التعليق على كتاب التوحيد 49

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 49، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الغلو في الصالحين سبب الكفر والانحراف عن التوحيد

يبيّن المحور أن الغلو في الصالحين بتجاوز الحد في تعظيمهم هو السبب الرئيس لكفر بني آدم وخروجهم عن التوحيد. ويوضح أن هذا الغلو يزيل عظمة الله من القلوب فيصرف العبادة والخوف لغير الله.

النهي عن الغلو وتفسير آية أهل الكتاب وأصل الشرك

يسوق المحور النهي القرآني عن الغلو في الدين مستدلاً بآية أهل الكتاب ورد مزاعمهم في عيسى وعزير. ويذكر حديث ابن عباس في البخاري عن أصل عبادة الأوثان في قوم نوح عبر تماثيل الصالحين.

تفسير ابن عباس لأصنام قوم نوح وتفصيل أصل عبادة الأوثان

يفصل المحور تفسير ابن عباس لأسماء الأصنام الخمسة بأنها رجال صالحين من قوم نوح، وكيف وسوس الشيطان بنصب أنصابهم للتذكر ثم عبدهم اللاحقون. ويبين أن هذا هو أصل الشرك وعبادة القبور وسبب تحريم الصور سداً للذريعة.

تمثل الغلو في بناء النصب والتماثيل وعبادتها

يخلص المحور إلى أن الغلو في الصالحين تجسد عملياً في بناء النصب وتصوير الصور والتماثيل لهم، ثم انتهى الأمر بعبادتهم من دون الله. ويشير إلى استكمال بقية الأحاديث ومسائل الباب في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. ومعنى هذا الباب: أن سبب كفر بني آدم - والكفر يشمل الشرك - ومعنى "السبب": السبب هو ما يتوصل به إلى الشيء، يقال له السبب. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15]. يعني: يتوصل به إلى السبب. فمعنى "سبب": أي أن ما أوصلهم إلى الكفر وترك الدين - ويشمل ترك التوحيد، وترك السنة، وترك كذلك القرآن - هو الغلو في الصالحين. والغلو: هو مجاوزة الحد، مجاوزة الحد سواء كان مدحاً أو قدحاً، فيقال له غلو. وفي "الصالحين": الصالح هو من أدى حق الله وحق عباد الله، فهذا يقال له صالح. ومناسب ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد واضحة، وهو أن أهل الشرك ما وقعوا في الشرك إلا بسبب الغلو، إلا بسبب الغلو في الصالحين، بحجة أن هؤلاء لهم جاه بصلاحهم، ولهم قربة إلى الله بصلاحهم، فغلوا فيهم، فجعلوا لهم من الحقوق ما لا يجوز؛ لأن من حقوق الله الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد حق الألوهية، فلا يعبد أحد إلا الله عز وجل، لا يعبد أحد إلا الله عز وجل. وهكذا حق الملك والتدبير، فلا يتصرف في هذا الكون من جميع الوجوه إلا الله سبحانه وتعالى. فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فقد غلا في هذا المعبود، لأن العبادة حق محض لله عز وجل. فمن دعا غير الله، دعا صالحاً من الصالحين، فقد غلا فيه؛ لأنه أعطاه حقاً خاصاً بالله عز وجل. فهذا من الغلو، إذ أن هذا العابد جعل لهذا المعبود ما ليس له، فهذا من الغلو: مجاوزة الحد، تجاوز الحد في هذا. من قال: إن لهذا الكون أوتاداً وأقطاباً يصرفونه ويدبرونه، هذا غلو؛ لأن التصرف المطلق في هذا الكون لله عز وجل وحده. واضح. والغلو قد يكون في الفعل، وقد يكون في القول، بل وقد يكون في العبادة. وقد يكون في العبادة: في الفعل دعاء غير الله، هذا غلو في الفعل. الذبح لغير الله، هذا غلو في العبادة، يعني في الفعل. وأما الغلو في القول: فهو التلفظ بألفاظ لا تجوز إلا لله، كمن يصف صالحاً من الصالحين بأنه يعلم الغيب، هذا غلو. أو أن هذا الصالح مثلاً له، مثلاً يصفه بأنه عظيم أو جليل أو إلى غير ذلك. ومن ذلك ما يأتي في بعض أشعار القوم، كالبردة التي للبوصيري، ويترنمون بها في اجتماعاتهم وموالدهم وحضراتهم. وفي هذه البردة يقول البوصيري: "يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العميم، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم". هذا غلو، هذا غلو في النبي عليه الصلاة والسلام؛ هو لا يعلم ما في اللوح والقلم، وهو لا يلاذ به، إنما يلاذ بالله. وكذلك قد يكون الغلو في العبادة، كمن يعبد الله عز وجل بما لم يشرعه، بما لم يشرعه: فيصوم الدهر، أو يقوم الليلة كلها ولا ينام. أو كذلك من الغلو في العبادة مثلاً: الابتداع في الدين، هذا من الغلو في العبادة. من الغلو في العبادة: تخصيص أيام لم تخصص بالشرع، أو تخصيص أشهر لم تخصص بالشرع، فهذا من الغلو في العبادة. فالغلو له أبواب كثيرة، له أبواب كثيرة. فسبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. فلما غلوا فيهم وعظموهم ونزلوهم غير منزلتهم، خرجت عبادة الله عز وجل من قلوبهم، وتعظيم الله عز وجل من قلوبهم، فهابوا المخلوق وعظموا المخلوق وخافوا من المخلوق، وهذا كله بسبب الغلو في الصالحين، بسبب الغلو في الصالحين. ولا أدل من ذلك مثلاً في خوف هؤلاء من الصالحين أكثر من خوفهم من الله: فلو قلت له: "سيفعل بك الولي الفلاني كذا"، تراه يخاف ويرتعد. بل بعضهم لو قلت له: "احلف بالولي الفلاني" في مسألة ما وهو يعلم أنه كاذب، ما استطاع أن يحلف، يخاف من هذا الولي. لكن لو قيل له: "احلف بالله" وهو يعلم أنه كاذب، لحلف بالله. هذا يدل على ماذا؟ أنه يعظم المخلوق أكثر من تعظيم الخالق. فالغلو في الصالحين من ثماره السيئة أنه يخرج العظمة والهيبة من قلوب الغلاة، فلا يخافون الله، ولا يعظمون الله، ولا يهابون الله، وإنما يخافون ويعظمون الصالحين. فلذلك جاء في الشرع النهي عن الغلو، وتحريم الغلو في أدلة كثيرة، سيذكر المؤلف ما تيسر منها. قال: وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171]. تفسير الآية: الخطاب هنا لأهل الكتاب، وهنا ظاهر الآية أنه لأن نصارى، فالنصارى واليهود وقعوا في الغلو ومجاوزة الحق. فاليهود قالوا: "عزير ابن الله"، وهذا غلو. والنصارى قالوا ماذا؟ المسيح ابن الله، وقالوا: "ثالث ثلاثة"، وهذا من ماذا؟ من الغلو. فخاطب الله عز وجل أهل الكتاب بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، لا تتجاوزوا الحد، فتعطون أنبياءكم فوق منزلتهم، فليس من منزلتهم أن يعبدوا وأن يدعوا من دون الله. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، لا تفتروا على الله. فمن افتراء النصارى على الله قولهم: إن المسيح ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، هذا من غلوهم. ومن غلو اليهود قولهم: "عزير ابن الله"، هذا من قولهم على الله غير الحق. ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ليس هو ابن الله، وليس هو إله من دون الله، إنما هو رسول الله أرسله الله ليدعو إلى توحيد الله وإفراد الله عز وجل بالعبادة. فكيف أنتم تدعونه من دون الله؟ كيف أنتم تدعونه من دون الله تزعمون أنه ابن الله؟ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: يريد بكلمته قوله "كن" فكان عيسى عليه السلام بكلمة الله "كن"، فهذا معنى قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. فمن أمره سبحانه وتعالى أن خلق عيسى من أم بغير أب، وخلقه بكلمته بقوله "كن" فكان. وأما قوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: فهذا من باب التشريف، إذ نسب الله عز وجل الروح إليه: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾. وليس معنى "وروح منه" يعني جزءاً من الله كما تدعي النصارى، وإنما المراد: روح مخلوقة من الله، كما أن جميع الخلق أرواحهم من... من الله، من الذي خلقها؟ خلقها الله. واضح. فقوله: ﴿مِّنْهُ﴾: أي مخلوقة من الله. ليس المراد أن روح عيسى هي من روح الله، حاشا. وكل هذا كفر، فهذا كفر. وإنما المراد أن روح عيسى مخلوقة من الله كغيرها من الأرواح، وإنما أضاف هنا وخصها بالإضافة، إضافة تشريف، إضافة ماذا؟ تشريف. مثل ما تقول: "مسجد الله"، و"كعبة الله"، لأن المسجد شريف والكعبة شريفة فأضفتها إلى الله. وهكذا الله عز وجل أضاف روح عيسى إليه تشريفاً، كما ما نقول: "بيت الله". هل معنى البيت جزء من الله؟ لا، وإنما بيت خلقه الله، ومسجد خلقه الله، وإنما أضيف إلى الله إضافة تشريف لشرف هذا المكان. فهذه الآية وجه الشاهد منها ظاهر، وهو النهي عن الغلو: ﴿لَا تَغْلُوا﴾، "لا" ناهية، و"تغلوا" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، علامة جزم حذف النون. ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، والمراد بالدين هنا: يأتي الدين بمعنى الجزاء: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، يوم الجزاء. ويأتي بمعنى العمل. والمراد بالدين هنا هو العمل: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، يعني في عملكم، في عبادتكم، فالعبادة من العمل. فهذا هو تفسير هذه الآية. قال: وفي الصحيح - وكما تقدم مراراً وتكراراً أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي إذا قال "في الصحيح" يحتمل أنه في الصحيحين، يعني في البخاري ومسلم، ويحتمل أنه في البخاري فقط، ويحتمل أنه في مسلم فقط، ويحتمل أنه في غير البخاري ومسلم، فمراده الحديث الذي صح، وإن أخرجه غير البخاري ومسلم. وهنا قوله: "ويعرف قصده بالرجوع إلى أصل الحديث"، والرجوع إلى أصل الحديث. فهذا الحديث هو في صحيح البخاري، هذا الحديث في صحيح البخاري. قال: في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت. وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. معنى الحديث: يخبر ابن عباس، وابن عباس هو حبر، ويقال حبر بكسر الحاء وبفتحها: حبر وحبر، والحبر بمعنى العالم النحرير. فابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". فيذكر ابن عباس في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، أي قوم نوح ممن دعاهم نوح إلى التوحيد فأبوا، وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، يعني لا تتركوا آلهتكم، لا تتركوا عبادتها. ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. هذا العلماء يقولون: من باب عطف الخاص على العام، من باب عطف الخاص على العام. فقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ هذا عام، فآلهتهم هؤلاء الصالحون وغيرها من الآلهة التي كانوا يعبدونها. وإنما ذكر الخاص بعد العام لأنه يفيد الاهتمام، بمعنى أن من أعظم آلهتهم ومن أخصها إليهم هذه الخمسة: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، لا تتركوها، بل استمروا على عبادتكم إياها. قال ابن عباس عن هذه الأسماء: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، رجال صالحين، أهل عبادة، أهل طاعة. وقلنا: الصالح ما تعريف الصالح عندك؟ نحن نذكرنا قبل قليل عندك... الذي أدى حق الله وحق عباده، هذا يسمى صالحاً. يقول لك: فلان رجل صالح، قائم بحق الله، يصلي، يحافظ على الصلاة، موحد، يبر بوالديه، وصل لأرحامه، محب لإخوانه، ما يشتكي منه أحد، يؤدي حق الزوجة، حق الوالدين، حق الإخوان، هذا رجل صالح، أدى حق الله وحق عباد الله. فهؤلاء رجال صالحين أدوا حق الله وحق عباد الله. فلما هلكوا، يعني ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم. وفي هذا أن الشيطان يدخل إلى عباد القبور من هذه الشبهة، وهو الغلو في الصالحين. قال لهم الشيطان: ماذا؟ ﴿أَنِ أَنصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنصَابًا﴾. أنصاباً: جمع نصب، والنصب ما ينصب كحجر أو عصا أو خشب أو نحو ذلك. فقال لهم الشيطان: هؤلاء كان لهم مجالس يجلسون فيها، تمام. أنصبوا فيها أنصاباً، يعني يجعلوا مثلاً هذا للنصب، هذا لود، والنصب الثاني هذا ليغوث، وهكذا البقية. كل واحد يعملوا لها نصب المكان الذي يجلس فيه، خمسة أنصاب، ها خمسة ماذا؟ أنصاب. قال: ﴿وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ﴾، هذا النصب سموه نصب ود، ها، وهذا النصب سموه نصب سواع، وهذا نصب يغوث، اذكروا، يعني يكتبوا عليها أسماءهم، يكتبوا عليها ماذا؟ أسماءهم. ففعلوا، فانصاب هذا باسم وهذا باسم وهذا باسم وهذا باسم وهذا باسم في الأماكن التي يجلسون فيها. لماذا فعلوا هذا؟ قالوا: حتى تذكروا ماذا؟ عبادتهم. هؤلاء كانوا عباداً، صح. فلما تشوف النصب هذا وعليه اسم ود، تذكر عبادته، تتشجع، ها، وتعمل مثل عمله، تعمل مثل عمله، من أجل التذكر. وما يقولون: "نصب تذكاري"؟ هذا النصب التذكاري صراحة هي مأخوذة من أصحاب ود وسواع ويغوث ونسر، من أصحاب قوم نوح. هذا النصب التذكاري من أجل أن تتذكر عبادة هذا الصنم أو ذاك النصب. واضح. قال: ففعلوا، ولم تعبد، ما عبدوها، بس من أجل أن يتذكروا، ها، من أجل أن يتذكروا. قال: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِيَ الْعِلْمُ﴾. ما المراد بأولئك؟ يعني الذين اقترحوا أن تنصب هذه الأنصاب، هذا الذين اقترحوا أن تنصب هذه الأنصاب ماتوا. ﴿وَنُسِيَ الْعِلْمُ﴾: معناه ضعف العلم وذهب العلم، فصار الناس في جهل. فقالوا: أجدادنا ما نصبوا هذه النصب إلا لأن هؤلاء، ها، لهم جاه عند الله، ولهم منزلة عند الله، ناس صالحين. فقاموا عبدوهم، كما قال ابن القيم هنا: لما ماتوا، يعني هؤلاء، عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم. الأولون جعلوا تماثيل، نصف فقط، لكن لما مات أولئك ونسي العلم وكثر الجهل، جاء الجيل الآخر فصوروا لهم الصور والتماثيل، فعبدوهم من دون الله عز وجل. وهذا من ماذا؟ من الغلو. بدأ الغلو، بدأ الغلو بتصوير الصور ونصب... فالنصب بدأ الغلو، فأدى بهم هذا الغلو والعياذ بالله إلى الشرك، إلى الشرك. ولذلك جاء تحريم الصور لأنها ذريعة إلى عبادة أهل هؤلاء الصور. وهذا هو فعل عباد القبور اليوم: اليوم ربما تجد بعض هؤلاء الصوفية معهم صورة ابن حفيظ، يضعها تحت الوسادة أو في جيبه. بعد فترة هكذا يطلع الصورة وينظر إليها. قيل لأحدهم: لماذا أنت تنظر إليه؟ قال: أتذكر عبادته وصلاحه. وهكذا إذا مات، نصب له قبة وغرفة، وعبدوه من دون الله. هو هو فعل قوم نوح: فعل قوم نوح، بدأوا بالصور والتماثيل والنصب، وانتهوا إلى ماذا؟ إلى الشرك، إلى الشرك. فهذا معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِيَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ﴾. وجه الشاهد من هذا الحديث: أنهم غلوا في هؤلاء الصالحين بنصب النصب وتصوير الصور وتمثيل التماثيل، ثم عبادتهم من دون الله، كل ذلك من الغلو في الصالحين، من الغلو في الصالحين. بقية الأحاديث إن شاء الله نتكلم عنها في الدرس القادم مع مسائل الباب. نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله تعالى، شكراً للهدى، شكراً.