رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 10

الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الخيانة وحكمها الشرعي

يُعرّف المقطع الخيانة بأنها التفريط في الأمانة ويبين أنها من كبائر الذنوب وصفات المنافقين وأهل الكتاب والمشركين، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحرّمها وتذم أصحابها. كما يؤكد أن الخيانة صفة ذم مطلقة لا يجوز مقابلة الخائن بالخيانة، بخلاف المكر والخداع اللذين قد يُجازى بهما.

الخيانة من صفات المنافقين وعلامة الساعة

يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين أن الخيانة من صفات المنافقين وعلامة من علامات الساعة، وأن الخائن من أهل النار، مستشهداً بآية قرآنية في خيانة زوجتي نوح ولوط وبأحاديث تصف انتشار الخيانة في أواخر الزمان. كما كان النبي ﷺ يستعيذ بالله منها.

خطر الخيانة وأنواعها في الدين والدنيا

يتناول المقطع خطورة الخيانة وعقابها الشديد يوم القيامة كما ورد في حديث بريدة، ويضرب أمثلة من سلف الصالح كقصة سعيد بن المسيب مع الحجاج في سبق الإمام. يحذر من انتشار الخيانة في العصر الحديث في العبادات كصلاة التراويح والزكاة والصيام، وفي المعاملات والوظائف، داعياً إلى الأمانة في أداء الواجبات الشرعية والدنيوية.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه النفع بما سمع والهداية لكل خير، ويثني على الله بالجواد الكريم والقادر، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمن الأخلاق السيئة والصفات المذمومة التي انتشرت بين صفوف المسلمين خلق الخيانة، والصفة الخيانة. فالخيانة خلق ذميم وصفة مذمومة، وذلك لأنها تنافي ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الأخلاق الفاضلة من الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك. والخيانة هي التفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه، فمن فرط في أمر أؤتمن فيه فقد خان. فالخيانة هي التفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه، ونقيضها الأمانة. وأعظم الخيانة الخيانة في الدين، والتفريط في أمر الدين، هذا من أعظم الخيانات. الخيانة من كبائر الذنوب، قد عدها الإمام الذهبي رحمه الله وتعالى في كتابه الكبائر، وهكذا ابن حجر الهيتمي في الزواجر، من أن الخيانة من كبائر الذنوب. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعلها صفة من صفات المنافقين، والنصوص في كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في النهي عن الخيانة وذمها. فمن ذلك قول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾. والخيانة هي من صفات اليهود والنصارى الذين لعنهم الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالخيانة من صفات اليهود، ومن صفات النصارى، وكذلك من صفات المشركين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾. فأمكن منهم، ما قال الله جل وعلا فخانهم، وذلك لأن الخيانة صفة ذم مطلقا، حتى في مقابل الجزاء، بخلاف بعض الصفات الأخرى، مثلا المكر، أو كذلك الخداع. فالخداع لمن يخادع محمود ومأمور به، قد يكون مأمورا به، وقد يكون مباحا، لأنه في مقابل الخداع. ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾. وهكذا قال في المكر: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾. بخلاف الخيانة، فهي صفة ذم مطلقا، ولو كانت في سبيل الجزاء، فلا يجوز للإنسان أن يخون من خانه، وجاز له أن يخدع من يخادعه، وأن يمكر بمن يمكر به، وأن يسخر ممن يسخر منه، جائز: ﴿ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾. لكن الخيانة لا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يخون من خانه. إذا قيل للإنسان: لماذا خنت فلانا؟ قال: أنه خانني. لا يجوز. في هذه الآية ربنا عز وجل: ﴿ وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾. فأمكن منهم، يعني عاقبهم وجازاهم، ما قال فخانهم. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره، صححه العلامة الألباني رحمه الله: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. فلا يجوز أن تخون من خانك. هذا يدل على أن هذه الصفة صفة ذم مطلقة، وهي الخيانة. ومثلها كذلك الظلم. ولذلك يخطئ بعض الناس حين يقول: الله يخون من خان. ما يجوز هذا، خطأ. لا تقول: من خانه الله، أو من ظلمه الله. ما يجوز. فالله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن الخيانة مطلقا، ونزه نفسه عن الظلم مطلقا. لكن يجوز: الله يمكر بمن يمكر، يمكر الله بمن يمكر، نعم. الله يستهزئ بمن يستهزئ، الله يسخر بمن يسخر، الله يخادع بمن يخادع. لكن الله يخون من خان، أو الله يظلم من ظلم، لا، هذا ما يجوز، لأن هذا قد نزه ربنا عز وجل نفسه عنه مطلقا. وهكذا بين ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن خلق الخيانة من صفات الذين لا يحبهم الله سبحانه وتعالى، بل يبغضهم جل وعلا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ أَثِيمٍ ﴾. وهكذا صفة الخيانة من صفات الذين لا يهديهم ربنا سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان امرأة العزيز: ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾. ففي هذه النصوص بيان أن صفة الخيانة وخلق الخيانة من الصفات المذمومة التي هي إنما من صفات المشركين، من صفات المنافقين، ومن صفات الذين يبغضهم الله جل وعلا، من صفات اليهود والنصارى وغيرهم. وكذلك الأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذم هذا الخلق وهذه الصفة. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعتم في الحديث السابق: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». فيه النهي عن الخيانة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عند الإمام مسلم رحمه الله، وأصله في البخاري: قال جابر: «نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يتتبع عثراتهم». نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخون الرجل، أو أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يتتبع عثراتهم. وهكذا بين النبي عليه الصلاة والسلام أن الخيانة من صفات المنافقين، في حديث أبي هريرة في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فالنفاق من الصفات، فالخيانة من صفات المنافقين. وهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مبينا أن الخيانة من علامات الساعة. جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن أعرابيا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يحدث الصحابة، فقال هذا الأعرابي: متى الساعة يا رسول الله؟ فمضى النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه. قال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. فلما قضى النبي عليه الصلاة والسلام حديثه قال: «أين السائل عن الساعة؟ أين السائل عن الساعة؟» فقال: ها أنا ذا يا رسول الله. قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. يعني صارت الأمانة مفقودة، وضيعت، حل محلها الخيانة، فانتظر الساعة. قال له: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله». إذا وسد الأمر إلى غير أهله. فمن الخيانة توسيد الأمر إلى غير أهله، وإسناد الأمر إلى غير أهله. يوبع إنسان في مكان ليس أهلا لهذا المكان، في منصب، أو في مكان، أو في إدارة، أو في عمل، أو في كذا، أو في مهمة، إلى آخر ذلك، وهو ليس لهذه المهمة بأهل، ليس أهلا. فهذه الخيانة. فهذه الخيانة لأن فيها إضاعة الأمانة، الذي منها توسيد الأمر إلى غير أهله، وإسناد الأمر إلى غير أهله. وقال عليه السلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «أن يوسد الأمر إلى غير أهله». والخيانة كذلك من صفات أهل النار، من صفات أهل النار، ومن أسباب دخول النار. جاء في حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه المجاشعي رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام المسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». ثم قال نبي عليه الصلاة والسلام: «وأهل النار خمسة، وأهل النار خمسة». وذكر منهم النبي عليه الصلاة والسلام: «الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه». الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه. فالخائن هو من أهل النار، والخيانة من صفات أهل النار. ولذلك قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في ذكر خيانة زوجة نوح وزوجة لوط لزوجيهما: قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾. قيل: ادخل النار مع الداخلين. سبب هذا الخيانة أنها كانت سببا في دخول نار جهنم، والعياذ بالله. والخيانة كذلك من صفات القرون التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام بعد القرون المفضلة، كما في حديث عمران بن الحسين في حديث عمران بن الحسين رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». قال عمران: لا أدري أذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعد قرنين أم ثلاثة. ثم قال: «ثم يأتيناس يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن». فذم النبي عليه الصلاة والسلام القرون التي تظهر فيها هذه الصفة، وهي صفة الخيانة. في الحديث الأخرى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين». وما يدل على ذم الخيانة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله جل وعلا من هذا الخلق. جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند أبي داود، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه: كان نبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئسة البطانة». وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئسة البطانة. والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر في الأحاديث أن الخيانة تنتشر انتشارا عظيما، كما جاء في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين في قبض الأمانة: قال: «فيتبايع الناس، فيتبايع الناس، فلا تجد فيهم أمينا، ويقال: إن في بني فلان رجلا أمينا». يعني يشار إليه بالبنان في هذا الزمن الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام، صار الناس يتبايعون ولا أمانة، وإنما خيانة. الأمين يذكر ويخص بالذكر، ويشار إليه بالبنان: في بني فلان يعني رجل أمين، لا زالت عنده أمانة. هذه دلالة انتشار الخيانة، والعياذ بالله، وقلة الأمانة في بعض الأزمان التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وما جاء في عقاب الخائن ما ثبت في حديث بريدة رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في مسلم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا قام يوم القيامة، إلا قام يوم القيامة، أخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم». يعني هذا القاعد الذي لم يخرج مع المجاهدين، وخلفه رجل من المجاهدين في أهله، فخانه فيه. ما عقاب ذلك؟ أخبر نبي عليه الصلاة والسلام أن هذا المجاهد الذي خرج، وخلف هذا الرجل من القاعدين في أهله، فخانه، يوم القيامة يقوم له، يأخذ من عمله ما شاء. فماذا سيبقي؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ظنكم». يعني هل سيترك شيئا من حسناته؟ سيأخذ عليه الحسنات الكثيرة. أنكم تعلمون في ذلكم اليوم الإنسان بحاجة للحسنات العظيمة. فهذا فيه كذلك زجر وذم للخائنين. واليوم، للأسف الشديد، نجد الخيانة قد انتشرت. الخيانة في البيع والشراء، الخيانة في تربية الأولاد، الخيانة كذلك في الدوائر الحكومية، الخيانة في أمر الطب في علاج المرضى، الخيانة كذلك، ما من مكان وتجد فيه خيانة، والعياذ بالله. تفريط في أداء الواجبات، فكل تفريط في أداء الواجبات يعد من الخيانة. كل تفريط، إنسان موكل بعمل في إدارة من الإدارات، أو في مهمة من المهمات، يفرط في ذلك، هذا وقع في الخيانة. لماذا؟ أنه فرط في هذه الأمانة التي استودعها. وأعظم الخيانة الخيانة في الدين، سواء كانت الخيانة في الصلاة، أو الخيانة في الزكاة، أو الخيانة في الصيام، أو الخيانة في الحج، أو الخيانة في العبادة الأخرى. فكل تفريط في عبادة يعد من الخيانة. فمثل إنسان يصلي ولا يؤدي الصلاة كما أمر الشرع، يفرط في ذلك، هذا وقع في شيء من الخيانة. إنسان يسابق مثلا المأموم في صلاته، سابق الإمام في صلاته، نعم، يسابق الإمام في صلاته، هذا من الخيانة الذي يعده السلف. ولذلك ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب رحمة الله تعالى عليه أنه صلى ذات مرة بجنبه الحجاج بن يوسف ثقفي قبل أن يلي شيئا من الأمور، فصلى بجنبه سعيد بن المسيب، فكان يسبق الإمام في ركوعه ويرفع قبله، ويسجد قبل الإمام. فلما انتهى من صلاته أخذ سعيد بن المسيب رحمه الله برداء الحجاج، وكان له ذكر يقوله سعيد بعد الصلاة، صار الحجاج ينازع سعيدا في رداء يريد أن يأخذ رداء، هو سعيد رحمه الله قابض على رداء الحجاج. فلما فرغ سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من ذكره قال: «تصلي هذه الصلاة يا سارق يا خائن؟ تصلي هذه الصلاة يا سارق يا خائن؟» انظر، يعني هذه الخيانة، كيف تصلي هذه الصلاة؟ قال: فمضى الحجاج بن يوسف ولم يعني يرد على سعيد بن المسيب. فلما قتل ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما عاد الحجاج بن يوسف نائبا على المدينة، فخرج الحجاج إلى حلقة سعيد بن المسيب في المسجد، فإذا بسعيد في الحلقة، فخاف، خشي الناس على سعيد من الحجاج أن يبطش به. جاء الحجاج وجلس بين يدي سعيد بن المسيب فقال له: أنت الرجل صاحب تلك الكلمات؟ فقال سعيد بن المسيب: نعم. ضرب بصدره، قال: نعم. فقال له الحجاج بن يوسف: جزاك الله خيرا، جزاك الله خيرا، يعني ما مثلك من مؤدب، من مؤدب ومعلم للخير، لازلت أذكر تلك الكلمات، ما صليت صلاة إلا وذكرت تلك الكلمات. ومشى الحجاج بن يوسف. الشاهد أن سلف الصالح كانوا يعدون من يقصر في أمر صلاة ويفرط أنه سارق وخائن. للأسف الشديد اليوم، خاصة في رمضان، نجد بعض المصلين أو طائفة من المسلمين يصلون صلاة التراويح صلاة سريعة: بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن الرحيم، أي من صلاة هذه؟ كيف يتدبر الإنسان الفاتحة وكيف يتدبر ما يتلى من القرآن في هذه، في هذه الصلاة؟ ولا خشوع ولا اطمئنان. هذه خيانة. هؤلاء الذين يصلون هذه الصلوات، عليهم أن يعلموا أنهم يقعون في خيانة في أداء هذه الأمانة. إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا. وأعظم هذه الأمانة أمانة الدين. وهذه الزكوات، بعض الناس يفرط في أمر الزكاة، المهم يخرج المال، يعطيها فلان أو فلان، ربما يعني غنيا، أو تاجر، أو لا يستحق، يقول: المهم هذا المال أخرجه. لا، هذا تفريط، وهذا يعود من الخيانة. هذا فيه خيانة. إذا أخرجت الزكاة في غير موضعها قد فرطت في الأمانة. وهذه إذا فرطت في أمر صيامك، أو في أمر حجك، إلى آخر ذلك من العبادات، فكل ذلك من التفريط في الأمانة الذي هو من الخيانة. فلذلك، عباد الله، علينا تقوى الله سبحانه وتعالى، وأن نكون أمناء فيما استودعنا الله جل وعلا من أمر دينه، وأن نكون أمناء سواء كنا في وظائف، أو كنا كذلك في أعمال أخرى. فللأسف الشديد في هذه الأزمنة انتشرت الخيانة، والأمناء صاروا قليلين في هذا الزمن. نسأل الله العافية والسلام. أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وينفعنا لكل خير، إنه جواد كريم، وهو على ذلك قدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.