عقيدة أهل السنة والجماعة 32

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ختم الرسالات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشموليتها

بيّن الشيخ أن الله ختم الرسالات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الموجهة إلى الناس كافة، وأن شريعته هي الإسلام الذي لا يقبل الله سواه بعد بعثته. وأكد وجوب الإيمان التفصيلي بالأنبياء الذين سماهم الله في كتابه، ومن جحد نبوة محمد أو خاتمية رسالته بعد بلوغ العلم فهو كافر.

عدد الأنبياء في القرآن وقصة يوشع بن نون وحبس الشمس

ذكر المقطع أن القرآن الكريم نص على ستة وعشرين نبياً ورسولاً، مستدلاً على نبوة الخضر ويوشع بن نون. ووضح أن حبس الشمس لم يقع إلا ليوشع بن نون عند فتح بيت المقدس، مبطلاً ادعاءات الرافضة وبعض الصوفية بحبس الشمس لعلي أو لأوليائهم.

وجوب الإيمان بجميع الرسل وحكم من لم يكفر بالأديان غير الإسلام

أوضح المقطع أن الواجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، وأن بعثتهم كانت لدعوة التوحيد واجتناب الطاغوت. وأكد أن من زعم قبول دين غير الإسلام بعد بعثة النبي ﷺ فهو كافر مكذب للقرآن، لأن الكفر بالطاغوت شرط للإيمان، ومن كفر برسول واحد فقد كفر بجميع الرسل.

تحذير من التفريق بين الرسل وخاتمة الدرس بالدعاء

حذر الشيخ من الإيمان ببعض الرسل والكفر بالآخرين، مؤكداً أن هذا المنهج يخالف سبيل الأنبياء والمؤمنين. واختتم الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: ونؤمن بأن الله تعالى ختم الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأرسله إلى جميع الناس، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. وقالوا: نؤمن بأن شريعته صلى الله عليه وآله وسلم هي دين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأن الله تعالى لا يقبل من أحد دينا سواه، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بختم الرسالات، فالله سبحانه وتعالى ختم الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلها خاتمة الرسالات وخاتمة الشرائع، ورسالته عليه الصلاة والسلام كانت للناس كافة، بخلاف رسالة الأنبياء والرسل السابقين فإنها كانت رسالة خاصة لطائفة من الناس، أما رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فكانت رسالة للناس كافة، وهذا مما خص به النبي عليه الصلاة والسلام من سائر الأنبياء، كما جاء في الصحيحين حيث قال عليه الصلاة والسلام: «فضلت على الأنبياء»، وذكر منها: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة»، فكانت رسالته عليه الصلاة والسلام لكافة الناس: ﴿ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾، لجميع الناس، ولذلك كانت رسالته عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، رحمة للعالمين، كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾، في الآية الأخرى: ﴿ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾، فالرسالة عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين لأنها لجميع الناس، ليست لطائفة من الناس ولأمة من الأمم، بل هي لجميع الأمم، فهو عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء ورسالته خاتمة خاتمة الرسالات، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وختم بي النبيون»، «وختم بي النبيون»، في ذكر الفضائل التي خصه الله سبحانه وتعالى بها من سائر الأنبياء. فذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الموضع ما يتعلق باعتقاد أهل السنة والجماعة في هذا الأمر، وشريعته عليه الصلاة والسلام هي دين الإسلام الذي ارتضاه جل وعلا لعباده، وهو الإسلام الخاص، دين النبي عليه الصلاة والسلام هو الإسلام الخاص، وهو هذا الدين الذي بعث به عليه الصلاة والسلام، وهكذا رسالة الأنبياء السابقين هي الإسلام، هي الإسلام الذي هو الإسلام العام، استسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو دين الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء، ولكن ربنا سبحانه وتعالى لا يرتضي دينا بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إلا دين الإسلام الذي هو الإسلام الخاص، وهو الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، والذي بينه النبي عليه الصلاة والسلام للناس مما يتعلق بأركان هذا الإسلام وأركان هذا الإيمان وما يتعلق بشرائع هذا الدين وهذا الإسلام، ولذلك من ابتغى دينا غير دين الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لا يقبل منه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يسمع به من يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا أدخله الله النار». ولما رأى النبي عليه الصلاة والسلام شيئا من التوراة مع عمر رضي الله تعالى عنه قال: «أمهوكون يا ابن الخطاب، والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي»، لو كان موسى حيا عليه الصلاة والسلام ما وسعه إلا اتباعي، لكن موسى عليه الصلاة والسلام قد مات، وإلا لو كان حيا لم تسعه التوراة التي بعث بها لأنها صارت لاغية، صارت منسوخة بهذا الدين وهذا الإسلام الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فرسالة النبي عليه الصلاة والسلام خاتمة الرسالات، وهذا من الإيمان الذي يجب الإيمان به، وهو يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل، فمن لم يؤمن بذلك بعد بلوغه العلم فلم يحقق هذا الركن ولم يكن مؤمنا أبدا، ولو آمن بالله ورسوله أو آمن بالله وملائكته وكتبه، لكن لم يؤمن بأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام خاتمة الرسالات، فهذا لا يكون مؤمنا، يكون كافرا، لأنه يكون جاحدا لما جاء في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام من بيان أن نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، وأن دينه عليه الصلاة والسلام هو دين الإسلام، هو خاتمة الشرائع وخاتمة الأديان. وما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل الإيمان التفصيلي ما ذكر من أسمائهم، أي من أسماء الأنبياء، فالله جل وعلا ذكر لنا في كتابه العزيز أسماء للأنبياء، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، فالواجب الإيمان بأسماء هؤلاء الأنبياء بعد بلوغ العلم، قد يكون الإنسان يجهل في أول أمره أسماء الأنبياء والمرسلين، يعني من غير النبي عليه الصلاة والسلام، فبداية أمره يتحقق عنده هذا الركن والإيمان بالأنبياء والرسل، لكن بعد بلوغه العلم من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ما يتعلق بأمور هي من الأمور التفصيلية التي تتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل، فلا يسع الإنسان إلا الإيمان بذلك، فإذا رد شيئا أو جحد شيئا كفر بالله جل وعلا. فبعد بلوغ العلم أن من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام من اسمه موسى وعيسى وإبراهيم ونوح وداود وسليمان إلى آخر الأنبياء والرسل الذين قصهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وقصهم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، لأن الأنبياء والرسل لم يقصهم ربنا جل وعلا جميعا، لم يقص ربنا سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل جميعا، وإنما قص من هؤلاء الأنبياء والرسل أنبياء ورسلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾، ﴿ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾، فالله سبحانه وتعالى قص على نبينا محمد، على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أنبياء ورسلا، ورسلا لم يقصهم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، لكن وجب الإيمان بذلك، وهم من الإيمان التفصيلي الذي يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل، أن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لم يقص الأنبياء والرسل جميعا على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما قص بعضهم ولم يقص البعض الآخر: ﴿ رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ستة وعشرين نبيا ورسولا في كتابه الكريم، على الصحيح أن الذين ذكروا في كتاب الله جل وعلا من الأنبياء والرسل ستة وعشرون نبيا ورسولا، وبعضهم يجعلهم خمسا وعشرين نبيا ورسولا للخلاف في الخضر، فبعض أهل العلم لا يعد الخضر عليه السلام نبيا، والصحيح أنه نبي، الخضر عليه السلام هو نبي، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾، كما في سورة الكهف، فقوله جل وعلا: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾، إذن بأمر من؟ بأمر الله، أي بوحي، ما فعله الخضر من قتل الغلام وكذلك خرق السفينة وهكذا بناء الجدار للغلامين، كل هذا بوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، فدل هذا على أن الخضر عليه السلام نبي من أنبياء الله جل وعلا. والأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، الآخرون ذكر في سورة الأنعام ثمانية عشر نبيا ورسولا في آيات سورة الأنعام، ثمانية عشر نبيا ورسولا، والأنبياء الآخرون السبعة في مواضع أخرى من كتاب الله جل وعلا، وهكذا الخضر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾، في هذه الآيات ذكر من الأنبياء والرسل ثمانية وعشرون نبيا ورسولا، إذا عدت هؤلاء الأنبياء والرسل في هذه الآيات التي قرأت، ثمانية وعشرون نبيا أو ثمانية عشر نبيا ورسولا، ثمانية عشر نبيا ورسولا، والآخرون ذكروا في مواضع أخرى، الخضر ذكر في سورة الكهف، والآخرون في مواضع أخرى، الذين منهم صالح وكذلك ذو الكفل وآدم عليه الصلاة والسلام ومحمد نبينا عليه الصلاة والسلام وشعيب كذلك. وقد جمع بعضها العلم، عدت الأنبياء والرسل على أنهم خمس وعشرون، في قوله: «وفي تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس شعيب صالح هود وكذا ذو الكفلي آدم بالمختار قد ختموا»، هؤلاء سبعة في تلك حجتنا، أي في قوله جل وعلا: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾، في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر، يعني ثمانية عشر، ويبقى سبعة، وهم إدريس وشعيب وصالح وهود وكذا ذو الكفل وآدم، وهو آدم، بالمختار أي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ختموا، قد ختموا خمس وعشرين، إضافة إلى الخضر عليه السلام يكون ست وعشرين نبيا ورسولا ذكروا في كتاب الله. في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ذكر كذلك يوشع بن نون وهو كذلك نبي من أنبياء الله جل وعلا، فقد جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن نبيا من أنبياء الله غزا، غزا لفتح بيت المقدس، حتى إذا أدركه المغيب، فقال: اللهم احبسها علي»، طلب من الله جل وعلا أن يحبس عليه الشمس حتى يفتح بيت المقدس، فحبس الله سبحانه وتعالى الشمس ليوشع ابن نون عليه الصلاة والسلام حتى فتح بيت المقدس، فكان من ما قال عليه الصلاة والسلام خاطب الشمس: «أنت مأمورة وأنا مأمور»، أنت مأمورة أي الشمس مأمورة بأن تغيبي وتغربي بأمر الله جل وعلا، قالوا: «أنا مأمور»، أي مأمور بفتح بيت المقدس، «اللهم احبسها علي»، فحبست حتى فتح بيت المقدس. ولذلك يتبين كذب ودجل من يدعي ويزعم أن الشمس قد حبست لبعض الأولياء، الرافضة من غلوهم في علي رضي الله تعالى عنه زعموا أن الله عز وجل حبس الشمس له، فالشيع الرافضة يزعمون أن الشمس حبست لعلي بن أبي طالب، وهذا كذب ودجل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون»، «لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون»، والشيع الرافضي يقول: لا، ولعلي، يضربون حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام عرض الحائط ويعارضونه صراحة. وهذا أخذ غلات أهل التصوف الذين غلوا في صالحيهم، كما ذكر في المشارع الروي في مناقب أهل باعلوي من ذكر الكرامات، أن بعضهم يعني أراد أن يدخل قرية وقد شارفت الشمس على الغروب، وكانوا صياما، فحبست لهم الشمس حتى دخلوا تلك القرية وأفطروا فيها، ولم تغرب الشمس إلا بطلب من نساء أهل القرية كما زعموا في المشارع الروي، قالوا: حتى قال بعض النساء: يا ولي الفلاني، اجعل الشمس تغرب، نريد أن نفطر، حبست الشمس، وجعل أهل القرية لا يفطرون لكي يصلوا إلى القرية، سبحان الله، لماذا حبسوا الشمس؟ طيب يدعون الله سبحانه وتعالى ميسرا لهم تمرا وماء وخبزا وشعيرا ولبنا، والموضع الذي تغرب فيه الشمس يأكلون ويشربون، يحمسون الشمس لكي يصلوا، لا تغربوهم فيه، لماذا؟ كي يدركوا الإفطار داخل القرية، وما استطاعوا يوفروا الإفطار خارج القرية، فحبسوا الشمس، وما استطاعوا استطاعوا على حبس الشمس، وما استطاعوا على يعني إيجاد شيء من التمر وشيء من الماء وشيء من اللبن، فهذا من الدجل والكذب، نعم، والاستخفاف لعقائد الناس. فالشاهد من هذا أن يوشع بن نون هو نبي من أنبياء الله، فهو المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن نبيا من الأنبياء غزا»، لم يذكر اسمه عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، لكن بين أنه نبي، بين أنه يوشع بن نون في الحديث الآخر، لما قال عليه الصلاة والسلام: «لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون»، فعلم أن ذلك النبي الذي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح، الذي فتح بيت المقدس وحبس الله سبحانه وتعالى عليه الشمس، هو هذا النبي الذي لم تحبس الشمس إلا له، وهو يوشع بن نون. فهؤلاء، هؤلاء سبعة وعشرون نبيا ورسولا ذكروا في كتاب الله، وبعضهم ذكر في سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، الواجب الإيمان بذلك، فإن هذا مما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل، فيما يتعلق بعددهم وأسمائهم وأفضلهم، وهو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والحكمة من إرسالهم دعوة الناس إلى التوحيد وإلى شرع رب العالمين، كما قال جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، فـ «أن» هنا تفسيرية، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، أن تفسيرية، أي تفسر الغاية وتبين الغاية من بعثة الأنبياء والرسل، وهي عبادة الله جل وعلا واجتناب الطاغوت، التي هي عبادة غير الله جل وعلا، التي يجب الكفر بها، كما قال سبحانه: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. فهذا ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل، ما يتعلق بالإيمان التفصيلي، والله جل وعلا رضي لنا دين الإسلام الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام وأكمله، فهو خاتم الشرائع وخاتم الرسالات. قال المصنف رحمه الله تعالى: ونرى أن من زعم اليوم دينا قائما مقبولا عند الله سوى دين الإسلام، من دين اليهودية أو النصرانية أو غيرهما، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدا، لأنه مكذب للقرآن. من زعم اليوم أن دينا قائما في الأرض مقبولا عند الله جل وعلا سوى دين الإسلام، فهذا كافر بالله جل وعلا، مكذب لخبر الله جل وعلا ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن قال: دين اليهودية دين صحيح القائم، هذا الدين الذي عليه اليهود، أو هذا الدين الذين قاموا عليه النصارى دين صحيح، فهذا كافر، كافر بالله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنه لم يكفر بالطاغوت، لم يكفر بالطاغوت، حيث زعم أن هذا الدين، سوى دين اليهودية أو دين النصرانية، دين مقبول عند الله سبحانه وتعالى وجائز العمل به وهو مقبول عند الله سبحانه وتعالى، فهذا كافر، مكذب لخبر الله ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. بل لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله جل وعلا، لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله جل وعلا، ومن ذلك الكفر بدين اليهود القائم اليوم وأنه غير مقبول، وهكذا دين النصارى، ولذلك ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث طارق ابن أشيم الأشجعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال نبي عليه الصلاة والسلام: «ومن كفر وكفر بما يعبد من دون الله، من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل»، فلا يكون إنسان مؤمنا إلا بالكفر بما يعبد من دون الله، ويدخل في هذا الكفر بدين اليهودية ودين النصرانية، وأنها أديان لا تنفع بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. قد ذكر الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله كما ذكر هنا أيضا في كتاب التوحيد عند الكلام على هذا الحديث، قالوا: من ذلك، أي من الكفر بما يعبد من دون الله، الكفر بهذه الأديان، دين اليهودية ودين النصرانية، فمن زعم أن دين اليهودية القائمة اليوم دين مقبول عند الله جل وعلا، أو دين النصارى، فهو لم يكفر بالطاغوت، لم يكفر بالطاغوت الذي أمر ربنا عز وجل به، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾، فإذا لم يكفر بالطاغوت فلم يستمسك بالعروة الوثقى، التي هي كلمة التوحيد، التي هي كلمة التوحيد، التي شطرها الإيمان بالله جل وعلا والكفر بالطاغوت، وإثبات العبادة لله جل وعلا ونفي العبادة عما سوى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ونرى أن من كفر برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعا فقد كفر بجميع الرسل، حتى برسوله الذي يزعم أنه مؤمن به متبع له، لقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾، فجعلهم مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يسبق نوحا رسول، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾. وهذا سبق شيء من الكلام عليه، الذي يكذب برسالة النبي عليه الصلاة والسلام من اليهود أو النصارى، فهو مكذب لرسالة موسى، وهكذا مكذب لرسالة عيسى، لأن تكذيب رسالة نبي من الأنبياء هو تكذيب لرسالات الأنبياء جميعا، قال جل وعلا: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾، وهم إنما كذبوا نوحا، لكن لما كذبوا رسولهم صاروا مكذبين لجميع الرسل، ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴾، مع أنهم كذبوا هودا فقط، لكن لما كذبوا رسولهم هودا صاروا مكذبين لجميع الرسل، ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ﴾، مع أنهم كذبوا نبيهم صالحا فقط، لكن مع هذا صاروا مكذبين لجميع الرسل، ﴿ كَذَّبَ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾، مع أنهم إنما كذبوا رسولهم لوطا ونبيهم لوطا عليه الصلاة والسلام، لكن بهذا صاروا مكذبين للرسل جميعا، ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴾، وهكذا ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾، فهؤلاء إنما كذبوا أنبياءهم فقط الذين بعثوا إليهم، لكن لما كذبوا أنبياءهم صاروا مكذبين لجميع الأنبياء والرسل. فهكذا اليهود، وهكذا النصارى، الذين كذبوا برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، هل يظنون أنهم غير مكذبين لرسالة موسى أو غير مكذبين لرسالة عيسى؟ لا، هم مكذبون لرسالة موسى ولرسالة عيسى، لأنهم كذبوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن في التوراة الأمر باتباع رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا في الإنجيل، فلما لم يأخذوا بذلك، كذبوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، صاروا مكذبين لهذه الكتب السابقة، ومكذبين كذلك للأنبياء الذين بعثوا بهذه الكتب، وهذا واضح بين، لأن الواجب الإيمان بجميع الرسل، لا ببعض الرسل، وتكذب بالآخرين. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾، لا ببعض الرسل، وإنما جميع الرسل، أما الذين يقولون: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾، فهؤلاء كفرهم الله جل وعلا، بقول: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾، فمن آمن بنبي وكفر بنبي آخر، هذا لم يؤمن بالأنبياء والرسل، لأنه ماذا؟ آمن ببعض وكفر بالبعض الآخر، وهذا السبيل ليس هو سبيل الأنبياء والرسل، وليس هو سبيل أهل الإيمان الذين امتثلوا ما أمر الله سبحانه وتعالى به في كتابه، وجاءت به رسل الله عليهم أفضل الصلاة والتسليم في رسالاتهم. نواصل إن شاء الله في درس لاحق، صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.