الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المحور أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى كالتعطيل والتمثيل واشتقاق أسماء للآلهة، مبيناً أن الشرك من الإلحاد، ويرد على قول الجهمية بأن الأسماء مخلوقة مستدلاً بأقوال السلف. ويوضح أن الإلحاد قد يكون كفراً أو دون ذلك مع الاستشهاد بالآيات المحكمة.
يشرح المحور منهج أهل السنة في إثبات صفات الكمال ونفي النقائص بلا تمثيل ولا تعطيل مستدلاً بآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ويستعرض أقوال النحاة في إعراب الكاف وأقوال المفسرين في معناها. كما يبين أن النهي عن ضرب الأمثال لله يختص بأمثال السوء بينما يثبت له المثل الأعلى في صفات الكمال.
يشير المحور إلى أن المؤلف سيتناول لاحقاً نفي ما نفاه الله عن نفسه من النقائص والعيوب، ويختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فكان آخر الكلام في ذكر بعض أنواع الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، وذكرنا منها التعطيل، وهو إنكار الأسماء والصفات. وهكذا منها التمثيل، تمثيل صفات الخالق بصفات المخلوقين. ومنها اشتقاق أسماء للآلهة كما فعل المشركون. وهكذا من الإلحاد، من أنواع الإلحاد التي ذكرناها في الدرس السابق: تسمية الرب جل وعلا بأسماء لم يسمِ بها نفسه، كتسمية النصارى له أبًا، وكتسمية الفلاسفة لله جل وعلا: العلة الفاعلة، أو العقل الفعال. فهذا أيضًا من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا. ومن الإلحاد، ومن الإلحاد كذلك: الشرك بالله جل وعلا، فالشرك من الإلحاد. قد فسر قتادة رحمه الله تعالى قوله جل وعلا: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ أي: يشركون، أي: يشركون. ومن الإلحاد: القول بأن أسماء الله جل وعلا مخلوقة ومحدثة، كما قالت الجهمية: قالوا: أسماء الله مخلوقة ومحدثة بعد إذ لم تكن. فقالوا: الله جل وعلا لم يُسمَّ بالخالق إلا بعد الخلق. وهذا باطل، فالله جل وعلا اسمه الخالق قبل أن يخلق شيئًا، قبل أن يخلق شيئًا، وهو جل وعلا من أسمائه الخالق لأنه بإمكانه الخلق جل وعلا، لا يمتنع ذلك عليه سبحانه وتعالى. فإذا كان ذلك الوصف لا يمتنع عليه، فلذلك يستحق هذا الاسم. ولذلك بيّن الطحاوي رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا، فقال: «ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، وليس بعد إحداث البرية استحق اسم الرب، بل هو الخالق ولا مخلوق، وهو الرب ولا مربوب». يعني: هو الخالق جل وعلا ولا وجود لمخلوق، لأنه جل وعلا يتسمى بالخالق ويستحق هذا الاسم لأن هذا غير ممتنع، هذا غير ممتنع عليه جل وعلا؛ لأنه على كل شيء قدير. فإذا كان لا يمتنع عليه أن يخلق، فيستحق بذلك اسم الخالق. وهذا هو قول جماهير أهل السنة فيما يتعلق بهذه المسألة، مسألة تسلسل الحوادث التي لأجلها يمنع الجهمية تسمية الرب جل وعلا باسم الخالق إلا بعد الخلق، وأن أسماءه جل وعلا مخلوقة أو مخلوق محدثة. ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم الصواب فيه، أنهم يمنعون التسلسل في الماضي ويثبتونه في المستقبل. وهذا الذي قرره الطحاوي، أو أشار إليه ولمح إليه في قوله: «ليس بعد الخلق استحق اسم الخالق، وليس بعد إحداث البرية استحق اسم الرب». وأشار إلى هذا الشارح ابن عثيمين الحنفي رحمه الله تعالى، إلى أن ظاهر كلام الطحاوي رحمه الله بيان هذا المذهب، وهو الحق، وهو مذهب جماهير أهل السنة في هذا الباب، خلافًا للجهمية، خلافًا للجهمية. فالقول بأن أسماء الله مخلوقة ومحدثة: هذا من الإلحاد. عدّ ذلك الدارمي رحمه الله تعالى في رده على الجهمية. الدارمي رحمه الله رد على الجهمية، وبين أن قولهم هذا: إن أسماء الله جل وعلا مخلوقة ومحدثة، أنه من الإلحاد. قال: «وذلك من الإلحاد». فتبين بهذا أن من أنواع الإلحاد في أسماء الله جل وعلا: القول بأن أسماء الله جل وعلا مخلوقة ومحدثة، أي: أن الله جل وعلا لم يتسمَّ بها أزلا، وإنما تسمى بها بعد الخلق، وبعد خلقه استحق ذلك الاسم. وهذا باطل، ظاهر البطلان، وممتنع في حق الله سبحانه وتعالى. بل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق من كل الوجوه أزلا سبحانه وتعالى، ليس في وقت دون وقت، ليس في وقت دون وقت. فهذا أيضًا من أنواع الإلحاد في أسماء الله جل وعلا. ومن ذلك كذلك: المضاهة، من ضاهى خلق الله، خلق الله جل وعلا، فقد وقع في شيء من الإلحاد. جاء ذلك عن مجاهد وغيره. والإلحاد في أسماء الله جل وعلا، أو الإلحاد الإلحاد بشكل عام: منهما يكون كفرًا وشركًا بالله جل وعلا. ومن الإلحاد ما هو دون ذلك، أي: ليس بالكفر، فيطلق على المعاصي وعلى الذنوب إلحاد. ولذلك قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح الإمام البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «أبغض الرجال إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، وملحد في الحرم، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية». فإلحاد منهما يكون كفرًا، كإلحاد الجهمية الذين عطلوا الأسماء والصفات، وكإلحاد المعتزلة الذين عطلوا صفات الرب جل وعلا، وكالإلحاد الكفري، وكالإلحاد الكفري في حرم الله جل وعلا. ومن ذلك إلحاد الروافض، إلحاد الروافض، الإلحاد الخميني في أرض الحرمين، رسالة عظيمة، شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. فالشاهد: أن الإلحاد منهما يكون كفرًا، ومنهما لا يكون كفرًا. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية أيضًا في بيانه، وفي ذكر الأدلة السمعية الدالة على إثبات ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، ونفي ما نفاه الله جل وعلا عن نفسه، وأن هذا هو الواجب، وأن هذا هو المنهج السليم. فهذه الآية: بيان ربنا عز وجل فيها أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ففيها إثبات لأمور ونفي لأمور. فيها إثبات لأمور ونفي لأمور. فيها إثبات الأسماء لله جل وعلا، ومنها السميع البصير: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. ونفى ربنا عز وجل عن نفسه المثلية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. فإذن الواجب: الإثبات كما أثبت الله جل وعلا، وهكذا النفي، أي: نفي ما نفاه الله جل وعلا عن نفسه. فكل نقص وعيب ينفى عن الرب جل وعلا. ومن ذلك: أن يماثله المخلوقات، وتماثله المخلوقات في شيء من صفاته. فكل ذلك من النقص والعيب الذي ينزه الرب سبحانه وتعالى. فهذه الآية هي آية محكمة، آية محكمة في باب الأسماء والصفات؛ لأنها تضمنت هذين الأمرين: إثبات الكمالات لله جل وعلا، ونفي النقائص والعيوب عنه جل وعلا. فإذا يسار على هذه الآية، وعلى هذه كذلك القاعدة المحكمة في هذا الباب، سار أهل السنة والجماعة على هذا الباب: أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، ونفوا عنه جل وعلا ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام. ولكن حين أثبتوا، حين أثبتوا ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام: لم يمثلوا، لم يمثلوا كما فعل أهل التمثيل. وأيضًا: وإنما نزهوا، وإنما نزهوا. وتنزيههم ليس كتنزيه أهل التعطيل الذي أدى بهم إلى نفي الصفات عن الله جل وعلا. فكان إثباتهم بلا تمثيل، وكان تنزيههم بلا تعطيل ولا تحريف. ولذلك يقررون هذا المذهب في كتبهم وفي رسائلهم: إثبات ما أثبت الله لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. هذا الكلام مبني على نصوص محكمة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهنا في قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، الكاف هنا في قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فيها أقوال في إعرابها. فمن هذه الأقوال: أنها صلة، صلة زيدت للتأكيد. وهذا يعني من لغة العرب: أن تأتي هذه الصلة فيستفاد منها توكيد الكلام وتكرار الكلام. فالمعنى: ليس كمثله شيء، أي: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء. تكرار لهذا الكلام. يفهم العربي من مجيء هذه الكاف التي هي الصلة هنا، زيدت لتأكيد هذا الكلام، أن الكلام هذا مؤكد. فإذا قرأ قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، علم المراد من مجيء هذه الكاف في هذا الموضع، وأنها صلة زيدت للتأكيد وتكرار الكلام، فيفهم أن هذا الكلام مؤكد، وأنه جل وعلا ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء. وهذا كذلك في مثل قوله جل وعلا: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾. فبما رحمة من الله لنت لهم. أصل الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم. دل على هذا مجيء هنا هذه الصلة، ما في قوله جل وعلا: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾، فجاءت لتوكيد هذا الكلام، فيفهم منه هذا المعنى. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾. أيضًا هنا المعنى: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية. فبنقضهم ميثاقهم، نعم، فبنقضهم ميثاقهم، لعناهم، جعلنا قلوبهم قاسية، إلى آخر ذلك. فتكرار الكلام لهذا الذي ذكر في هذا الموضع، تدل عليه هذه الصلة. وهكذا استشهدون له بقول بعض شعراء اللغة العرب، منها قول القائل: «لو كان في قلبي كقدري قلامةٌ حُبًّا لغيرك ما أتتكي رسائلي». لو كان في قلبي كقدري قلامة، يعني: كالظفر، حبًّا لغيرك ما أتتكي رسائلي. يريد أن يؤكد، يؤكد هذا الكلام لمحبوبته، وأنه ليس في قلبه حب لغيرها، ليس في قلبه حب لغيرها، وإلا لما أتت منه الرسائل إليها. فجاء بهذا اللفظ: «لو كان في قلبي كقدري»، فجاء بالكاف هنا ليؤكد هذا الكلام، ويقر هذا الكلام لها، لتعلم أنه يحبها ولا يحب أحدًا غيرها. وهكذا سدل بقول القائل: «ليس كمثل الفتى زهيرٌ خُلُقٌ يُوَازِيهِ في الفضائل». ليس كمثل الفتى زهير، يعني: يراد تكرار هذا الكلام، أي: ليس مثله أحد، ليس مثله أحد في خلقه وفي فضائله. فهذا قول من هذه الأقوال، أمن الأقوال في الكاف: أنها بمعنى «مثل». الكاف هنا بمعنى مثل، ويكون المعنى: ليس مثل مثله شيء. ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، يعني: ليس مثل مثله شيء. فنفي مثل المثل، ويراد به استحالة وجود المثل. يراد به استحالة وجود المثل لله جل وعلا. وهذا أيضًا من لسان العرب، وما يفهمه العربي من مجيء الكاف هنا في هذا الموضع. فعلى معنى أنها «مثل»، ينفى مثل المثل عن الله جل وعلا، ويراد به استحالة وجود المثل لله جل وعلا. فلما نفي مثل المثل، فلما نفي مثل المثل عن الله جل وعلا، لبيان استحالة وجود المثل لله سبحانه وتعالى، أي: أن هذا محال أن يوجد مثيل لله سبحانه وتعالى. ومجيء الكاف بمعنى «مثل» في القرآن، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾. فهي كالحجارة، فهي كالحجارة، أو أشد قسوة. ومعنى «مثل الحجارة»، مثل الحجارة. فالكاف هنا بمعنى «مثل». قالوا: لأن الله جل وعلا هنا عطف، عطف بقوله: ﴿ أَشَدُّ ﴾، ﴿ أَشَدُّ ﴾، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فأشد هنا اسم، وعطف ذلك على الكاف، دل على أن الكاف اسم، وليست حرفًا. أن الكاف ليست حرفًا، وإنما اسم. فالمراد بها هنا أنها بمعنى «مثل»، بمعنى «مثل». هذا قول. ومن الأقوال كذلك: أن الكاف «مثل» بمعنى الوصف، بمعنى الوصف. وهذا مثل قوله جل وعلا: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ ﴾، ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾، أي: وصف الجنة، أي: وصف الجنة. فيكون المعنى: ليس كمثله شيء، أي: ليس كوصفه شيء، ليس كوصفي شيء. ومن الأقوال: أن «مثل» هنا بمعنى الذات، بمعنى الذات. وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾، أي: بذات ما آمنتم به. كذلك الإيمان، وكذلك الإيمان الذي آمنتم به. فإن كان إيمان التابعين لكم على هذا الوجه في الإيمان، فقد اهتدوا. فالمثل هنا بمعنى الذات. ويكون المعنى في الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، أي: ليس كذاته شيء. وهذه أقوال قيلت في، أو في إعراب الكاف هنا في هذه الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. وهذه الآية كذلك فيها بيان: أن نهي من رب العالمين جل وعلا عن أن نضرب له الأمثال جل وعلا. والمراد هنا بنفي المثل، أو بنفي الأمثال عن الله جل وعلا: أمثال السوء، أمثال السوء والنقص. فكل مثل فيه سوء وفيه نقص، فلا يضرب لله جل وعلا، بل ينزه الرب سبحانه وتعالى. بخلاف المثل الذي فيه كمال، والذي فيه حسن، فالله جل وعلا يضرب له في ذلك المثل الأعلى. لأن الله جل وعلا قال: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ﴾، ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ﴾. فهذه الآية دالة على أن كل مثل سوء ونقص، فلا يضرب لله جل وعلا، وإنما ينزه الرب سبحانه وتعالى. وكل مثل فيه حسن وفيه كمال، فلله جل وعلا في ذلك المثل الأعلى. فالله جل وعلا لا يقاس بخلقه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية: ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى. قال أهل العلم: الممنوع في القياس هو القياس الذي ليس هو القياس الأولوي. فأما القياس الأولوي، فهذا دلت النصوص على استعماله في حق الله جل وعلا، وهو الأفضل. لو عبر به، بدلاً عن القياس بالمثل، لكان أولى؛ لأنه هذا الوارد في كتاب الله جل وعلا: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ﴾. ما قال: ولله القياس الأولى. فالأولى أن يعبر بتعبير القرآن، فيقال: المثل الذي فيه نقص لله عز وجل فلا يضرب له، والمثل الذي فيه كمال وحسن، فلله جل وعلا في ذلك المثل الأعلى. على سبيل المثال: على سبيل المثال، المخلوق له صفات تليق بذاته. فإذا قال شخص: صفات الخالق جل وعلا كصفات المخلوق، هنا ضرب مثلًا في صفات الله جل وعلا، حيث جعل صفات المخلوقين كصفات الله. هل هذا مثل سوء أو مثل كمال؟ هذا مثل سوء. فينزه الرب جل وعلا عن مماثلة المخلوقين في صفاته جل وعلا؛ لأنه سبحانه وتعالى له المثل الأعلى، والوصف الأعلى، والكمال المطلق في أسمائه وصفاته. لكن الكمال الموجود في المخلوق، مثلًا: المخلوق يسمع ويبصر ويتكلم، هذه صفات كمال في المخلوق؛ لأن المخلوق إذا كان لا يبصر فهذا عيب، وإذا كان لا يسمع فهذا عيب، وإذا كان لا يتكلم أخرس فهذا عيب. فإذا هذا الكمال الموجود في المخلوق، إذا أثبتنا لله سبحانه وتعالى المثل الأعلى في ذلك، فلا شيء في ذلك. فيقال: إذا كان المخلوق من صفات كماله أنه يسمع، وأنه يبصر، وأنه يتكلم، فلله المثل الأعلى. فالله جل وعلا كذلك يسمع، وكذلك يبصر، وكذلك يتكلم، لكن يليق بذاته سبحانه وتعالى. فكل كمال في المخلوق أمكن أن يتصف به الخالق، فالخالق أولى بالاتصاف به؛ لأن الذي أعطى الكمال هو الله جل وعلا، هو الذي أعطى الكمال. فمعطي الكمال أولى بالاتصاف بهذا الكمال. ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: «وسائر جمال هذه الأكوان * من بعض آثار الجميل فربها أولى وأجدر عندها * للعرفان». يعني: إذا كان هذا الجمال الموجود في هذه الأكوان، من الذي أعطى هذه الأكوان هذا الجمال؟ من الذي أعطى هذه الأكوان هذه العظمة التي هي عليها؟ ربنا سبحانه وتعالى. فإذا كان ربنا عز وجل هو الذي أعطى هذا الجمال في مخلوقاته لمخلوقاته، وأعطى هذا الكمال، أليس أولى بأن يتصف بهذا الكمال؟ نعم. فهذا هو المثل الأعلى الذي أمر الله جل وعلا بأن يضرب له فيه المثل، في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ﴾، وفي قوله: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ﴾. علم من ذلك: أن كل مثل فيه سوء ونقص في حق الله جل وعلا، فهذا ينزه الرب سبحانه وتعالى. وليس كل كمال في المخلوق هو كمال للخالق، كما أنه ليس كل نقص في المخلوق هو نقص في الخالق. فهناك كمال في المخلوق يكون كذلك كمالًا للخالق، وله المثل الأعلى فيه. وهناك كذلك نقص في المخلوق، ولكنه كمال بالنسبة للخالق. المخلوق إذا لم يكن له زوجة، وإذا لم يكن له ولد، هذا نقص في حقه. لكن هل هذا نقول: النقص في المخلوق كذلك نزه الخالق عنه؟ لا. فالله جل وعلا بعكس هذا. فالله جل وعلا من كماله أنه تنزه عن الصاحبة والولد. وهذا سيأتي أيضًا مع الإشارة إليه فيما سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في نفي ما نفاه الله جل وعلا عن نفسه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.