الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المؤلف إثبات صفة المجيء والإتيان لله سبحانه يوم القيامة على الوجه اللائق بجلاله، مستدلاً بالآيات التي فرقت بين مجيء الرب ومجيء الملائكة، مبطلاً تأويل المعطلة. ثم يبين أن الله فعال لما يريد، وأن إرادته نوعان: كونية قدرية وشرعية دينية، وكلها جارية على وفق حكمته البالغة.
يبيّن المقطع أن أفعال الله كلها خير وحكمة، وأن الشر لا يُنسب إلى فعله سبحانه بل إلى خلقه لحكم عظيمة. ويفرّق بين الإرادة الكونية الشاملة للخير والشر، والإرادة الشرعية المختصة بما يحبه الله، مضرباً المثل بالأب الذي يرضى بقطع عضو ولده للشفاء.
يشرح المقطع أن الله يقضي الفساد والشر كعقوبة على تقصير الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحكمة عظيمة وهي رجوع العباد إلى الله. كما يفرق بين الإرادة الكونية التي لا بد من وقوعها والإرادة الشرعية التي قد تقع وقد لا تقع.
يوضح المقطع أن الأمر الشرعي ليس ملزماً بالوقوع بخلاف الأمر الكوني، ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ونؤمن بأنه سبحانه وتعالى يأتي يوم المعاد للفصل بين العباد، لقوله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، وجاء يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع ما يتعلق بالإيمان بالله جل وعلا، أيضاً الإيمان بما جاء أنه سبحانه وتعالى يأتي يوم المعاد، أي يوم القيامة، للفصل بين العباد. هذا إثبات صفة الإتيان والمجيء لله جل وعلا، إتياناً ومجيئاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء. والإتيان والمجيء من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا في الكتاب والسنة. والله جل وعلا قد ذكر في القرآن إتيانه، وإتيان ملائكته، وإتيان بعض آياته جل وعلا. وهذا يدل على أن إتيان الملائكة غير إتيان الرب جل وعلا، وإتيان بعض آيات الله جل وعلا غير إتيان الرب جل وعلا، خلافاً لما يقول أهل التعطيل من أن معنى الإتيان إنما هو إتيان الملائكة. يوم يأتي ربك، يقولون: يأتي ملك من ملائكة الله، أو يأتي أمره جل وعلا. وهذا باطل؛ لأن الله جل وعلا حين أراد أن يذكر إتيان الملائكة ذكره، وذكر كذلك إتيان بعض آياته، مما يدل على أن إتيان الرب جل وعلا ومجيء الرب جل وعلا غير إتيان ومجيء الملائكة. وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، والواو هنا تقتضي المغايرة. جاء ربك والملك، والواو هنا تقتضي المغايرة، وجاء ربك والملك صفا صفا. فمجيء الملائكة غير مجيء الرب جل وعلا، ومجيء الرب سبحانه وتعالى غير مجيء الملائكة. دل على هذا واو المغايرة في قوله جل وعلا: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾. فعندنا في الآية مجيئان: مجيء الرب سبحانه وتعالى، ومجيء الملائكة. ومجيء الرب غير مجيء الملائكة. فمجيء الرب جل وعلا كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ومجيء الملائكة بما يليق بهم. وكذلك في الإتيان، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾. فذكر إتيان الملائكة، قال: ﴿أو يأتي ربك﴾، وذكر إتيان إتيانه جل وعلا. نعم، في الآية الأخرى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة﴾، وهكذا ذكر إتيان بعض آياته: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾. هكذا ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾. فهذه الآية ذكر الله جل وعلا فيها إتيانه سبحانه وتعالى، وإتيان الملائكة، وإتيان بعض آياته جل وعلا. ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون﴾. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في الصواعق المرسلة: قال الله جل وعلا: نوع الإتيان، وقسم الإتيان، مما يدل على أن إتيانه جل وعلا غير إتيان الملائكة، وغير إتيان أمره. وبهذا يبطل استدلال أهل التعطيل الذين عطلوا الله جل وعلا عن صفة الإتيان، وقالوا: هي مجاز، والمراد إتيان الملائكة أو إتيان أمره سبحانه وتعالى. كل هذا باطل. بل الملائكة تأتي، وهكذا ربنا جل وعلا يأتي، وبعض آيات الله جل وعلا كذلك تأتي. فهذا يدل على أن الله جل وعلا يأتي حقيقة لا مجازاً، كما يقول هؤلاء أهل التعطيل الذين عطلوا الله سبحانه وتعالى عن هذه الصفة. فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الإتيان لله جل وعلا، إتياناً ومجيئاً كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والإتيان من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته جل وعلا. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع آيتين: قوله جل وعلا: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا﴾. فكما تقدم: مجيء الرب، ومجيء الملائكة، ومجيء الرب غير مجيء الملائكة. دل على ذلك واو المغايرة. نعم، وسمعتم الآيات الأخرى التي قرأناها وذكرناها فيما يتعلق بإتيانه سبحانه وتعالى، وإتيان الملائكة، وإتيان بعض آياته. فكل ذلك ثابت، ويثبته أهل السنة والجماعة، ويفرقون بين إتيان الرب، وإتيان الملائكة، وإتيان بعض آياته جل وعلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ونؤمن بأنه تعالى فعال لما يريد. ونؤمن بأن إرادته تعالى نوعان: كونية، يقع بها مراده، ولا يلزم أن يكون محبوبا له، وهي التي بمعنى المشيئة، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾، وقال تعالى: ﴿إن كان الله يريد أن يغويكم فهو ربكم﴾. وشرعية، لا يلزم بها وقوع المراد، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبا له، كقوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾. ونؤمن بأن مراده الكوني والشرع تابع لحكمته، فكل ما قضاه كونا أو تعبد به خلقه شرعا فإنه لحكمة، وعلى وفق الحكمة، سواء علمنا منها ما نعلم، أو تقاصرت عقولنا عن ذلك. ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾، ﴿وما أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن مما يوصف الله جل وعلا به أنه فعال لما يريد. فما أراده الله سبحانه وتعالى فعله، وكان كما قال جل وعلا: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾. فما أراد الله سبحانه وتعالى كان. فالله جل وعلا يوصف بأنه فعال لما يريد، ما أراده فعله. وهذا من ما يدل على الكمال، فإن من أوصاف الكمال أن يفعل ما يريد. وربنا سبحانه وتعالى هو موصوف بصفات الكمال والجلال، ومن ذلك أنه فعال لما يريد سبحانه وتعالى. ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. فأفعاله جل وعلا كثيرة لا منتهى لها، وأفعاله كلها جل وعلا أفعال حكمة. أفعال حكمة، فليس في أفعال الله جل وعلا شيء ليس فيه حكمة، بل أفعاله جل وعلا تابعة لحكمته جل وعلا. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه العظيم الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان يقول عليه الصلاة والسلام في دعائه: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». والخير كله في يديك، والشر ليس إليك. بمعنى: لا ينسب الشر في أفعال الله جل وعلا، لأن أفعال الله جل وعلا كلها خير. أفعال الرب سبحانه وتعالى كلها خير، لأنها صادرة عن حكمته. حتى المخلوق الذي فيه شر، سواء كان شره شراً محضاً كالنار وإبليس، أو كان فيه شر وفيه خير كسائر المخلوقات، فإن هذا الشر الذي خلقه الله جل وعلا فإنه ينسب إلى قضائه وفعله حكمة، بما يترتب عليه خلق هذا الشر من أمور عظيمة يحبها الله سبحانه وتعالى. فعاد بخلقه جل وعلا للشر، ترتب أمور عظيمة يعلم العباد منها ما يعلمون، ويجهلون كثيراً من الحكم التي لأجلها خلق الله جل وعلا الشر. صار خلق الشر بالنسبة لله جل وعلا، أي لفعله، هو خير وحكمة. لذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الشر ليس إليك»، أي في فعلك. وإن كان في خلق الله جل وعلا شر، بمعنى أن الله جل وعلا هو خالق الخير وهو خالق الشر. لكن لا يفهم من خلق الله جل وعلا للشر أن فعله شر، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. بل ربنا سبحانه وتعالى أفعاله كلها أفعال خير، لأنها تابعة لحكمته جل وعلا ولمشيئته جل وعلا. فلذلك جل وعلا فعال لما يريد. وإرادة الله جل وعلا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنها على نوعين: إرادة كونية، أي ما أراده الله جل وعلا كونا وقدرا. وهذه الإرادة الكونية لا يلزم منها أن يكون الذي أراده الله جل وعلا وقدره كونا محبوبا له سبحانه وتعالى. فلا، ليس كذلك. بل ما أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، منه ما يحبه جل وعلا، ومنه ما يبغضه سبحانه وتعالى. مثل: إرادة الكونية الخير والشر، أراد الله جل وعلا كونا وقدرا الخير والشر، والجنة والنار، والاجتماع والافتراق، والإصلاح والفساد. كل ذلك أراده الله جل وعلا كونا وقدرا. فدخل فيه ما يحبه وهو الطاعات، ودخل فيه ما يبغضه وهو المعاصي. ودخل فيه الإسلام وهو يحبه، ودخل فيه كذلك الكفر وهو يبغضه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضاه لكم﴾. فذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يرضى بالكفر، ومع هذا أراده جل وعلا كونا. أراده كونا ولم يريده شرعا. أراده كونا وقدرا، ولم يريده شرعا. لأن إرادته جل وعلا الشرعية إنما هي فيما أحبه الله سبحانه وتعالى، بخلاف الإرادة الكونية. بخلاف الإرادة الكونية، فهي شاملة لما يحبه الله جل وعلا ولما يبغضه. قد يقول قائل: إذا كان الشيء يبغضه الله سبحانه وتعالى، مثل الكفر، ومثل إبليس، الشيطان، وغير ذلك من هذه الأمور التي لا يرضاها الله جل وعلا، لماذا يقدرها كونا وقدرا؟ ولماذا يريدها كونا وقدرا إذا كان لا يحبها سبحانه وتعالى؟ فالجواب على هذا: الله جل وعلا أراد كونا الكفر، وكذلك النار، وكذلك إبليس، والفساد. أراد ذلك الله جل وعلا كونا وقدرا لحكم عظيمة، لحكم عظيمة يحبها الله سبحانه وتعالى. نعم، فهذا المكروه لله جل وعلا، والذي يبغضه الله سبحانه وتعالى، مثل الكفر وإبليس والفساد، هو مكروه من وجه، محبوب من وجه آخر. مكروه من وجه، نعم، ومحبوب من وجه آخر. وهذا حتى في المخلوقات. هذا في المخلوقات. فمثلا: الشخص إذا كان عنده ولد يحبه حباً شديداً، يحبه حباً شديداً. فمرض هذا الولد، مثلا مرض هذا الولد، فهو يسعى بنفسه ويأخذ ولده إلى الطبيب، يأخذ ولده إلى الطبيب. والطبيب ربما يعني يشقق جلده، ويقطع، أو يقطع رجله مثلا، أو يقطع يده إذا كان مثلا مصاباً بالسكر، مثلا، أو بما يسمى مرض السرطان الذي يخشى منه والانتقال إلى أعضاء أخرى. فيأخذ هذا الأب ولده إلى الطبيب ليقطع يده، نعم، ولو كان من أعلاها، أو يقطع رجله، نعم، أو يقطع أصابعه. هذا الأمر بالنسبة للأب مكروه من هذا الوجه، كون الطبيب يقطع يد ولده أو رجل ولده، نعم، أو إصبع ولده. هذا لا يحبه، هذا لا يحبه، يكرهه. لكن لماذا يأتي بولده إلى الطبيب وهو يعلم أنه سيفعل به هكذا؟ لوجه آخر محبوب عنده، لوجه آخر. لماذا؟ ليسلم ولده، ليسلم ولده، وتبقى له بقية الأعضاء، فلا ينتشر فيها هذا المرض. هذا مثال في حق المخلوق، ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. ربنا سبحانه وتعالى يريد كونا وقدرا، ويقدر أشياء يكرهها بذاتها، ولكن هي محبوبة له سبحانه وتعالى من وجه آخر، لما يترتب على قضاء هذه المكروهات التي قضاها الله جل وعلا من المصالح. مثال الفساد: الفساد أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، ولم يريده شرعا. قدره كونا وقدرا، نعم. والفساد مكروه ولا يحبه الله جل وعلا، والله لا يحب الفساد. فالله جل وعلا لا يحب الفساد، ومع هذا قدر الفساد وأراده كونا وقدرا، وهو لا يحبه. نعم، فإذا هو مكروه، محبوب من وجه آخر. ما هو الوجه المحبوب الذي يترتب على قضاء الفساد؟ هو رجوع الناس، رجوع الناس إلى الله جل وعلا. ولذلك قال الله جل وعلا في كتابه الكريم مبيناً شيئاً من الحكمة في قضاء الفساد، وهذا شيء مما علمناه من قضاء هذا الشر، وهو الفساد الذي أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، ما يترتب عليه من المحبوبات، شيء علمناه من كتاب الله. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾. اسمع العلة، واسمع الحكمة التي لأجلها قضى الفساد ربنا عز وجل كونا وقدرا: ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. لعلهم يرجعون. هذه العلة، وهذه الحكمة. فهي الفساد عقوبة، إذا حصلت عقوبة على الناس بسبب التفريط في إنكار المنكر، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في النصيحة، في عدم القيام بما أوجب الله جل وعلا، يكثر الفساد عقوبة، يعم الصالح والطالح، والعياذ بالله، ويتضرر منه الجميع، نعم، وذلك بسبب عدم وجود المصلحين. ولو وجد الصالحون، ولو وجد الصالحون، فلا يكفي، لا يوجد من وجود المصلحين. ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾. لكن إذا قصر المصلحون وقل المصلحون، انتشر الفساد عقوبة من الله جل وعلا وجزاء وفاقا، عقاباً عاجلاً، وماذا كذلك؟ ﴿لعلهم يرجعون﴾. لعلهم يرجعون. فإذا ظهور الفساد في البر والبحر، أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، لماذا أراده جل وعلا كونا وقدرا وهو مكروه له جل وعلا ولا يحبه، كما سمعتم؟ لأجل حكمة عظيمة، وحكم عظيمة، منها أن يرجع الناس. إذا ظهر الفساد وعم وطم، صار في البر، صار في البحر، فيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى، وينيبون. وهذا الرجوع، هذا الرجوع وترك الفساد وترك المنكرات، أمر محبوب عند الله جل وعلا. وكيف يتأتى هذا الرجوع إلى الله جل وعلا والفرار إلى الله سبحانه وتعالى وترك هذا الفساد وهذا المنكر؟ يتأتى بقضاء الفساد، يتأتى بقضاء الفساد كونا وقدرا. فإذا حصل، حصل الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والفرار إلى الله جل وعلا، وهذا أمر محبوب يحبه الله سبحانه وتعالى. الكافر، أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، وهو جل وعلا يبغض الكافر. لكن لماذا قضى الكافر كونا وقدرا؟ بمحبوبات من وجه آخر. الكافر هذا الذي أراده الله جل وعلا كونا وقدرا، يترتب على قضائه الشهادة في سبيل الله عز وجل. فكم من المسلمين ممن يقاتل الكافرين، فتحصل الشهادة في سبيل الله عز وجل. الشهادة في سبيل الله عز وجل من أعظم محبوبات الله جل وعلا، من أعظم ما يحبه ربنا سبحانه وتعالى، الاستشهاد في سبيله. كيف يتحقق الشهادة في سبيل الله عز وجل إذا لم يوجد الكفار الذين يقاتلون المسلمين؟ فتحقق الشهادة يحصل من قضاء الكفار، نعم. فقضى الله جل وعلا وأراد الكفار كونا وقدرا، وهو يكره ذلك ولا يحبه، لما يترتب عليه من محبوب عظيم، وهو ترتب وتحقق الشهادة في سبيله جل وعلا. وهكذا، انظر إلى هذه المكرهات، نعم، حتى يعني العقارب، الحيات، هذه، نعم. الإنسان يكرهها، لكن الله سبحانه وتعالى قدرها وقضاها. تلدغ الحية المسلم فيصبر ويحتسب. هذا الصبر وهذا الاحتساب من المسلم يحبه الله سبحانه وتعالى. النار، قضاها الله جل وعلا كونا وقدرا، نعم. ماذا يترتب من قضاء النار؟ الخوف، الخوف منها، والفرار إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة، لماذا؟ خوفاً من نار الله جل وعلا. وهكذا، فما من أمر هو بالنسبة للمخلوق شر، هو بالنسبة للمخلوق شر، هو بالنسبة لفعل الله جل وعلا خير. لماذا؟ لأنه يترتب على قضاء هذه المخلوقات التي هي شر، سواء كانت شراً محضاً أو فيها شر وفيها خير، فالشر الذي قضاه الله سبحانه وتعالى بالنسبة لفعله خير، لما يترتب عليه، وقضاه الله سبحانه وتعالى، وإن كان مكروهاً له وغير محبوب، إلا أنه محبوب إليه جل وعلا من وجه آخر. وضربت لكم مثالاً في الشخص الذي يذهب، حتى لو بنفسه، إلى الطبيب ليتعالج، وهو يعلم أنه سيعني ربما يقطع رجله، أو يقطع يده، أو يفعل به، أو خياطة في عينه، أو في أنفه. يكره ذلك ولا يحبه، ولكن لما يترتب على ذلك من الخير بعد ذلك، فهو لأجل هذا قدم على هذا الأمر. ولله المثل الأعلى. وأما الإرادة الشرعية، فهي ما قضاه الله سبحانه وتعالى وهو يحبه، مثل الطاعات والإسلام، وهكذا الافتراق، نعم، والصبر والاحتساب. كل ما أمر الله جل وعلا به في كتابه الكريم فهو من الأمر الشرعي، لأن الله جل وعلا لا يأمر بما كان يكرهه سبحانه وتعالى. فلم يأمر بالفساد، ولم يأمر جل وعلا بالافتراق، بل نهى عن الافتراق، وأمر بالاعتصام، أمر بالإسلام، ونهى عن الكفر. وهكذا أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد. فأمر الله جل وعلا إنما هو أمر شرعي، أمر بالتوحيد، ونهى عن الشرك. وهكذا الابتلاء، قضاه الله جل وعلا على العباد، وهم يعني يحتسبون فيه، فيترتب، تترتب الأجور العظيمة لهم من الله جل وعلا، ويحصل التميز بين الصادق والكاذب. ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾. الابتلاء، نعم، عظيمة تتحقق منه تميز الصادق من الكاذب، والصابرون يحتسبون، فترتفع أجورهم عند الله جل وعلا، إلى آخر ذلك. فكل ما قضاه الله جل وعلا فهو تابع لحكمته جل وعلا. لكن ما أمر الله جل وعلا به شرعا فهو مخصوص بما يحبه ويرضاه جل وعلا، مما أمر به في كتابه، أو أمر به رسوله عليه الصلاة والسلام. والإرادة الكونية تتحقق في الكافر، الإرادة الكونية تتحقق في الكافر، فالكافر تحققت فيه إرادة الله جل وعلا الكونية. أما المسلم، فتحققت في حقه الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. الإرادة الكونية لأن الله جل وعلا أراد له الإسلام كونا وقدرا، والإرادة الشرعية لأنه امتثل أمر الله جل وعلا الشرعي، امتثل أمر الله جل وعلا الشرعي. وما يفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: أن الإرادة الكونية لابد من وقوعها، ما أراده الله جل وعلا كونا وقدرا وأمر به فلابد أن يقع. بخلاف الإرادة الشرعية، بخلاف الإرادة الشرعية، فقد تقع وقد لا تقع، فقد تقع وقد لا تقع. فالإسلام مثلاً، أمر الله جل وعلا به شرعاً، فقد يقع وقد لا يقع. ولذلك كثير من الناس ممن أمروا بالإسلام لم يمتثلوا. فيعلم بهذا أن الأمر الشرعي لا يلزم أن يقع، بخلاف الأمر الكوني. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم، بارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.