الدرس في ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 صفر 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل تحريم أكل أموال الناس بالباطل بطرق مختلفة مثل الأيمان الفاجرة والتزوير وإنكار الدين أو المماطلة في سداده. كما يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن هذه الأفعال.
يشرح هذا الفصل صورًا مختلفة لأخذ أموال الناس بالباطل مثل الرشوة والربا والمكوس والغصب والنهب والاختلاس. كما يبين أن هذه الأفعال محرمة وملعون أصحابها، وأن الحكم القضائي لا يحلل مالا حراما.
يتناول هذا الفصل حد السرقة وأحكامه، حيث يُبين أن قطع اليد للسارق هو حكم شرعي يهدف إلى صيانة أموال المسلمين. كما يشرح حكمة الله في تشريع قطع اليد كعقوبة للسرقة.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم﴾، ففي هذه الآية العظيمة ينهى ربنا سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وذلك لأن مال المسلم الأصل فيه الحرمة، فلا يجوز الاعتداء على ماله بغير طيب النفس منه. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». وفي صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». فلا يجوز لمسلم أن يعتدي على مال أخيه المسلم، وأن يأخذ ماله بغير حق، وأن يأكله بالباطل. وبذلك عباد الله صور كثيرة يأخذ فيها المسلم مال أخيه بالباطل، ومن ذلك أن يأخذه بالأيمان الفاجرة والأيمان الكاذبة. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة ومأواه النار»، فقال رجل: يا رسول الله، وإن كان قضيبًا من أراك؟ يعني عود المسواك، فقال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان قضيبًا من أراك». أي: إذا أخذت منه مثل عود الأراك بغير حق، فإنه يوجب لك دخول النار ويحرم عليك الجنة. وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود والأشعث بن قيس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان»، قال: وتصديق ذلك أنزل الله عز وجل: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾. هذه العقوبات رتبها الله جل وعلا على من أخذ مال أخيه بيمين فاجرة ويمين كاذبة، لا خلاق له في الآخرة، أي: لا نصيب له، ولا يكلمه الله فيحرم من كلام الله عز وجل له عقوبة له، ولا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، أي: لا يطهره، وله فوق ذلك عذاب أليم. فدل ذلك عباد الله على عظم هذا الذنب. وهكذا أيضًا من صور أخذ المال بالباطل أخذها عن طريق التزوير، فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم مادحًا عباده المؤمنين: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾. وجاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس، قال: «ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وهذا عباد الله يدل على عظم شهادة الزور وأن أمرها عظيم، فهي كبيرة من كبائر الذنوب، بها يتوصل العبد إلى أخذ أموال الناس بالباطل، إما بأن يشهد بنفسه أو أن يشهد غيره أو أن يزور في الأوراق والوثائق أو غير ذلك من طرق التزوير التي بها يتوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل. ومن صور أكل أموال الناس بالباطل عباد الله أخذ الدين ثم إنكاره أو المماطلة في تسديده، فإن أمر الدين أمره عظيم. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله إذا قتل غفر له كل ذنب إلا الدين، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مطل الغني ظلم»، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، «مطل الغني ظلم». وجاء في خارج الصحيح: «يحل عرضه وعقوبته»، فمطل الغني وهو الذي يجد سداد الدين فيماطل صاحب الدين ولا يعطيه دينه وماله، فقد وقع في الظلم. فكيف إذا أخذ هذا المال وجحده وأنكره؟ وهكذا عباد الله من صور أخذ أموال الناس بالباطل أخذها عن طريق الرشوة، وهو أخذ المال الذي يراد به إبطال الحق أو إحقاق الباطل، سواء كان في الحكم والقضاء بأن يأخذ أموالًا أو هدايا من أحد المتحاكمين أو كان من باب هدايا العمال وما يأخذه العامل والموظف من الناس من مال أو غير ذلك، فإنه مال حرام لا يحل له. وقد جاء في سنن أبي داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لعن الله الراشي والمرتشي»، لعنة الله على الراشي والمرتشي، فالذي يأخذ الرشوة أو يعطي الرشوة فهو ملعون عليه لعنة من الله سبحانه وتعالى، واللعن من الله هو الطرد من رحمته. فذلك عباد الله يتبين أن أمر الرشوة أمرها عظيم، وللأسف أنها قد كثرت في أوساط المسلمين وصارت تعامل بها كأنها أمر حلال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل الذي لا يحل لآخذه ولا كذلك يحل لمعطيه. ومن ذلك عباد الله أيضًا أخذ الأموال عن طريق حكم الحاكم، فربما بعض الناس يتحايل على الآخرين إما بقوة حجته أو بفصاحة لسانه وبلاغته فيأتي إلى الحاكم فيكون ألحن بحجته من خصمه وهو كاذب فاجر ليس له شيء، فيحكم له الحاكم أن هذا المال له أو أن هذه الأرض له وهي ليست له، فلا تحل له بحكم هذا الحاكم، لا تحل له بحكم هذا الحاكم، بل هي حرام على حقيقة أمرها وهو يعلم في باطن الأمر أن هذا المال لا يحل له. فلا يظن أن الحاكم والقاضي إذا قضى بأنه له يصير له حلالًا، كلا والله، فقد جاء في الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له فإنما أقضي له قطعة من النار»، فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحاكم إذا حكم فهو يحكم بما ظهر له وبما تبين له وإن كان حقيقة الأمر على خلاف الظاهر، فالحكم على أصل حقيقته فلا يحل حكمه حرامًا ولا يحلل حرامًا. وهكذا عباد الله كذلك من أخذ أموال الناس بالباطل أخذها عن طريق الربا. وقد قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾، فأخذ الأموال عن طريق الربا كان ربا الفضل وهو الزيادة أو ربا النسيئة وهو التأخير أو ربا الدين والقرض، فكل ذلك محرم لا يحل لآخذه. وقد جاء في صحيح الترغيب والترهيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية». وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لعن الله آكل الربا وموكله»، وفي الترمذي: «وكاتبه وشاهديه»، فهؤلاء لعنهم النبي عليه الصلاة والسلام لارتكابهم لهذه الكبيرة العظيمة بأكلهم هذا المال بالباطل وبالمعاونة عليه، فكان لهم نصيب من الإثم. وقد قال الله عز وجل: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. ومن ذلك عباد الله أخذ المكوس وهي الضرائب، فإنه أخذ لأموال الناس بالباطل. وقد جاء في الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه في قصة الغامدية التي وقعت في الزنا فجاءت تائبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقام عليها الحد بعد أن بينت أنها حبلى من الزنا، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تضع حملها، فلما وضعته جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تفطم ولدها، ففعلت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها، فرجمها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ورماها خالد بن الوليد بحجر على رأسها فوقع عليه من دمها فسبها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا، لقد تاب التوبة لو تابها صاحب مكس لو تابها أو كما قال عليه الصلاة والسلام». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي هذا الحديث بيان أن المكس ذنب عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب بل من المبوقات، وذلك لكثرة من يتعلق به يوم القيامة ولتكرر ذلك منه، فكان ذنبه أعظم. أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ومن صور أخذ أموال الناس بالباطل أخذها عن طريق الغصب والنهب أو الاختلاس، والغصب هو أخذ المال قهرًا، والنهب أخذ مال الغير على وجه الغنيمة، والاختلاس هو أن يأخذ المال فيخطفه ثم يهرب، وكل ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع الناس أبصارهم إليها وهو ينتهبها أو حين ينتهبها وهو مؤمن»، ومعنى ذلك أنه لا يرتكب هذه الكبائر من الذنوب إلا وهو ضعيف الإيمان وناقص الإيمان. ومن ذلك عباد الله أخذ أموال الناس عن طريق السرقة، وهي أخذ مال الغير الله أو نائبه على وجه الاختفاء، فالسرقة كبيرة من كبائر الذنوب، وهي كذلك من أعظم أخذ أموال الناس بعد المحاربة، وهو الاعتداء على أموال الناس بقطع الطريق وقتلهم. وقد قال الله عز وجل في حكمهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾، فسرقة أموال الناس كبيرة من كبائر الذنوب أوجب الله عز وجل فيها قطع اليد، وذلك صيانة لأموال المسلمين أن يعتدى عليها. قال الله عز وجل: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾، فمن سرق أموال الناس وتوفرت فيه شروط السرقة بأن يكون مكلفًا مختارًا، وأن يكون هذا المال مالًا محترمًا، وأن يأخذه من حرزه، وهو ما يصان به المال على حسب العادة والعرف، وكذلك أن يبلغ النصاب وهو ربع الدينار، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»، وفي رواية مسلم: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا». وهكذا أيضًا انتفاء الشبهة، أن لا تكون هناك شبهة تمنع من إقامة الحد، كأن يكون هذا السارق أخذ مالًا ممن هو من أصوله أو فروعه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك»، فإذا توفرت هذه الشروط وجب أن يقام عليه هذا الحد إذا بلغ أمره للسلطان. وكذلك أيضًا لا يجوز قبول الشفاعة في حد من حدود الله، وقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «إن قريشًا همهم أمر المخزومية التي سرقت، امرأة من بني مخزوم سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجرأ على ذلك إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تشفع في حد من حدود الله؟»، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه متى بلغ الحد إلى السلطان المسلم فيجب عليه أن يقيم عليه حد الله عز وجل، ولا يفرق بين شريف أو ضعيف، ولا كذلك بين ذكر أو أنثى، ولا تقبل الشفاعة في حدود الله. وجاء كذلك أيضًا في سنن أبي داود عن صفوان رضي الله تعالى عنه أنه كان نائمًا في المسجد وقد وضع رداءه تحت رأسه، فجاء رجل فأخذ رداءه وكان يبلغ ثلاثين درهمًا، فأت به النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال صفوان: يا رسول الله، قد بعته له وأسقطت له ثمنه، أي: أخرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان قبل أن تأتيني؟»، أي: هل كان أن تشفع له أو تعفو عنه قبل أن تأتيني؟ أما وقد جئت فلابد من إقامة حد الله عز وجل. وإن إقامة حدود الله سبحانه وتعالى عباد الله سبب عظيم لصيانة أموال الناس ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، فلو أن القاتل إذا علم أنه سيقتل لما اعتدى على غيره بسفك دمه، ولو أن الزاني أو الزانية إذا علمت أنها ترجم حتى الموت إذا زنت إذا كانت محصنة أو تجلد إذا كانت غير محصنة لربما ما وقعت في الزنا. وهكذا السارق لو علم أنه إذا سرق قطعت يده لما تجرأ على سرقة أموال الناس، ففي إقامة حدود الله عز وجل مصالح عظيمة للعباد في دينهم وفي دنياهم. وقد طعن بعض الضلال في هذا الحكم العظيم الذي حكم الله عز وجل به، ومن أولئك أبو العلاء المعري، فقد ذكر عنه أنه أتى بأبيات من الشعر يعترض فيها على حكم الله سبحانه وتعالى ويظهر أن في حكم الله سبحانه وتعالى تناقضًا، إذ كيف يأمر الله سبحانه بقطع اليد إذا سرقت قدر ربع الدينار، وإذا اعتدي عليها بجناية فإن فيها نصف الدية وهي خمسمائة دينار. فقال في أبيات له: «يد بخمسمائة عزة وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار». فرد عليه أهل السنة وأهل العلم في زمنه، فمنهم من قال أبياتًا يرد بها عليه فقال: «قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار حماية النفس أغلاها وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري». وقال غيره: «لما كانت دي اليد أمينة كانت ثمينة ولما خانت هانت»، وإن من حكمة الله عز وجل أنه جعل في جناية اليد إذا اعتدي عليها نصف الدية، وذلك حماية للأنفس وأن لا يعتدى عليها، ولأجل حماية الأموال جعل في قطع اليد قدر ربع الدينار وهو شيء يسير، وذلك حماية للأموال ألا يعتدى عليها. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أن يوفق أولاة أمورنا لإقامة حدود الله جل وعلا التي بها يكون النجاة ويسلم العباد من الهلاك، ويكون في ذلك صيانة لأموالهم وأعراضهم ودمائهم وعقولهم، إنه لذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.