الدرس في شرح آيات الصيام 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول حكم الأكل والشرب عند سماع أذان الفجر أثناء التسحر، معتمدًا على معرفة وقت طلوع الفجر الصادق. إذا كان المؤذن يؤذن على الوقت وجب الإمساك عند سماع الأذان.
يتناول مسائل فقهية متعلقة بالأكل والشرب أثناء الأذان، مثل حكم من كان في يده إناء أثناء الأذان، وحكم من أتى أهله أثناء الأذان. يُوضح آراء مختلف العلماء ويُبين الراجح منها.
يشرح حكم الأكل والشرب عند الشك في طلوع الفجر، ويبين بركة يوم الجمعة ووجود البركة في أكله ووقته، مستشهدًا برواية عن ابن عمر في السنن.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا فِي أَحْكَامِ الصِّيَامِ فِي ذِكْرِ الرُّكْنِ الْآخِرِ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الصِّيَامِ. وَكَانَ الْكَلَامُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي عَلَى أَنَّ بَدْءَ الصِّيَامِ يَكُونُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَذَكَرْنَا الْمَسَائِلَ السَّرِيعَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَكَذَلِكَ مِمَّنْ يَلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةٌ يَكْثُرُ السُّؤَالُ وَالِاسْتِفْسَارُ عَنْهَا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: بَيْنَمَا أَتَسَحَّرُ إذْ بِالْمُؤَذِّنِ يُؤَذِّنُ، فَمَا الْعَمَلُ هُنَا؟ يَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ عُلَمَاءُ: يُنْظَرُ فِي هَذَا الْأَذَانِ وَلِمَنْ يُؤَذَّنُ بِهَذَا الْأَذَانِ، هَلْ هُوَ يُؤَذِّنُ عَلَى الْوَقْتِ أَمْ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْأَذَانِ كَمَا يَقَعُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَفِي غَيْرِهَا مِنْ بَعْضِ الْمُؤَذِّنِينَ مِمَّنْ يَتَعَجَّلُ فِي الْأَذَانِ؟ فَعَلَى ضَوْءِ تَصْنِيفِ الْأَذَانِ يَظْهَرُ الْحُكْمُ. فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ عَلَى الْوَقْتِ، فُوجِبُ الْإِمْسَاكُ، تَكُفُّ وَلَا تَتَمَادَى فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، تَتَوَقَّفُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. هَذَا إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ عَلَى الْوَقْتِ. أَمَّا إنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ أَنْتَ تَعْرِفُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالْوَاقِعِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِبَيَاضِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهَذَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي أَكْلِك وَشُرْبِك. وَلِهَذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، كَمَا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَالٌ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَمَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُونَ فِي دِمَشْقَ وَغَيْرُهُمْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَعَلَى هَذَا مَاذَا يَزَالُ هَذَا الْإِشْكَالُ؟ فَمَنْ كَانَ يَتَسَحَّرُ فِي مَنْطَقَةٍ أَوْ قُلْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، مَثَلًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ فِي النَّوَاحِي مِمَّنْ لَا يَلْتَزِمُ بِالتَّوْقِيتِ الشَّرْعِيِّ، فَيُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِخَمْسِ دَقَائِقَ، كَمَا قُلْنَا مَثَلًا الْأَذَانُ الرَّابِعُ وَالرُّبْعُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بِذَلِكَ أَرْبَعٌ وَالرُّبْعُ. فَإِذَا الْمُؤَذِّنُ فِي حَافَتِكُمْ مَثَلًا أَذَّنَ أَرْبَعًا وَعَشْرًا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ بَقِيَ خَمْسُ دَقَائِقَ مِنْ الْأَذَانِ الصَّحِيحِ، فَالْحِينَ لَا عِبْرَةَ، لَا تُبَالِي بِأَذَانِكَ، كُلْ وَاشْرَبْ؛ لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، كُلْ وَاشْرَبْ وَلَا تُبَالِ بِهِ. وَعَلَى هَذَا فَتْوَى الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، كَذَلِكَ مِنْ الْمِثَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِمْسَاكِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. قُلْنَا: إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَجَبَ الْإِمْسَاكُ. وَمَتَى يَجِبُ الْإِمْسَاكُ؟ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ مَتَى مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، إذَا أَذَّنَ كُفَّ وَلَا تَتَمَادَى. وَبِهَذَا يَظْهَرُ خَطَأٌ يُذْكَرُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ التَّصَوُّرَاتِ لِبَعْضِ النَّاسِ، أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا أَذَّنَ لِلْفَجْرِ الصَّادِقِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلَ وَأَنْ تَشْرَبَ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَذَانُ. هَذَا يُوجَدُ، وَلَا أَدْرِي هَلْ هَذَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ يَظُنُّ هَذَا الظَّنَّ، أَنَّهُ لَكَ رُخْصَةٌ، مُؤَذِّنٌ مُؤَذِّنٌ كُلَّمَا أَذَّنَ تَأْكُلُ مَعَهُ وَهُوَ يُؤَذِّنُ، أَنْ تَتَأَكَّلَ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَالَ انْتَهَى مِنْ أَذَانِهِ تَكُفُّ؟ هَذَا خَطَأٌ، هَذَا لَا يَجُوزُ، هَذَا قَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الْكَفَّ يَكُونُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ"، تَكُفُّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي وَهَكَذَا يَخْتَارُ كَلِمَاتٍ مِنْ الْأَذَانِ يَقِفُ عِنْدَهَا. وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ صَحِيحًا، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ مَتَى مَا كَبَّرَ وَبَدَأَ بِالْأَذَانِ تَكُفُّ. طَيِّبٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنِ الْمُؤَذِّنُ؟ أَنْتَ فِي قَرْيَةٍ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْأَذَانَ فِي الرَّابِعِ وَالرُّبْعِ، وَتَنْظُرُ فِي الْمَسْجِدِ الْمَسْجِدِ مُقْلِقٍ، عَلِمْتَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ قَدْ نَامَ وَمَا أَذَّنَ، غَفَلَ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْآنَ وَقْتُ أَذَانٍ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ بِحُجَّةِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ مَا أَذَّنَ؟ لَا يُسَلُّ بِذَلِكَ. الْمُؤَذِّنُ الْأَذَانُ عِبَارَةٌ عَنْ إعْلَامٍ فَقَطْ، إعْلَامٍ. فَأَنْتَ إنْ عَلِمْتَ أَنَّ الْآنَ دَخَلَ وَقْتُ الْفَجْرِ، تُمْسِكُ. قَدْ يَكُونُ مُؤَذِّنٌ يَتَأَخَّرُ، قَدْ يَتَعَطَّلُ الْجِهَازُ مَثَلًا. فَلْيَكُنْ بَعْضُ النَّاسِ هَكَذَا، مَا يَسِيرُ إلَّا بِالْأَذَانِ، مَبْرَمَجٌ عَلَى هَذِهِ الْبَرْمَجَةِ. لَا أَنْتَ تَعْلَمُ، إذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْآنَ دَخَلَ الْفَجْرُ، فَعِنْدَكَ مَعْرِفَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوَاقِيتِ، ظَهَرَ لَكَ فِي الْأُفُقِ الْفَجْرُ الصَّادِفُ، تَكُفُّ. فَإِنْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ، فَهَذَا مِنْ بَابِ مَا ذَا الْإِعْلَامِ فَقَطْ. فَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْوَقْتِ وَلَيْسَ الْعِبْرَةُ بِالْأَذَانِ كَذَلِكَ. وَنَنْبَعُ عَلَى مَسْأَلَةٍ قَدْ يَجِدُهَا بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ أَوْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْ رُبَّمَا يَسْتَرْسِلُ يَسْتَرْسِلُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. هَذَا يُوجَدُ، يُوجَدُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَهَكَذَا الْأَهْلِ، الْمُهْلِ الْفَضْلِ. مَنْ يَرَى أَنَّ الصَّائِمَ إنَّمَا يُمْسِكُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إذَا ظَهَرَ الْفَجْرُ، وَإِذَا ظَهَرَ الصُّبْحُ بَيْنَ الْطُرُقَ مَعَ الْإِسْفَارِ، هُنَا يَكُفُّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَهَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَمَا قُلْنَا: مُنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْفَضْلِ، لَكِنَّهُ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، قَوْلٌ مَرْجُوحٌ. فَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ إنَّمَا يَكُفُّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَتَى مَا أَذَّنَ الْفَجْرُ، أَوْ مَتَى مَا دَخَلَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ. كَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، مَسْأَلَةٌ: مَنْ لَوْ كَانَ يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَفِي يَدِهِ إنَاءٌ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَذَلِكَ لِلدَّلِيلِ الْقَائِمِ عَلَيْهَا. ثَبَتَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ". فَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ: إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَنَقَصَ بِهَا لِذَانِ الصَّادِقِ، يَعْنِي الصَّحِيحِ أَوْ الصَّادِقِ، إذَا أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ فِي الْوَقْتِ، وَأَنْتَ مُتَلَبِّسٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، الْإِنَاءُ فِي يَدِكَ، فَلَا تَضَعْهُ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَكَ مِنْهُ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى هَذَا، وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ. لَكِنْ بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ سَائِلًا، وَأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا بِالْيَدِ. فَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا فِي الْأَرْضِ، فَلَا تَأْخُذْهُ. إذَا أَنْتَ تَأْكُلُ فَأَذَّنَ، وَأَنْتَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِك، تَقْضِي حَاجَتَكَ مِنْهُ أَيْ تَأْخُذُ مِنْهُ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: مُبْنٍ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ أَعْلَى كَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ. فَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ. فَمَنْ يَرَى صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ سَلِيمٌ، يُعَلِّقُ يَقُولُ بِهِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَوْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِكَ، تَضَعُهُ؛ لِأَنَّكَ دَخَلْتَ فِي بَابِ الْوُجُوبِ، وُجُوبِ الْكَفِّ. فَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْحَدِيثِ صِحَّةً وَضَعْفًا. فَعَلَى تَصْحِيحِهِ، يَشْرَعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَطْ، شُرِبَ فِي الْيَدِ. وَعَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ، تَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ مَنْعُ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ، وَمَنْعُ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ. كَذَلِكُمْ مِثْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَهُوَ: إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَالرَّجُلُ قَدْ أَتَى أَهْلَهُ أَوْ يَأْتِي أَهْلَهُ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْفَجْرُ صَحِيحٌ، وَالرَّجُلُ يَأْتِي أَهْلَهُ. مَا الَّذِي يَفْعَلُ؟ الصَّحِيحُ فِي الْمِثْلَةِ وَالْخُلَاصَةُ فِيهَا: أَنَّ مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، فَإِنَّهُ يَنْزِعُ يَنْزِعُ مُبَاشَرَةً، وَيَتِمُّ صَوْمَهُ. يَنْزِعُ مُبَاشَرَةً وَيَتِمُّ صَوْمَهُ. هَذَا عَلَى خِلَافِ مَنْ حَكَمَ بِفَسَادِ الصَّوْمِ. ذَهَبَ جَمَاعَةٌ، بَلْ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إلَى فَسَادِ الصَّوْمِ، مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ أَثْنَاءَ النِّزَاعِ، سَيَنْزِعُ. سَيَأْذَنُ مُؤَذِّنٌ فِي حَالِ النِّزَاعِ، يَكُونُ مَاذَا؟ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْإِثْمِ. لَكِنَّ الصَّحِيحَ كَمَا حَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ النِّزَاعَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَنَّهُ مَاذَا مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ. فَهُوَ لَابُدَّ أَنْ يَنْزِعَ. فَنَزْعُهُ مَعَ ذَا الْمُؤَذِّنِ، هَذَا لَا يَضُرُّهُ، فَالصَّوْمُ صَحِيحٌ. فَمَنْ أَتَى أَهْلَهُ مَعَ ذَا الْفَجْرِ، يَنْزِعُ مُبَاشَرَةً. فَإِنْ تَمَادَى، حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ، أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ، وَجَبَ الْكَفُّ. فَإِنْ تَمَادَى، بَطَلَ صَوْمُهُ. وَهَكَذَا مَنْ أَتَى أَهْلَهُ إذَا أَذَّنَ، كَفَّ وَانْزِعْ مُبَاشَرَةً. فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَضُرُّكَ شَيْءٌ، وَيَتِمُّ صَوْمُكَ. فَإِنَّ الصَّوْمَ صَحِيحٌ. كَذَلِكُمُ الْمِثَالُ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْأَلَةِ الشَّاكِّ: مَنْ كَانَ يَشُكُّ يَشُكُّ فِي الْوَقْتِ، هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْ لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ؟ مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ مِنْ الشُّكُوكِ، مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ يُبْرِهُنُ حَقِيقَةَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لَا يَدْرِي أَطَلَعَ الْفَجْرُ أَمْ لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ؟ فَفِي هَذِهِ الْمِثَالَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ، تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ مَا دُمْتَ تَشُكُّ. قَدْ يَكُونُ رَجُلٌ فِي الْبَرِّيَّةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، أَوْ رَجُلٌ يَكُونُ مَاذَا فِي مَكَانٍ مُغْلَقٍ أَوْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، أَوْ يَكُونُ فِي سَفَرٍ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَاذَا؟ مَا عِنْدَهُ وَقْتٌ أَوْ عِنْدَهُ السَّاعَةُ، لَا يَدْرِي هَلْ دَخَلَ الْفَجْرُ لَمْ يَدْخُلْ الْفَجْرُ؟ هَلْ هَذَا أَوَانُهُ؟ هَلْ لَازَالَ لَيْلٌ بَاقٍ حَتَّى يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ؟ أَمْ الْفَجْرُ طَلَعَ فَيَقِفُ؟ مَا يَدْرِي بِشَيْءٍ، هُوَ أَنَّ فِي شَكٍّ فِي رَيْبٍ مِنْ أَمْرِهِ. فَهَذَا قَالَ عُلَمَاءُ: الشَّاكُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، هَذَا لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ. بَلْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: قَالَ: "وَالشَّاكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَالْجِمَاعُ بِالِاتِّفَاقِ". قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالشَّاكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، جَازَ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ بِالِاتِّفَاقِ". فَهُنَا ذَكَرَ الِاتِّفَاقَ عَلَى مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ، مَنْ كَانَ يَشُوفُ مَا عِنْدَهُ مَا يَدَلُّ عَلَى دَخُولِ الْوَقْتِ أَوْ خُرُوجِهِ. فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ. الْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّيْلِ. وَقَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:187]. وَهَذَا الشَّكُّ مَا تَبَيَّنَ لَهُ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الِاتِّفَاقَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَنْقُلُ خِلَافَ مَنْ خَلَفَ. وَهَكَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْبَابِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَثَلًا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَبَعْدَمَا أَكَلَ وَشَرِبَ عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ. وَهَذَا قَدْ يَقَعُ: رَجُلٌ يَتَنَاوَلُ، يَقُومُ مَثَلًا مِنْ لَيْلِهِ، فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ظَانًّا بِبَقَاءِ اللَّيْلِ. فَلَمَّا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ قَبْلَ عَشْرِ دَقَائِقَ، وَأَنَّ أَكْلَهُ إنَّمَا تَمَّ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. فَمَا حُكْمُهُ؟ قَالَ عُلَمَاءُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ. قَالَ عُلَمَاءُ: إنْ كَانَ هَذَا الْخَطَأُ وَقَعَ مِنْهُ بَعْدَ تَحَرٍّ، تَحَرَّى وَاجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، فَمَا اسْتَبَانَ لَهُ شَيْءٌ، فَهَذَا كَمَا قُلْنَا: حُكْمُ الشَّاكِّ، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. فَإِنْ بَعْدَ التَّحَرِّي عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، هَذَا لَا يَضُرُّهُ. وَهَذَا مِنْ الْخَطَأِ، رَبُّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. لَكِنْ إذَا كَانَ مُفْرِطًا، صُورَتُهُ: رَجُلٌ رُبَّمَا يَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلِ، وَدَاخِلُهُ الشَّكُّ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، وَهُوَ يَدْرِي بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي السَّاعَةِ، إذَا نَظَرَ فِي السَّاعَةِ عَلِمَ بِصِحَّةِ الْوَقْتِ. لَكِنْ مَاذَا يَتَعَامَى؟ قَالَ: لَا، مَا سَأَنظُرُ فِي السَّاعَةِ، لَا مَا أَدْرِي. يَفْتَحُ الثَّلَاجَةَ، سَأَأْكُلُ وَأَشْرَبُ، ثُمَّ أَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ. قَامَ مِنْ لَيْلِهِ، فَفَتَحَ الثَّلَاجَةَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ نَظَرَ فِي السَّاعَةِ، قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، دَخَلَ وَقْتُ الْفَجْرِ. يَسْأَلُ: يَا أَخِي، أَنَا أَكَلْت وَشَرِبْت وَمَا أَدْرَيْت إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ دَخَلَ. انْظُرْ هَكَذَا سُؤَالُهُ. لَكِنَّ فِي حَقِيقَةِ الْوَاقِعِ، هُمْ مُفْرِطُونَ، لَهُمْ مُفْرِطٌ. كَأَنَّ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي السَّاعَةِ أَوَّلًا، يَتَحَرَّى. يَعْنِي يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ، أَوْ بِكَ مَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: يَفْتَحُ النَّوَافِذَ مَثَلًا. كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: مِثْلُ هَذِهِ الْأَيَّامِ، مَكِيفَاتُ الْغُرْفَةِ مُقَفَلَةٌ مَثَلًا، مَا يَدْرِي هَلْ أَذَّنَ الْفَجْرُ؟ هَلْ النَّاسُ يُصَلُّونَ؟ مَا يُصَلُّونَ؟ يَتَحَرَّى. أَقَلُّ مَا يُقَالُ: بِالسَّاعَةِ. مَا عِنْدَكَ سَاعَةٌ؟ تَفْتَحُ النَّوَافِذَ، تَسْمَعُ هَلْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَمْ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ؟ لَا هَذَا وَلَا ذَا، لَا تَتَحَرَّى. تَقُومُ مُبَاشَرَةً إلَى الثَّلَاجَةِ وَتَأْكُلُ، ثُمَّ بَعْدَك تَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ؟ لَا. فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا عَلَيْهِ قَضَاءٌ، هَذَا عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّ. فَعَلَى هَذَا الْحَالِ: فَمَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَعَلَى التَّفْصِيلِ: إنِ اجْتَهَدَ وَسَأَلَ وَنَظَرَ فِي السَّاعَةِ، مَا عِنْدَهُ سَاعَةٌ، نَظَرَ فِي الشَّوَارِعِ فِي الطُّرُقَاتِ، تَسَمَّعَ، فَمَا سَمِعَ شَيْئًا، فَهَذَا تَحَرٍّ. يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ أَكَلَ فِي الْوَقْتِ، هَذَا لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ وُسْعَهُ فِي التَّحَرِّي. لَكِنَّ الَّذِي يُفْرِطُ، فَهَذَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَهَكَذَا أَخَوَانِي، فِي اللَهُمَّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالسَّحُورِ. وَهِيَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّنَا نَذْكُرُ أَهَمَّ الْمُتَعَلِّقِ فِي السَّحُورِ؛ لِأَنَّ مِمَّا يَتَنَاوَلُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ: السَّحُورُ. حُكْمُهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ. وَذَكَرَ الْإِجْمَاعَ جَمَاعٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ قُدَامَةَ وَهَكَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ الرُّشْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَجَاءَتْ بِحَقِّهِ فَضَائِلُ وَفَضَائِلُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ، وَهِيَ أَكْلَةُ السَّحَرِ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». حُكِمَ عَلَيْهَا نَبِيُّ الْبَرَكَةِ. وَبَرَكَتُهَا وَاضِحَةٌ، بَرَكَتُهَا وَاضِحَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ بَرَكَةً فِي أَكْلِهَا لِلْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ بَرَكَةً فِي وَقْتِهَا. وَجَاءَ كَذَلِكَ فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى