الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 9، الدرس التاسع:من( باب قول الله تعالى:أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون + باب قول الله تعالى:حتى إذا فزع عن قلوبهم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المؤلف رحمه الله تعالى بتوضيح بطلان عبادة غير الله مستدلاً بالآيات القرآنية على عجز المعبودات الأخرى. يُظهر المقطع فقه المؤلف في اختيار الآيات لإثبات ضعف المعبودات.
يفسر المؤلف الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، مبينًا عجز المعبودات من دون الله عن ملك شيء، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية.
يشرح المؤلف حديث نزول الوحي وسماع الملائكة لكلام الله، ويبين كيف ينتقل هذا الكلام بين الملائكة ومسترق السمع، ويذكر حديثين نبويين يصفان هذا الحدث.
يختتم المؤلف ببيان ضعف المعبودات التي تعبد دون الله وعدم قدرتها على نفع نفسها أو ضرها، وأنها تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية. بوب المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآيات، والقصد من إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين ما يدل على بطلان كل ما يعبد من دون الله جل وعلا. أراد أن يدلل بالبرهان على بطلان كل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، فهو باب لذكر البراهين الدالة على بطلان عبادة غير الله جل وعلا. ومن أعظم ما يستدل به على بطلان هذه المعبودات أن تذكر عجزها وتقصيرها، وهذا الذي ذكر في كتاب الله جل وعلا. أن الله سبحانه وتعالى يذكر الكفار والمشركين والعباد الأصنام والأوثان ما يبرهن أن هذه الكائنات اتخذت آلهة وأندادًا مع الله جل وعلا أنها لا تصل إلى هذا المستوى. فأورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهذا من فقه رحمه الله تعالى؛ لأن العاقل متى تأمل في هذه الأدلة وعلم أن كل معبود ضعيف يعبد، فلا يمكن أن يتخذه إلهًا مع الله عز وجل. في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، يذكر ربنا جل وعلا ما عليه الكفار، ما لا يشركون، أي جعلوا شركاء مع الله جل وعلا. ومن صفة هؤلاء أنهم لا يخلقون، أي ليس عندهم قدرة على الخلق، وهذه صفة نقص بحق الآلهة. قال: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، أي نصر هذه الأنداد والآلهة لا تملك نصرًا. كما يقول العلماء: نصر لا نصر في نفسها ولا نصر لغيرها. فانظر مثلًا ما فعله إبراهيم عليه السلام مع الأصنام في زمانه التي عبدت من دون الله جل وعلا. أراد إبراهيم عليه السلام أن يبين عجز هذه الآلهة، فتطرق إلى مسألة النصر والحماية، فماذا فعل؟ كسر الأصنام إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، كذلك ما يستدل على ضعف هذه المعبودات أنها لا تملك شيئًا. قال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، الدعاء كما قلنا من قبل يكون في دعاء العباد ودعاء المثل. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يشمل كل أحد، كل أحد يدعى من دون الله جل وعلا يصرف له الدعاء. قال: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، ما يملكون الشيء الحقير، والقطمير يقول العلماء هو ذاك الغلاف الذي يكون على نواة التمرة. وفي الصحيح عن أنس قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، والشج كما يقول العلماء هو جرح جرح في الرأس على إثر ضربة. وهذا الشج، شج رأسه، فشج. قال: وكسرت رباعيته، ورباعية هي الأسنان يسمى بالرباعية لأن الأسنان لها أسماء. فكان من أثر ما أصيب به نبينا عليه الصلاة والسلام أن كسر هذا الثن الرباعية. وقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. الشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا الأمر، ما من فائدته؟ فائدته أن يبين أن هذا نبينا عليه الصلاة والسلام هو من هو، ومع ذلك وقع فيه ما وقع. وفيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وفيه رواية: يجعلون على طفوان بن أمية وسهيل بن عمر والحارث بن هشام. فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وهذه الرواية في البخاري ومسلم. قال: وفيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. والإنذار عند العلماء هو الإعلام بأسباب المخافة. قال: حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، والعشيرة بمعنى الجماعة. فقال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم. قال: معنى اشتروا أي انقذوا أنفسكم. قال: لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مال ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. قال: حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال علماء: الفزع هو الخوف المفاجئ. وهذا الخطاب للملائكة، يذكر ربنا جل وعلا عما سيقع للملائكة. قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. العلي الكبير اسم من أسماء الله جل وعلا الذي يتضمن العلو ويتضمن الكبرياء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله. قال: كأنه سلسلة على صفوان، الصفوان هو الحجر الصلب الأملس. قال: ينفذهم ذلك، النفوذ هو الدخول إلى الشيء. قال: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير. قال: فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. قال: فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن نعيم بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة. قال: أو قال رعدة شديدة خوفًا من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد. قال: ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير. ويقولون كلهم مثل ما قال جبريل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الحديث بطوله في نفس معنى ما مضى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث رواه الطبراني في معجمه، وهكذا ابن أبي عاصم رحمه الله تعالى، لكنه ضعيف. فالشاهد يغني عنه الحديث الأول، وواضح الدلالة. وكذلك ما فيه من ذكر الآيات الدالة على أن الله جل وعلا وأن الملائكة كذلك هم من هم، ومع ذلك هم يحتاجون لربهم جل وعلا. فالشاهد من هذا الباب الذي قبله فيه بيان لضعف المعبودات التي تعبد دون الله، وأنها لا تملك نفسها نفعًا وضرًا، وإنما هي تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.