله عز وجل بدأ خلق الخلق بعد العدم فكذلك الله سبحانه وتعالى يعيدهم ويحييهم بعد موتهم. وهكذا شبه إحياء الأموات بإحياء الأرض، فالله عز وجل يحيي الأرض بعد موتها بإنزال المطر، وهكذا يحيي الله عز وجل الأموات بعد موتهم كما أنه يحيي الأرض بعد موتها، وهذا من القياس. وكما قال ابن القيم رحمه الله: كل مثال ضربه الله عز وجل في القرآن فهو دليل على القياس، كل مثال ضربه الله في القرآن فهو دليل على القياس. وطال ابن القيم رحمه الله في ذكر كثير من الآيات التي يستدل بها على القياس في كتاب «إعلام الموقعين». قال: ومن أدلتهم من السنة قوله صلى الله عليه وسلم لمن سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها: «أرأيتي لو كان على أمك دين فقضيتي أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك». والحديث في الصحيحين. وهذا كما ترون قياس، قياس دين الله بدين الخلق. سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها، قال: «أرأيتي لو كان على أمك دين فقضيتي أكان يؤدي ذلك عنها؟» يعني هل ينفعها ذلك؟ قالت: نعم، قال: «فدين الله» -أو قال: «وصومي عن أمك»- يعني أدي هذا الدين الذي هو لله سبحانه وتعالى، فقاس دين الله بدين الخلق، وكما أن دين الخلق ينفع الميت بعد موته إذا سدد عنه، فكذلك أيضا ما يكون في ذمة الميت من دين لله سبحانه وتعالى. قال: وأفاد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله ولد لي غلام أسود»، فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» -يعني لونه يغير لون الحمر الذي يليونه كلون الفضة، وهو أورق من الورق، وهو الفضة، وهو الذي يكون فيه سواد يخالطه بياض- قال: نعم، قال: «فأنى أتى هذا الأورق؟» -يعني كيف جاء هذا الأورق- قال: «لعله نزعه عرق»، فقال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق». والحديث في الصحيحين، والقياس منه ظاهر. فهذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بأنه ولد له غلام أسود، وليس من أبويه أحد أسود، فقال له النبي: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم، قال: «فأنى أتى هذا الأورق؟» قال: «لعله نزعه عرق»، فقال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق». فقاس النبي صلى الله عليه وسلم هذا الولد بهذه الإبل. قال: وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس؛ لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره. قال: من أقوال الصحابة ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، قال: «ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق». قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، أي كتاب عمر إلى أبي موسى، وتكلم عليه وأطال الكلام ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين». والشاهد منه قول عمر لأبي موسى: «ثم الفهم الفهم»، وهذا كما يقول العلماء يسمى بالإغراء، قال: «فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة»، يعني: الأول الأصل القرآن والسنة، فما ورد عليك تعرف له دليل من الكتاب والسنة أخذت به، لن تجد له دليل من الكتاب والسنة فهنا ترجع إلى القياس. وكذلك أيضا تحري العقل والفهم في معرفة الأمور ومعرفة الأمثال وإلحاق النظير بنظيره والمثيل بمثيله، «ثم قايس الأمور عندك واعرف الأمثال»، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، تلحق النظير بنظيره والمثيل بمثيله. والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. قال: وحكى المزني أن الفقهاء من عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام. فالصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من العلماء استعملوا القياس وعملوا به في كثير من الأحكام، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم، وكما قلنا ما أنكره إلا الظاهرية، وعيب ذلك عليهم، وكذلك أيضا عد ذلك منهم من الأشياء التي أخطأوا فيها. والصواب كما قلنا العمل به عند عدم وجود النصوص، بشرط توفر شروط القياس. قال: شروط القياس: للقياس شروط، منها أولا: أن لا يصادم دليلا أقوى منه، فالاعتبار بقياس يصادم النص أو الإجماع أو أقوال الصحابة -إذا قلنا قول الصحابي حجة- يسمى القياس المصادم لما ذكر فاسد الاعتبار. هذا شرط الأول: أن القياس لا يصادم الدليل الأقوى منه، فإذا كان عندنا قياس يصادم النص -يعني يصادم آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- فهذا يسمى قياس فاسد الاعتبار لا يعتبر به، أو يخالف الإجماع فهو كذلك قياس فاسد؛ لأن الإجماع أقوى من القياس، الإجماع أقوى من القياس، أو يخالف قول صحابي على القول بأنه حجة، فكذلك يكون فاسد الاعتبار. قال: مثاله أن يقال: يصح أن تزوج المرأة الرشيد نفسها بغير ولي؛ قياسا على صحة بيعها مالها بغير ولي. هذا قياس قاس به الحنفية، قالوا: يجوز للمرأة أن تزوج نفسها بلا ولي كما أنها يجوز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن وليها؛ فكما أنها ملكت التصرف في مالها بغير إذن وليها فكذلك لا تصرف في نفسها بغير إذن وليها. قياس. قال: هذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، رواه الخمسة إلا النسائي. فهذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا نكاح إلا بولي، لا بد من وجود الولي في النكاح، فتزويج المرأة نفسها بلا ولي وقياس ذلك على التصرف في مالها قياس مصادم لهذا النص، فيكون فاسد الاعتبار. ومثل أيضا مما يدور على وجوب الولي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾، والخطاب للأولياء، والخطاب للأولياء. وهكذا أيضا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾، والخطاب كذلك للأولياء، فدل ذلك على أن النكاح لا يتم إلا بولي، فهذا الآن قياس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار. قال: الثاني: أن يكون حكم الأصل ثابتا بنص أو إجماع، فإن كان ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه؛ وإنما يقاس على الأصل الأول؛ لأن الرجوع إليه أولى، ولأن قياس الفرع عليه الذي جعل أصلا قد يكون غير صحيح، ولأن القياس على الفرع ثم الفرع على الأصل تطويل بلا فائدة. يقول: الشرط الثاني لصحة القياس أن يكون حكم الأصل ثابتا بنص أو إجماع، يعني هذا الآن الأصل الذي تريد أن تقيس عليه لا بد أن يكون ثابتا بنص أو إجماع، إما آية من كتاب الله أو ثابت بحديث من رسول الله أو بإجماع من العلماء على ثبوت هذا الحكم في هذا الأصل. طيب: فإن كان هذا الحكم الأصل ليس ثابتا بنص أو إجماع، وإنما ثبت بقياس -يعني هو فرع قيس على أصل- فأردنا أن نقيس فرعا آخر على هذا الفرع الذي قسناه على الأصل، فهذا الآن لا يصح القياس؛ وإنما يقاس على الأصل الأول؛ لأن الرجوع إلى الأصل الأول أولى من القياس على الأصل الثاني الذي هو في الأصل فرع. لماذا؟ لأن ربما يكون القياس الأول غير صحيح، القياس الأول هذا قد يكون غير صحيح الذي نريد أن نقيس عليه، لكن إذا قسنا على الأصل الأول هنا نسلم من الخطأ. وكذلك أيضا أن قياسنا على الفرع الأول تطويل بلا فائدة، بدل أن نقيس الفرع على الفرع ثم الفرع على الأصل، مباشرة نقيس الفرع على الأصل. قال: مثال ذلك أن يقال: يجري الربا في الذرة قياسا على الرز، ويجري في الرز قياسا على البر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال: يجري الربا في الذرة قياسا على البر؛ ليقاس على أصل ثابت بنص. الآن عندنا الأصل وهو الرز، نعم الرز أصل، والبر أصل ثبت به النص في جريان الربا فيه، فقسناه على البر، فالرز الآن الفرع الأول الذي قسناه على البر، ثم جئنا بالذرة وأردنا أن نقيسها على الرز، نقيسها على الرز. قال: فهنا القياس غير صحيح، لكن نقيس الذرة مباشرة على البر، بذل ما نقيسها على الرز والرز يقاس على البر. مباشرة نقيس الذرة على البر، نأتي إلى الأصل الثابت بالنص الذي ثبت حكمه بالنص، فالبر ثبت جريان الربا فيه بالنص. قال: الثالث: أن يكون لحكم الأصل علة معلومة؛ ليمكن الجمع بين الأصل والفرع فيها، فإن كان حكم الأصل تعبديا محضا لم يصح القياس عليه؛ لأنه عندنا الحكم حكم الأصل كان من أركان القياس، وكذلك العلة، لا بد في هذه العلة أن تكون معلومة، المعنى أن يكون لها معنى معقول يمكن إلحاق فرع بهذا الأصل بهذه العلة. فإن كانت هذه العلة عبارة عن أمر تعبدي محض -يعني ما نعلم علته، ليس هناك له علة معقولة المعنى- هذا لا يصح به القياس. قال: مثال ذلك أن يقال: لحم النعامة ينقض الوضوء قياسا على لحم البعير لمشابهته له، ووجه المشابهة هو قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الصيد -يعني في حال الإحرام- أن من قتل نعامة فعليه بعير، فإذا قال قائل: ما دام أن النعامة تلحق بالبعير في جزاء الصيد، إذن فنحن نقيس النعامة على البعير في وجوب الوضوء من أكل لحمها. فيقال: هذا قياس غير صحيح؛ لأن حكم الأصل ليس له علة معلومة، وإنما هو تعبدي على المشهور -يعني عند الإمام أحمد وهو الصحيح- فالأمر بالوضوء من لحم الإبل لا تعلم علته، ما هي العلة في ذلك؟ لا يعلم، بل هو أمر تعبدي تعبدنا الله سبحانه وتعالى بذلك، فإذا كان كذلك إذن لنستطيع أن نلحق بلحم البعير غيره لعدم العلم بالعلة، إذن فقياس النعامة على البعير في وجوب الوضوء من أكل لحمها قياس ليس بصحيح لعدم العلم بالعلة. قال: الرابع: أن تكون العلة جامعة على معنى مناسب للحكم يعلم من قواعد الشرع اعتباره، كالإسكار في الخمر، فإن كان المعنى وصفا طرديا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به، كالسواد والبياض مثلا. الشرط الرابع: أن تكون العلة جامعة على معنى مناسب للحكم، يعني أن لا بد أن تكون العلة تجمع على معنى يناسب إلحاق حكم الأصل لهذا الفرع، يعني انتقال الحكم من الأصل إلى الفرع وإلحاق الفرع لهذا الأصل، لا بد أن تكون هناك علة مناسبة يحصل بها هذا القياس، يعلم من قواعد الشرع مثل الإسكار مثلا، علة مناسبة لتحريم الخمر، فهنا يصلح إلحاق غير الخمر بالخمر مما وجد فيه هذه العلة وهي علة الإسكار، هذا وصف مناسب لترتب هذا الحكم. بخلاف ما لو كان العلة وصفا طرديا، إذا كان المعنى وصفا طرديا -وهو الذي لا يتعلق به حكم- مثل السواد والبياض والطول والقصر والسمن والنحف مثلا، هذه أوصاف طردية لا يتعلق بها حكم، فلا تكون مناسبة لتعليق الحكم. قال: مثال ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت، قال: «وكان زوجها عبدا أسود»، فقوله: «أسود» وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم. ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا كانت عتقت تحت حر وإن كان أسود. الحديث في البخاري. بريرة لما عتقت خيرت على زوجها، هذا إذا كانت تحت عبد -يعني مملوك مثلها- فإذا عتقت المملوكة صارت حرة، وإذا صارت حرة صارت أرفع من زوجها المملوك، فلهذا تخير: إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت فسخت النكاح. فبريرة خيرت حين عتقت، وكان زوجها عبدا أسود، هذا الآن الوصف «عبد أسود»، هل هذا وصف مناسب لتعليق هذا الحكم؟ يعني حصول التخيير لكونه أسود؟ فإذا كان أبيض ليس لها الخيار، الجواب: لا، هذا وصف طردي، وصف طردي غير مناسب لتعليق الحكم، فلو كان أبيض كذلك لها الخيار إذا كان مملوكا. وأما إن كان حر فليس لها الخيار ولو كان أسود، إذن فهذا الوصف ليس له معنى مناسب في تعليق الحكم؛ لأنه وصف طردي. قال: الخامس: أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، كالإذاية في ضرب الوالدين المقيس على التأفف. قال: أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، كالإذاية في ضرب الوالدين المقيس على التأفف، يعني قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تقل لهما أفن﴾، هذا الآن نص في تحريم التأفف، في تحريم التأفف. طيب قياس الضرب، ما هي العلة في أن نهى عن التأفف؟ هي الإذاية؛ لأن هذا يؤذي الوالدين، بالأجل ذلك نهى عن التأفف، فالضرب إذا كان التأفيف منهي عنه فنريد أن نقيس على التأفف الضرب، فنقول: علة الإذاية موجودة في الفرع كوجودها في الأصل. فكما أنه يحصل بالتأفف كذلك يحصل بالضرب، بل هو أولى، بل هو أولى بالمنع، والضرب أشد، ولهذا بعض العلماء يقول هنا: أن النهي عن الضرب قد دل عليه الدليل، نطقا، دل عليه الدليل نطقا لا نصا؛ وذلك لأن التنبيه على ما هو أدنى إشارة إلى ما هو أعلى منه، فإذا كان الشرع نهى عن التأفف فهو دلالة على النهي عن ما هو أعلى وأشد من التأفف، وهو الضرب، فالضرب أشد من التأفف. قال: فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس، إذا لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس. مثال ذلك أن يقال: العلة في تحريم الربا في البر كونه مكيلا، ثم يقال: يجري الربا في التفاح قياسا على البر، فهذا قياس غير صحيح؛ لأن العلة غير موجودة في الفرع، إذ التفاح غير مكيل. الآن قلنا: لا بد أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس. فالعلة في تحريم الربا في البر كونه مكيلا -على القول بأن العلة هي الكيل- فيقال: يجري الربا في التفاح قياسا على البر، فيقال: هذا قياس غير صحيح؛ لماذا؟ لأن العلة هنا غير موجودة في الفرع، وهي الكيل، فالتفاح غير مكيل، التفاح لا يكال إنما يوزن، فلهذا صار القياس هنا غير صحيح لعدم وجود علة الأصل في الفرع، فلم يصح القياس. قال: أقسام القياس: انقسم القياس إلى جلي وخفي، وهذا القياس هو القياس الخفي، هو الذي أنكره كما قلنا بعض أهل الحديث ممن أنكر القياس وشدد في القياس أرادوا بذلك القياس الخفي. وأما القياس الجلي فإن عامة العلماء يثبتونه، وإن أنكره بعضهم لفظا لكنه يعمل به أو يسميه بغير اسمه، كان يقول: عموم نص ونحو ذلك. فالخلاف معهم لفظي. قال: انقسم القياس إلى جلي وخفي، فالجلي ما ثبتت علته بنص أو إجماع، أو كان مقطوعا فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. هذا القياس الجلي، ومعنى الجلي: يعني الظاهر البين الواضح، ثبتت علته بنص أو إجماع، ثبتت علة هذا الأصل بالنص، وكذلك بالإجماع على أن علة هذا الحكم حكم الأصل هو كذا وكذا. أو كان مقطوعا فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، يعني ليس هناك فرق بين الفرع وبين الأصل مقطوع به، شيء مقطوع به أنه لا فرق بين الأصل وبين الفرع، فهذه علة جلية واضحة، وقياس جلي. قال: مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروسة؛ فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص، يعني المنع من الاستجمار بالروسة هذا الأصل، قال: حيث أتى ابن مسعود رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروسة ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين وألقى الروسة وقال: «هذا ركس»، والركس النجس، والحديث في البخاري، والركس من معانيه النجسة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز الاستنجاء بالروسة لكونها نجسة، فكذلك لا يجوز الاستنجاء بالدم النجس الجاف؛ لأنه نجس، فهذا الآن قياس ثابت علته بالنص. وأوضح منه قياس النبي صلى الله عليه وسلم الخمر لعلة الإسكار، فعلة الإسكار ثابتة بالنص، «كل مسكر خمر، كل مسكر حرام». قال: مثال ما ثبت علته بالإجماع: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان، والحديث في الصحيحين، قال: فقياس منع الحاقم من القضاء على منع الغضبان من القضاء من القياس الجلي؛ لثبوت علة الأصل بالإجماع، وهي تشويش الفكر وانشغال القلب. طيب: وهذا ظاهر، فعلة النهي عن قضاء القاضي وهو غضبان كما قلنا هي تشويش الفكر، وهذه علة أجمع عليها العلماء، أجمع عليها العلماء أن العلة في ذلك هو ما يحصل من تشويش الفكر وانشغال القلب، فإذا كان الغضب الذي يقع فيه القاضي يكون مانعا له من القضاء بالقضاء الشرعي وإصابة الحكم، فهنا يمنع من القضاء. وأما كان غضبا يسيرا لا يمنع من إصابته للحق فهذا لا يمنع من القضاء، وصحته ودين ذلك قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأنصاري والزبير حين غضب عليه الصلاة والسلام ومع ذلك قضى. فإذا كان قد وصل به الغضب إلى حد لا يستطيع معه أن يصيب الحق فهنا يمنع من القضاء. طيب: ويدل على هذا أشياء أخرى تشوش فكره مثل القضاء مثل الحاقن إذا كان حاقنا لبول أو غائط، فهنا كذلك يمنع من القضاء إذا كان حاقنه شديد يشوش فكره فيمنع من القضاء قياسا على الغضب، فهذا قياس جلي ثبت علته بالإجماع. قال: مثال ما كان مقطوعا فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل؛ للقطع بنفي الفارق بينهما. الآن جاء النص بتحريم أكل مال اليتيم: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلى سعيرا﴾، هذا نص في تحريم إتلاف مال يتيم بالأكل. طيب: إذا قال قائل: أنا ما سأأكله، سألبسه، سأشتري ثيابا وألبسها. نقول له: لا فرق بين الأكل وبين اللبس؛ لأن المقصود هو استعمال ماله وإتلافه بغير حق، سواء كان بأكل أو بلبس أو بغير ذلك، فلا فرق بين الأكل وبين اللبس. وإنما خص الأكل؛ لأنه هو الغالب أن يكون استعمال المال وإتلافه بالأكل، فهذا الآن قياس مقطوع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، لا فرق بين الأكل وبين اللبس. قال: الثاني: القياس الخفي، ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. فالقياس الخفي علته لا تثبت بنص أو إجماع، وإنما باستنباط، يكون باستنباط، واستخراج هذه العلة من النص -يعني بأمر اجتهادي- يكون باجتهاد، فلذلك قد يصيب وقد يخطئ، فكان القياس الخفي ليس بالقوة كالقياس الجلي. مثل مثلا علة جريان الربا في البر، هذه علة استنباطية، من القياس الخفي، منه من قال: الكيل، ومنه من قال: الطعم، ومنه من قال: الادخار، ومنه من قال: الكيل والطعم، ومن آخر ذلك من أقوال العلماء، فهذا من القياس الخفي؛ قدت علته بالاستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، باحتمال وجود فرق بين الأصل وبين الفرع. قال: مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا في جامع الكيل؛ فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، إنه استنباط، استنبط، ولهذا فإن غيرهم قالوا غير هذا القول، هذا مثل الحنفية أنه الكيل، وذهب الشافعية إلى أنه الطعم، والمالكية إلى الادخار والاقتيات، وهكذا وقعوا في خلاف، أن العلم غير منصوص عليها ولا مجمع عليها. قال: لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع؛ إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان. وهذا من القياس الخفي.