الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 17، ألقاها
يروي حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بنزول الأمانة في جذور قلوب الرجال ثم تعلمها من القرآن والسنة، ثم رفعها تدريجياً حتى يبقى أثرها كالوقت ثم كالمجل، وتتفشى الخيانة حتى يُقال في الرجل: ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد شهد حذيفة أحد الحديثين وانتظر الآخر، مبيناً تدهور الأمانة في الناس مع مرور الزمن.
توضح النصوص أن الأمانة فُطرية في قلوب البشر وتتعزز بتعلم القرآن ثم السنة، وأن الأخلاق الإسلامية شاملة تشمل القريب والبعيد والعدو والصديق بل والبهائم، مستدلاً بأحاديث في الإحسان للحيوانات وقصص المغفرة والعقوبة بسبب التعامل معها. ويبين كيف تتقلص الأمانة من القلب تدريجياً حتى لا يبقى إلا أثر يسير.
يحذر الحديث من رفع الأمانة من القلوب فتتحول إلى خيانة، ويبين أن مخالطة الخونة تنقل الخيانة كما تنقل مخالطة الأمناء الأمانة. وتؤكد النصوص أن الأخلاق قابلة للتغيير بالتوبة والعمل الصالح ومجالسة الصالحين، مع التنبيه على ندرة الأمانة في المعاملات التجارية في آخر الزمان.
يوضح المقطع كيف تنعكس المفاهيم في الأزمان المتأخرة، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وينطق الرويبضة. وينبه إلى أن هذه العلامات قد تكون مشاهدة في الواقع المعاصر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: قال: باب إذا بقي في حثالة من الناس، إذا بقي في حثالة من الناس. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد ابن كثير، وهو العبد البصري، قالوا فيه ثقة، قالوا فيه ثقة. وهكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال: لم يصب من ضعفه. قال: أخبرنا سفيان، والظاهر أنه ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، أبو محمد الهلالي، إمام من أئمة المسلمين وحافظ من حفاظ الأمة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، لذهب علم الحجاز. فكان سفيان ابن عيينة رحمه الله تعالى من أجمع وأحفظ وأضبط وأضبط الناس لحديث أهل الحجاز. قال: حدثنا الأعمش، والأعمش كما تكرر وتقرر معنا أنه سليمان ابن مهران، أبو محمد الكوفي، الملقب المصحف. قال: عن زيد بن وهب، وزيد بن وهب هو الجهني، هو الجهني، أبو سليمان الكوفي، ثقة جليل مخضرم، ثقة جليل مخضرم. قال: عن، قال: حدثنا حذيفة، وحذيفة تقدم معنا قريبا أنه ابن اليمان، حذيفة ابن اليمان، صحابي مشهور، ابن صحابي مشهور، وهو حليف الأنصار، ومن السابقين إلى الإسلام، ومن السابقين إلى الإسلام، وقد توفي في أوائل خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان ذلك في سنة ست وثلاثين، وكان يلقب بماذا، كان يلقب بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين، وهكذا أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنواع من الفتن التي ستحصل وتكون، وهذا يدل على مكانة حذيفة من رسولنا ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: حدثنا حذيفة، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. قال: وحدثنا عن رفعها، قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوقت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل، مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. قال رحمه الله تعالى: ولقد أتى علي زمان، والقائل هو حذيفة، ولقد أتى علي زمان، ولا أبالي أيكم بايعتوا، لئن كان مسلما رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه. وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا، إلا فلانا وفلانا. أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، بل وهذين الحديثين، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وذلك في باب، في باب إذا بقي في حثالة من الناس، إذا بقي في حثالة من الناس. يقول حذيفة رضي الله تعالى عنه: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، يعني أن أحدهما قد وقع وحصل ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما الحديث الآخر فلم يقع بعد، وأنا أنتظر الآخر، يعني ينتظر وقوعه، ينتظر وقوعه. ثم ذكر الحديث الأول الذي حدثه به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، وجذر كل شيء هو أصله، جذر كل شيء هو أصله. يقول هنا: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، وهذا فيه بيان لأهمية الأخلاق في الإسلام، وأنها عريقة، وأنها أصيلة، ومن عراقتها وأصالتها أنها لا تقف عند حد معين، فليست منحصرة فيما بين المسلمين فحسب، بل وليست منحصرة فيما بين البشر فحسب، وإنما هي أعم من ذلك، الأخلاق الحسنة تشمل ما بين القريب والبعيد، والعدو والصديق، وهكذا المسلم وغيره، بل وتتعدى أيضا إلى الدواب والبهائم، إلى الدواب والبهائم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي يعلى شداد بن أوس: قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته، وليرح ذبيحته. وقال عليه الصلاة والسلام كما في قصة ذلكم الجمل الذي كان لبعض الأنصار، لم، ماذا لم يطعهم ولم يروض لهم، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فخر إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: أين صاحب هذا الجمل؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: إنه شك إلي أنك تجيعه وتذبه، يعني العمل كثير والطعام قليل، ثم قال عليه الصلاة والسلام: اركبوها صالحة، اركبوها صالحة. وهكذا غير ذلك كثير مما ورد في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. بغية من بغايا بني إسرائيل رأت كلبا يأكل الثرى من العطش، فنزلت إلى البئر وخلعت خفها، ثم اغترفت وسقت ذلك الكلب، أو ذلك الكلب، فغفر الله لها، فغفر الله لها. وهكذا امرأة أخرى دخلت النار في سبب هرة، في سبب هرة، حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت النار بسبب هذه الهرة. فإذا جانب الأخلاق في ديننا يعتبر عظيما، حتى إنه تعدى إلى البهائم والدواب، بل وكما سبق إلى العدو والصديق، وهكذا المسلم وغيره، المسلم وغيره. قال عليه الصلاة والسلام: قال، قال: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. وهذا فيه إشارة إلى أنهم رضي الله تعالى عنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن، قبل أن يتعلموا السنن، والمراد بالسنن هو ما يتلقونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان واجبا أو كان مندوبا، أو كان مندوبا، أكذا. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وهذا فيه كذلك أيضا دليل على أن الأخلاق الإسلامية تأخذ من الكتاب ومن السنة، ولهذا كان ارتباطها بالفقه في دين الله عز وجل ارتباطا عظيما، ارتباطا عظيما. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، إذا فقهوا. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: أي علموا أحكام الشرع، أي علموا أحكام الشرع. ولهذا فإن هذه الأمة تنال الخيرية وتنال السعادة، وتميز على غيرها من الأمم بأسباب، وفي مقدمة هذه الأسباب ما يتعلق بالفقه في دين الله عز وجل، وهكذا أيضا حسن الخلق، وهكذا أيضا حسن الخلق. قال: وحدثنا عن رفعها، قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم، ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوقت، والوقت ذكر العلماء أنه عبارة عن أثر الشيء اليسير، الأثر اليسير من أي شيء يسمى وقت، ومن ذلك الأثر الذي تخلفه النار، الأثر الذي تخلفه النار. قال: ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل، والمجل قال العلماء: هو أثر العمل الذي يكون على الكف، إذا عمل الشخص عملا فإن أثر ذلك العمل يكون ماذا، يكون على كفه، يكون على كفه، ومعنى هذا أن الأمانة تذهب، أن الأمانة تذهب، حتى لا يبقى منها إلا مثل هذا الأثر الموصوف في هذا الحديث، مثل هذا الأثر الموصوف في هذا الحديث. قال عليه الصلاة والسلام: قال: كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، الجمر وما يكون من آثار الحرق يظهر على الجلد، الجلد، ماذا، عبارة عن انتفاخات بداخلها ما، بداخلها ما، من آثار هذا الحرق، إذا كان يسيرا، إذا كان يسيرا، وهذا أمر مجرب، إذا لدغ الشخص بشيء من النار أو مس شيئا من الجمر، فماذا يظهر على هذا الجلد وعلى تلكم البشرة؟ هذه الفقاقيع التي بداخلها هذا الماء، هذا الماء. وحاصل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنذر برفع الأمانة، برفع الأمانة، وأن الشخص قد يسلب هذه الأمانة حتى أنه يصير غير أمين، وإذا صار غير أمين معنى ذلك أنه يصبح خائنا، أنه يصبح خائنا، بعد أن كان أمينا، بعد أن كان أمينا. وهذا كما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائنا، لأن القرين يقتدي بقرينه، من جالس الأمناء استفاد منهم الأمانة، ومن جالس أهل الخيانة فإنهم يؤثرون فيه حتى يكون من جملة الخونة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، فلينظر أحدكم من يخالل. ونستفيد من هذا أيضا فائدة أخرى، ألا وهي أن الأخلاق منها ما هو غريزة يجعلها رب العباد جل في علاه طابعا في هذا الإنسان، ومن الأخلاق ما يكون عن طريق الاكتساب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين: قال: من يستغني يغنه الله، من يستغني يغنه الله، ومن يتعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يتصبر يصبره الله، قال: وما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر، خيرا ولا أوسع من الصبر. فمثلا هذا الرجل الذي ذكر في هذا الحديث، الذي كان من أهل الأمانة، ثم بسبب أنه لم يتعاهد هذه الأمانة ولم يحافظ عليها، فقدها وصار من جملة أهل الخيانة، وصار من جملة أهل الخيانة. وهكذا العكس بالعكس، من الناس من لربما كان في فترة من الزمن يغلب عليه الخيانة، فلما حببت إليه الطاعات وجالس أهل الصلاح، استفاد منهم الأمانة، فأصبح من الأمناء، فأصبح من الأمناء. ولهذا ذكر العلماء أن الأخلاق قابلة للتغيير، الأخلاق قابلة للتغيير، ولهذا شرعت المواعظ، وشرعت النصائح والوصايا والخطب التي تهذب بها النفوس، وهكذا تحسن بها الأخلاق والعادات. بل نحن نلاحظ يا عباد الله أن طبائع بعض البهائم قد تتغير، ألا ترون إلى الفرس كيف يروض، خيل عظيم، فيروض، حتى يكون أليفا، وهكذا بعض الوحوش قد تستأنس فتدخل مع الناس وتأكل من طعامهم وتشرب من مواردهم، وهكذا أيضا بعض الجوارح قد تعلم، بعض الجوارح من الكلاب وغيرها من السباع قد تعلم حتى تكون آلة للصيد، حتى تكون آلة للصيد، كما أخبر عن ذلك ربنا عز وجل في سورة المائدة، في سورة المائدة. فهذا يدل على أن الطباع ممكن أن تعدل، والأخلاق ممكن أن تحسن، ولهذا يجب على المسلم إذا كان عنده خلق سيء أنه يسعى إلى إصلاحه، كيف يصلحه؟ أولا يصلحه بالتوبة النصوح إلى الله تبارك وتعالى، ثم كذلك أيضا يصلحه بالأعمال الصالحات، وهكذا الطاعات التي يحبها ربنا عز وجل، وكذلك أيضا يصلحه بمجالسة أهل الصلاح وأهل الخير، ومجانبة أهل الشر وأهل الفساد، أهل الشر وأهل الفساد. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: قال: ويصبح الناس يتبايعون، ومعنى يتبايعون أن يبيع بعضهم ويشتري من البعض الآخر، يحصل البيع والشراء فيما بينهم البين. قال: ويصبح الناس يتبايعون، فلا، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، انظر هذا لقلة وجود الأمانة، يقال، يقال، يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، لماذا؟ لأن الخيانة قد غلبت، والغش والخداع قد ساد في أوساط الناس، إلا من رحم الله عز وجل، ولهذا تنذر الأمانة وتقل وجودهم في المجتمعات. قال: حتى، أو قال: فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وما في قلبه مثقال حبة خردل من الإيمان. وهذا يدل على أن المفاهيم قد تنعكس في بعض الأزمان، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيهم الرويبضة، وينطق فيهم الرويبضة، فهذه سنوات خداعة بين يدي الساعة، بين يدي الساعة. لعلك أخي في الله تشاهد بعض ملامح هذه الأمور التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم من انعكاس المفاهيم، وهكذا تقلب الأحوال والصور، تقلب الأحوال والصور. قال: وما في قلبه مثقال حبة خ