النثر في فضائل العشر

الخطبة بعنوان النثر في فضائل العشر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ذو القعدة 1441هـ ألقاها

فضل أيام العشر من ذي الحجة وأهميتها

أقسم الله تعالى بأيام العشر من ذي الحجة في القرآن، وهي أيام مباركة تُضاعف فيها الأجور وتُكفّر فيها السيئات. جمهور أهل العلم يرون أنها المراد بقوله تعالى ﴿وليالٍ عشر﴾.

فضائل عشر ذي الحجة ومزاياها

عشر ذي الحجة أيام عظيمة تجتمع فيها أمهات العبادات، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها من الأيام. وردت أحاديث نبوية تبين فضل هذه الأيام وأهمية العمل الصالح فيها.

استحباب الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة

يستحب في العشر من ذي الحجة الإكثار من الأعمال الصالحة مثل الصيام والصلاة وذكر الله والصدقة. ينبغي على المسلم اغتنام هذه الأيام بفعل الطاعات والتقرب إلى الله.

الدعاء للبلاد والمسلمين في ختام العشر

يتضمن الدعاء لله تعالى لحفظ البلاد وخفض الأسعار وصلاح الأمور، ويختم بالتسبيح والصلاة على النبي محمد. هذه الأدعية تعبر عن أهمية التضرع إلى الله في كل الأوقات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من رحمة الله جل وعلا بعباده المؤمنين أن جعل لهم مواسمة للخيرات ومواسمة للطاعات تُضاعف فيها الأجور والحسنات، وتكفَّر فيها الخطايا والسيئات، ويتزوَّد فيها أهل الإيمان من الأعمال الصالحات ما يُقرِّبهم إلى ربهم وخالقهم رب الأرض والسماوات. فما ينقضي موسمٌ من مواسم الخير إلا ويعقُبه موسمٌ آخر، وذلك من عظيم فضل الله جل وعلا وكرمه وإنعامه على عباده، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون. ألا وإن من مواسم الخير والبر التي نستقبلُها في الأيام القليلة القريبة موسمًا عظيمًا وأيامًا فاضلة وأيامًا مباركة، ألا وهي أيام العشر من ذي الحجة، وما أدراك ما العشر من ذي الحجة. هذه الأيام التي أقسم الله جل وعلا بها في قوله ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، قال جمهور أهل العلم أن المراد بقوله جل وعلا ﴿وليالٍ عشر﴾ هي عشر ذي الحجة، والله جل وعلا لا يُقسم إلا بعظيم، فدل ذلك على عظم هذه الأيام وعظم هذه الليالي، والأيام تبعٌ للليالي، فقسم الله جل وعلا بها يدلُّ على عظيم منزلتها عند الله جل وعلا. حتى إن أهل العلم اختلفوا أيهم أفضل عشر ذي الحجة أو العشر الأواخر من رمضان، مما يدلُّ على عظم فضل هذه الأيام، ومن ذلك أن هذه الأيام أيام عشر ذي الحجة هي خاتمة أشهر الحج التي قال الله عز وجل فيها ﴿الحج أشهرٌ معلومات﴾ وهي شوال وذي القعدة وعشر ذي الحجة في قول جمهور أهل العلم. ومنها أن هذه الأيام أيام العشر هي الأيام المعلومات التي أخبر الله جل وعلا فيها عن عباده المؤمنين وعباده المتقين أنهم يذكرون الله جل وعلا فيها ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، قال جمهور أهل العلم الأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة. ومن فضائلها كذلك أن هذه الأيام هي من أيام شهر ذي الحجة الذي هو من الأشهر الحرم بل هو أعظمها وأفضلها، ففي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فكان مما قال «ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا، ألا إن أحرم الشهور شهركم هذا، ألا إن أحرم البلاد بلادكم هذه»، فدل ذلك على أن شهر ذي الحجة هو من أحرم الشهور عند الله جل وعلا. ومنها أن في عشر ذي الحجة يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، هذا اليوم العظيم من أيام من أيام الله جل وعلا الذي يؤدي فيه حجاج بيت الله الحرام أعظم مناسك الحج وهو الوقوف بعرفة، ففي مسند الإمام أحمد وعند أبي داود وترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الحج عرفة»، هذا اليوم العظيم يوم مشهود، فهو اليوم الذي أقسم الله عز وجل به في قوله ﴿وشاهد ومشهود﴾ كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. هذا اليوم الذي رغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه وأخبر أن صيامه يكفر ذنوب سنتين سنةٍ ماضية وسنةٍ باقية، كما في مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه. هذه الأيام عباد الله التي من فضائلها أنها تجتمع فيها أمهات العبادات ما لا يمكن اجتماعها في غيرها الصلاة والصيام والصدقة والحج، فدل ذلك على عظم هذه الأيام عند الله جل وعلا. ومما يدل على عظمها وكبير شأنها وعظيم منزلتها ما أخرجه البخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي وأحمد والبيهقي وغيرهم من طريق الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر-»، قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». وفي مسند البزار عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قال ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال «ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل إلا من عفر وجهه بالتراب»، وصحح العلامة الألباني ورحمه الله في صحيح الجامع. فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال الصالحة في هذه الأيام أفضل من غيرها من الأيام، فلا أيام تساوي هذه الأيام في فعل الأعمال الصالحات وفي فعل الطاعات والقربات وسائر الأعمال الصالحة بلا استثناء يُستحب فعلها في أيام العشر. كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله «فإن عموم هذا الحديث -حديث ابن عباس- يدل على استحباب جميع الأعمال الصالحة فيستحب صيام هذه الأيام سواء أصامها المسلم كلها أم صام بعضها، فإن ذلك مما يُستحب ويتأكد صيام يوم عرفة». وهكذا أيضا يُستحب الإكثار من الصلاة، المحافظة على الفرائض أولا ثم الإكثار من نوافل الصلوات سواء كانت الرواتب أو كانت النوافل المطلقة، وهكذا قيام الليل وإحياء ليالي هذه الأيام فهو من الأعمال الصالحة. وقد استحب السلف رحمه الله ذلك، فكان سعيد بن جبير رضي الله عنه رحمه الله يقول «إذا دخلت العشر فلا تطفئوا سروجكم»، وكان رحمه الله يجتهد اجتهادا في الأعمال الصالحة حتى ما يكاد يقدر عليه. وهكذا أيضا الإكثار من ذكر الله جل وعلا فإنه مما يستحب ويتأكد استحبابه في هذه الأيام لقول الله جل وعلا ﴿ليذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾، سواء كان ذكر الله بقراءة القرآن أو كذلك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. وهكذا الصدقة والإنفاق وبر الوالدين وحسن الجوار وصلة الأرحام وغير ذلك من الأعمال الصالحة، فإن فعلها في هذه الأيام المباركة أفضل من فعلها في غيرها من الأيام. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من فضائل هذه الأيام أن فيها يوما من أيام الله العظيمة ألا وهو يوم النحر، اليوم العاشر من ذي الحجة التي يتقرب فيها أهل الإيمان إلى ربهم جل وعلا بإراقة دماء الأضاحي، وهكذا حجاج بيت الله الحرام بإراقة دماء الهدايا تقربا إلى الله جل وعلا. في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر -أي يوم الحادي عشر- الذي يقر فيه الحجاج بمنى». فيا عباد الله، أيام هذه فضائلها وهذه خصائصها وهذه مميزاتها، حري بالمسلم والمؤمن الحريص على الخير أن يستغلها وأن يغتنمها بفعل الطاعات والقربات والتقرب إلى الله جل وعلا بأنواع الأعمال الصالحات. فإنك أيها المسلم لا تدري متى ينزل بك الموت ويحال بينك وبين الأعمال الصالحة، فينبغي أن تكون سباقا إلى الخير مسارعا إلى فعل البر، والله جل وعلا يقول ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم﴾. واعلموا عباد الله أن من كان عازما على الأضحية ودخلت العشر من ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارخص أسعارنا واغزر أمطارنا وأصلح أمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلنا لا نعتمد إلا على من خافك واتقاك واتبع رضاك يا قوي يا متين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على