شرح آيات الصيام 28

شرح آيات الصيام 28

الدرس في شرح آيات الصيام 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأمور المباحة للمعتكف وآداب المسجد

يتحدث عن الأشياء المباحة للمعتكف مثل الخروج لقضاء الحاجة والأكل والشرب في المسجد مع الحفاظ على نظافته وحرمة المسجد. يشدد على أهمية مراعاة نظافة المسجد وحرمة الاعتكاف.

أهمية الاعتناء ببيوت الله وآداب الاعتكاف

يناقش أهمية الاعتناء ببيوت الله ونظافتها وتجنب الأفعال التي تؤذي الله ورسوله، ويتطرق إلى أحكام الاعتكاف وما يستحب فعله من طاعات وعبادات، ويفرق بين الاعتكاف النبوي وغيره.

حدود الكلام في الاعتكاف ومشروعية الانشغال بالمباحات

يناقش آداب الاعتكاف وحدود الكلام فيه، ويشير إلى جواز الكلام للحاجة، ويتناول آراء الفقهاء حول طلب العلم أثناء الاعتكاف، واستدلال بعض العلماء بحديث ترجل شعر الرسول لجواز الانشغال بالمباحات.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ فِي دَرَسِ الْمَاضِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ عَنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِكَافِ، وَكَانَ الْعُرُوجُ عَلَى مَسَائِلِ الْخُرُوجِ، أَيْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمُعْتَكِفِ. وَكَانَ الْكَلَامُ عَنْ ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ مَا كَانَ لِضَرُورَةٍ مِنْ مَأْكَلٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، فَهَذَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ. وَأَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا مِنْ الْخُرُوجِ مَا كَانَ لِحَاجَةٍ، مَا كَانَ لِحَاجَةٍ ظَهَرَ أَمْرٌ يَرَى الْمُعْتَكِفُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِنْ خَرَجَ هَذَا لَا يَضُرُّهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ، أَوْ بِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ فِي زِيَارَةِ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مُعْتَكَفِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ تَنْصَرِفَ خَرَجَ نَبِيُّنَا مَعَهَا وَأَوْصَلَهَا. قَالَ الْخَطَّابُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَفْسُدُ لِمَنْ خَرَجَ لِوَاجِبٍ. فَمِثْلُ هَذَا الْمِثَالِ، مَثَلًا مَنْ كَانَ جَاءَهُ مَثَلًا ابْنُهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَأَرَادَ هَذَا الصَّغِيرُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى بَيْتِهِ، وَأَنْ تُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ، وَتُخْشَى مِمَّنْ يُوَاجِهُهُ أَوْ يُصَادِفُهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُوصِلَ هَذَا الصَّبِيَّ إلَى الْبَيْتِ؟ لَا كَذَلِكَ، فَهَذَا يَجُوزُ. وَهَكَذَا قِسْ مَا كَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ لِذَلِكَ، فَهَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ. وَهَا نَحْنُ ذَا نَأْتِي إلَى مَسْأَلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ لِلْمُعْتَكِفِ، وَهِيَ: مَا هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يُبَاحُ فِعْلُهَا لِلْمُعْتَكِفِ؟ مَا هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يُبَاحُ فِعْلُهَا لِلْمُعْتَكِفِ؟ هُنَاكَ أَشْيَاءُ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَفْعَلَهَا، مِنْهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهَا. وَمَا كَانَ مِنْ حَاجَةٍ لَكَ أَنْ يَمْعُتَكِفَ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهَا. الْأَمْرُ الثَّانِي: إصْلَاحُ النَّفْسِ وَتَهْيِئَتُهَا، مِثْلُ شَخْصٍ أَرَادَ مَاذَا؟ أَنْ يَقْتَسِلَ، أَرَادَ أَنْ يَتَنَظَّفَ، أَرَادَ أَنْ يُنَظِّفَ، سَوَاءٌ يُنَظِّفُ بَدَنَهُ أَوْ يُنَظِّفُ ثِيَابَهُ، سَوَاءٌ أَرَادَ أَنْ يَقُصَّ شَعْرَهُ، يُحَلِّقُ شَعْرَهُ، أَرَادَ أَنْ يَقُصَّ أَضْفَارَهُ، هَلْ هَذَا يَجُوزُ؟ نَعَمْ، هَذَا يَجُوزُ. إصْلَاحُ النَّفْسِ وَتَهْيِئَتُهَا مِمَّا لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَمَرَّ مَعَنَا كَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي مُعْتَكَفِهِ، يُجْعِلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، بَعْدَمَا يَخْرُجُ رَأْسَهُ إلَى حُجْرَتِهَا أَنْ تُرَجِّلَهُ. فَاسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَفْعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا لَا تَضُرُّهُ. وَكَذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا لِلْمُعْتَكِفِ مِنْهَا: جَوَ، جَوَازُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَأْكُلَ وَأَنْ يَشْرَبَ فِي الْمَسْجِدِ. نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا شَرْطًا، قَالَ: مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى نَظَافَةِ الْمَسْجِدِ. وَلَهُ ذِكْرُ الْعُلَمَاءِ، وَذِكْرُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ، لَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَأَنْ يَشْرَبَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَيَجْعَلُ لَهُ سُفْرَةً، كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ. قَالَ: يَجْعَلُ مَعَ أَكْلِهِ سُفْرَةً، قَالَ: حَتَّى يَسْقُطَ إلَيْهَا الطَّعَامُ، يَسْقُطُ الطَّعَامُ فِي السُّفْرَةِ وَلَا يَقَعُ فِي الْمَسْجِدِ. وَهَذَا التَّنْبِيهُ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ دَائِمًا وَأَبَدًا أَنْ يُرَاعِيَ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ، أَنْ يُرَاعِيَ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ. الْوَاحِدُ مِنَّا إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اعْتِنَاءً فِي نَظَافَةِ بَيْتِهِ، أَنْتَ لَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ بَيْتُكَ فِيهِ مَاذَا؟ قَذَارَةٌ أَوْ فِيهِ وَصَخٌ أَوْ فِيهِ شَيْءٌ يُشَوِّهُ جَمَالَهُ. وَهَكَذَا أَنْتَ أَحْرَصُ فِي ذَلِكَ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، تُحَرِّصُ عَلَيْهِ، وَكَمْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي شَدَّدَ فِيهَا الشَّرْعُ فِي الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْبَابِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ يُحَرِّصُ أَيَّمَا حِرْصٍ عَلَى نَظَافَةِ بَيْتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحَرِّصَ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذِهِ مَاذَا؟ مِنْ الْأَجُورِ الْعَظِيمَةِ، مِنْ الْأَجُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ. فَبَعْضُ النَّاسِ رُبَّمَا يَرَى مَا فِيهِ تَشْوِيشٌ وَتَشْوِيهٌ لِجَمَالِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ حَسْبُهُ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ وَلَا يُغَيِّرُ هَذَا التَّشْوِيهَ، بِحُجَّةِ مَاذَا؟ قُلْ: هَذَا لَيْسَ عَمَلِي، وَصَحِيحٌ لَيْسَ هَذَا عَمَلُك، لَكِنْ أَنْتَ مَحْرُومٌ الْأَجْرِ. مِثْلُ أَنْ تَرَى قَذَاذَةً، تَرَى وَرَقَةً مَرْمِيَّةً فِي الْمَسْجِدِ، خُذْهَا وَارْمِهَا فِي أَقْرَبِ قُمَامَةٍ لَكَ، أَجْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَهَكَذَا تَرَى شَيْئًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ هُنَا وَهُنَاكَ، غَيْرْ وَبَدِّلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذِهِ بُيُوتٌ، بُيُوتُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، يُؤْجَرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ مِمَّا فِيهِ نَظَافَةٌ وَالتَّطْهِيرُ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ. وَانْظُرْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنَا لِذَلِكَ، لَمَّا مَاتَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَقُومُ الْمَسْجِدَ، امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ كَانَتْ تَقُومُ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَتْ فِي اللَّيْلِ، فَقَامَ الصَّحَابَةُ وَصَلُّوا عَلَيْهَا، وَمَا أَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَوْتِهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ نَبِيُّنَا سَأَلَ عَنْهَا، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ بِأَنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: أَلَا أَعْلَمْتُمُونِي؟ أَلَا أَعْلَمْتُمُونِي بِهَا؟ فَذَهَبَ إلَى قَبْرِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا. انْظُرْ لِهَذَا الْحِرْصِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، وَذَاكَ لِيُعَظِّمَ أَمْرَهَا، مَا كَانَ أَمْرُهُ بِالسَّهْلِ، الْقِيَامُ عَلَى نَظَافَةِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَبِالمِثْلِ يَعْنِي يَشُدُّ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ قَامَ بِالِاتِّسَاخِ وَوَضْعِ الْأَوْقَاذِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ. ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي مَسْجِدِ قَوْمٍ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ مَوْجُودًا، فَتَقَدَّمَ نَبِيُّنَا وَصَلَّى بِمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ. فَفِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ رَأَى نَبِيُّنَا بُصَاقًا فِي الْقِبْلَةِ، فَمَدَّ نَبِيُّنَا يَدَهُ وَحَكَّهُ، ثُمَّ وَاصَلَ فِي صَلَاتِهِ. فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: مَنْ إمَامُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ. قَالَ: أَنْ يَصِلِيَ لَكُمْ، فَانْصَرَفَ نَبِيُّنَا، فَلَجَأَ الْإِمَامُ فِي الْفَرْضِ الثَّانِي، وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَمَنَعَهُ النَّاسُ. قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى بِنَا وَأَخْبَرَنَا أَنَّك لَا تُصَلِّي بِنَا. فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَسْتَفْسِرُ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ سَبَبِ الْمَنْعِ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إنَّك آذَيْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إنَّك آذَيْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذَا عَلَى مَنْ يَصِحُّهُ، فَالدَّلِيلُ إخْوَانِي فِي الشَّاهِدِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَوْ أَخَذْنَا ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لَطَالَ بِكُمْ الْمَقَامُ، لَكِنَّهَا كُلُّهَا تُلْمِحُ إلَى أَهَمِيَّةِ الْقِيَامِ وَالِاعْتِنَاءِ بِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، بِالنَّظَافَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ. رَأَيْتُمْ قُمَامَةً، رَأَيْتُمْ وَرَقَةً، رَأَيْتُمْ قَذَاءً مَرْمِيًّا هُنَا وَهُنَاكَ، خُذُوهَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَك فِي ذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُبَاحُ فِعْلُهَا لِلْمُعْتَكِفِ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ الِاعْتِكَافَ مَتَى شَاءَ، أَنْ يَقْطَعَ الِاعْتِكَافَ مَتَى شَاءَ. الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ، لِأَنَّ رَجُلًا مَثَلًا نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقْطَعَ هَذَا الِاعْتِكَافَ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ، يَجُوزُ. لَكِنْ بَقِيَ: هَلْ يَقْضِي؟ نَوَيْتَ أَنْ تَعْتَكِفَ الْعَشْرَ، فَمَا اعْتَكَفْت إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَا أَكْمَلْت الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، هَلْ عَلَيْك قَضَاءٌ؟ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ. بَلْ الصَّحِيحُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا قَالَ إمَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْمُعْتَكِفَ بِالْخِيَارِ، إنْ قَضَى تِلْكَ الْأَيَّامَ قَضَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ فِيهِ سَعَةٌ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِكَافِ: مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ فِعْلُهُ، يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مِنْ أَدَاءِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالنَّوَافِلِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، مِنْ التَّسْبِيحِ وَمِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَمِنْ التَّهْلِيلِ وَمِنْ التَّكْبِيرِ، وَكُلِّ مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي دِينِهِ، أُخْرَى يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ. وَلِهَذَا جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ لِلْمُعْتَكِفِ الْإِكْثَارَ مِنْ الْكَلَامِ، الْإِكْثَارَ مِنْ الْكَلَامِ، هَذَا يُذَمُّ، بَلْ هَذَا يُعَدُّ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي "زَادِ الْمَعَادِ" عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنْ اعْتِكَافِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ: كُلُّ هَذَا تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ، وَهَذَا كَانَ كَلَامًا عَمَّا مَضَى مِنْ ذِكْرِ أَحْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَخَلَوَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ فِي اعْتِكَافِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كُلُّ هَذَا تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ، ثُمَّ قَالَ: عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ. قَالَ: عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنْ اتِّخَاذِ الِاعْتِكَافِ مَحَلًّا، مَحَلًّا لِلْمُشَاغَلَةِ وَمُجْلَبَةٍ لِلزَّائِرِينَ، وَاتِّخَاذِهِمْ لِأَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَهُمْ. انْظُرْ إلَى مَا كَانَ يُعَانِيهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ بَعْضِ الْجُهَلَاءِ. قَالَ: عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكِفِ مُشَاغَلَةً أَوْ مَحَلًّا لِلْعِشْرَةِ، وَمُجْلَبَةً لِلزَّائِرِينَ، وَاتِّخَاذِ أَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَهَذَا الِاعْتِكَافُ لَوْنٌ، وَالِاعْتِكَافُ النَّبَوِيُّ لَوْنٌ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. أَيْ: هَذَا الِاعْتِكَافُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، زِيَارَاتٌ دَائِمًا وَأَبَدًا، وَكَلَامٌ وَأَطْرَافُ أَحَادِيثٍ، هَذَا نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِكَافِ، لَكِنَّ الِاعْتِكَافَ النَّبَوِيَّ شَيْءٌ آخَرُ. لَمْ يَسْتَطِعْ هَذَا الَّذِي بَلَغَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى هَذَا الْحَالِ أَنْ يَجْعَلَ الْمُعْتَكِفَ عِبَارَةً عَنْ مَاذَا؟ مُلْتَقَى الْأَحِبَّةِ. جَعَلَ الْمُعْتَكِفَ مُلْتَقَى الْأَحِبَّةِ، تَارَةً فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ مَعَ صَاحِبٍ لَهُ، وَبَعْدَ سَاعَةٍ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مَعَ صَاحِبٍ لَهُ، وَتَارَةً مَعَ زَمِيلٍ لَهُ، وَآخَرُ مَعَ قَرِيبٍ لَهُ، وَآخَرُ مَعَ جَارٍ لَهُ، وَهَكَذَا. عَبَرَتْ مَرَّةً الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي فِي مُعْتَكَفِهِ، وَهُوَ فِي زِيَارَةِ الْأَحِبَّةِ، يُزَارُ هَذَا وَذَاكَ فِي مُعْتَكَفِهِ، مِنْ غُرْفَةٍ إلَى غُرْفَةٍ، وَمَرَّةً الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي، قَلَّ ذِكْرُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَقَلَّ كَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. فَهَذَا يُذَمُّ، فَمَا يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا إنْ كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِلْكَلَامِ تَكَلَّمَ. وَلِهَذَا اسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: قَالَتْ: إنَّ الرَّسُولَ كَانَ يَعْتَكِفُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ وَقُمْت مَعَهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي زِيَارَةِ صَفِيَّةَ لِنَبِيِّنَا، وَالْحَدِيثِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ مَعَ مَنْ زَارَكَ، لَكِنْ لِحَاجَةٍ، لِقَدْرٍ جَاءَتْهُ فِي اللَّيْلِ، مَوْجُودَةٍ جَاءَتْ فِي الْعَصْرِ، ثُمَّ تَأْخُذُ يَوْمًا كَامِلًا وَلَيْلَةً كَامِلَةً، وَأَنْتَ تُطِيلُ عَلَيْهِ السَّاعَاتِ. انْظُرْ إلَى صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، جَاءَتْهُ فِي لَيْلٍ، زِيَارَةً، مَعَ قِيَامٍ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ. فَقَالَ: مَا فِيهِ الْبَأْسُ، يَأْتِيكَ أَحَدٌ يُزَارُك وَأَنْتَ فِي مُعْتَكَفِك، مِنْ أَخٍ لَكَ، مِنْ قَرِيبٍ لَكَ، يَتَحَسَّسُ عَنْ حَالِك وَعَنْ أَخْوَالِك وَعَنْ أَحْوَالِك، مَا الَّذِي تُرِيدُ؟ مَا الَّذِي مَاذَا؟ نَاقِصٌ عَلَيْك؟ فَهَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ، لِحَاجَةٍ. وَهَذَا كَمَا يُقَامُ الْعُشْرُ الْمَعْرُوفُ مَعَ الْأَقَارِبِ وَالْأَرْحَامِ، خَاصَّةً. لَكِنْ أَنْ يُتْرَكَ الْكَلَامُ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ بِغَيْرِ عَدٍّ، كَمَا يُقَالُ: كَلَامٌ، ثُمَّ كَلَامٌ، ثُمَّ كَلَامٌ، فَهَذَا مِمَّا يُذَمُّ. وَأَيْضًا مِمَّا أَدْخَلَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ: مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالنِّقَاشِ، هَذَا مَا يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ، الْمُعْتَكِفُ يَبْتَعِدُ، وَيَكُونُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْمَجَالِ، لَا يَفْتَحُ مَحَلًّا، أَوْ يَفْتَحُ مَلَفَ النِّقَاشَاتِ، أَوْ مَحَلًّا لِلْكَلَامِ فِي الْفِتَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. هَذَا لَا يَلِيقُ بِمُعْتَكِفٍ. يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ يُعَدِّدُ مَا عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَفْعَلَهُ: قَالَ: وَيَجْتَنِبُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ وَالسَّبَّ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ، فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ. فَلَا تَفْتَحْ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ الْمَلَفَاتِ، مَلَفَ الْجِدَالِ، مَلَفَ النِّقَاشِ. طَبْعًا لَوْ هُنَاكَ خَبَرٌ عَابِرٌ أَوْ مَاضٍ، مَا فِي حَرَجٍ، لَكِنْ أَنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ دُنْدُنَةً لَكَ، بَعْدَ الْعِشَاءِ، مِنْ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ، هَادِي، عَاشِرْ مَلَفَ الْفِتْنَةِ، أَيْشِ الْأَخْبَارُ؟ أَيْشِ الَّذِي وَقَعَ؟ الرَّدُّ مَرْدُودٌ، مَاذَا قَالَ فُلَانٌ؟ قَالَ فُلَانٌ، مَا يُفِيدُك هَذَا الشَّيْءُ. اتْرُكْ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجَالِ. أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مُنْقَطِعٌ، انْقَطَعْت لِذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، تَفَرَّغْ، وَهَذَا الْكَلَامُ الْقِيلُ وَالْقَالَ، مَا يُفِيدُك بِشَيْءٍ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي الْأَمْرِ وَلَا يَنْقُصُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا مُرُورُ أَوْقَاتٍ عَلَيْك. فَالْمُسْلِمُ يُحَرِّصُ، وَيَكُونُ حَرِيصًا عَلَى وَقْتِهِ. وَالْمُسْلِمُ حَوْلِيَّا مَاذَا؟ يَنْظُرُ إلَى كَيْفَ كَانَ اعْتِكَافُ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَيْفَ كَانَتْ خَلَوَاتُهُ، وَيَنْظُرُ كَذَلِكَ لِفِعْلِ السَّلَفِ. بَلْ أَنْظُرْ لِمَسْأَلَةٍ سَأَتِيكُمْ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ: هَلْ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ فِي مُعْتَكَفِهِ؟ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. رَجُلٌ فِي مُعْتَكَفٍ وَفِي مَسْجِدٍ، وَهَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا وَاَللَّهُ الْحَمْدُ، يَقْبَلُ عَلَى حَلَقِ الْعِلْمِ، هَلْ يُشْرَعُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى حَلَقِ الْعِلْمِ، وَعَلَى مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْكُتُبِ، وَعَلَى الْمُطَالَعَةِ، وَعَلَى الْمُرَاجَعَةِ، وَعَلَى الْكِتَابَةِ؟ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ الْبَتَّةَ، قَالَ: مَا يُشْرَعُ، قَالَ: لَا يُشْرَعُ هَذَا لِلْمُعْتَكِفِ، قَالَ: يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَلْزَمَ نَفْسَهُ، يَذْهَبُ إلَى خَيْمَتِهِ وَيَبْقَى فِيهَا، قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ، وَذِكْرًا لِلَّهِ، وَنَوَافِلَ وَتَعَبُّدًا، هَذَا أَنْفَعُ لَهُ. وَأَمَّا الْعِلْمُ، هَذَا لَيْسَ مَقَامَهُ. وَهَذَا مَأْثُورٌ عَنْ إمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا أَحَبَّ هَذَا الْكَلَامَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ إمَامِ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ عَنْ إمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَاذَا؟ مَا كَانُوا يُفَضِّلُونَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَنْشَغِلَ بِالْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَحِبُّ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا إمَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ حَلَقَ الْعِلْمِ، وَعَلَى مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ. قَالَ: لِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، بَلْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ، الْعِلْمُ. وَقَالَ: وَأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، مَنْفَعَةُ الْعِلْمِ، مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ. وَلِهَذَا الصَّحِيحُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: فِي حَدِيثِ تَرَجُّلِ شَعْرِ الرَّسُولِ لِرَأْسِهِ، قَالُوا: كَيْفَ الرَّسُولُ يُنْشَغِلُ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ، وَهُوَ تَمْشِيطُ الشَّعْرِ، وَلَا نَقُولُ بِالِانْشِغَالِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، أَيُّمَا أَوْلَى؟ الِانْشِغَالُ بِتَمْشِيطِ الشَّع