الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مراتب تفسير القرآن عند ابن عثيمين مقدماً القرآن بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين ثم بالمعاني الشرعية فاللغوية. ويقرر قاعدة تقديم المعنى الشرعي على اللغوي لنزول القرآن للشرع مع استثناء وجود قرينة تصرف للمعنى اللغوي.
يستعرض المقطع ثلاثة أقسام للاختلاف الوارد في التفسير المأثور مبيناً القسمين الأولين: اختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى، واختلاف اللفظ والمعنى مع احتمال الآية لهما معاً. ويشير إلى تأجيل ذكر القسم الثالث لسياق لاحق.
يفصل المقطع نوعين من الاختلاف في تفسير الآيات: الأول يسمح بالجمع بين الأقوال لاتحاد المعنى، والثاني يتعذر فيه الجمع للتضاد فيحتاج إلى ترجيح بدليل السياق وأصول الشريعة. ويضرب الأمثلة على الحالتين من آيات متفرقة.
يقرر المقطع أن الولي لا يملك أي حق في زيادة أو نقصان في عقد النكاح، وأن الحق مختص بالمرأة والزوج فقط. ويستدل بالمعنى الشرعي على عدم جواز الجمع بين حق الولي وحق الزوجين في هذا الشأن.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه «الوصول إلى علم التفسير» في كلامه على المرجع في تفسير القرآن: فذكر أنه عند تفسير القرآن يرجع إلى كلام الله، فيفسر القرآن بالقرآن، وذكر أمثلة على ذلك. ثم ذكر ثانياً: تفسير القرآن بالسنة، وذكر أمثلة على ذلك، وهو ما يسمى تفسير القرآن بالسنة. ثم ذكر تفسير القرآن بكلام الصحابة رضي الله عنهم، ثم قال: كلام التابعين. وقفنا هنا، صح؟ قد قرأنا كلام التابعين. طيب. قال خامساً: ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق. هذا إذا لم نجد تفسيراً للآية من المراجع المتقدمة؛ لم يرد تفسير هذه الكلمة مثلاً في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة، ولا في كلام التابعين، فنرجع إلى ما تقتضيه الكلمات من المعاني: أولاً الشرعية، فإن لم يجد فاللغوية، ويعرف ذلك على حسب السياق. قال: لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 105]، لتحكم بين الناس بما أراك الله، هذا وجه الشاهد. وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: 3]، قوله: «عربياً» يعني: باللغة العربية. فإذا لم يوجد تفسير لهذه الكلمة في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين، فيرجع في ذلك إلى اللغة. وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4]، أي: أن هذا القرآن باللسان العربي المبين، فإن لسان النبي عليه الصلاة والسلام باللغة العربية. قال: فإن اختلفت، فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة، إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذه. وهذه قاعدة عندهم: إذا جاء في الكلمة معنى شرعي ومعنى لغوي، ما معنى معنى شرعي؟ يعني: ما معناها في الشرع. مثل: الصلاة، معناها في الشرع هي تلك العبادة ذات الأقوال والأفعال المعروفة، صح؟ لكن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، بمعنى ماذا؟ الدعاء. فهمتم هذا الآن؟ فإذا جاءت الصلاة في سياق آية، وما ندري هل يراد بها الشرعي أو اللغوي، فهنا يقدم الشرعي؛ الأصل لأنه كما ذكر الشيخ هنا: القرآن نزل لبيان الشرع ليس لبيان اللغة، صح؟ فإذا الأصل أن نأخذ المعنى الشرعي، الأصل أن نأخذ ماذا؟ المعنى الشرعي. واضح؟ إلا في حالة كما ذكر الشيخ، وسيمثل: أن يكون هناك دليل يعني في السياق يمنع أن يكون المعنى شرعياً، وإنما هو المعنى اللغوي، فنأخذ باللغة. سيمثل على ذلك. قال: مثال ما اختلف فيه المعنيان وقدم الشرع: قوله تعالى في المنافقين: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 84]. الآن انظر: «لا تصل»، ما المراد بالصلاة هنا؟ هل هي الصلاة المعروفة ذات الأقوال والأفعال، أو هي الدعاء فقط؟ قال: هنا فالصلاة هنا قدم المعنى الشرعي وليس المعنى اللغوي. لماذا؟ قال: فالصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هناك: هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة، يريد صلاة الجنازة، جاء بصفة مخصوصة، ليس دعاء فقط، بل هو دعاء وقراءة فاتحة، وكذلك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك. فإذن الآن جاء، جاء ردّ الصلاة بمعنى الدعاء في اللغة، وفي الشرع ما سمع. قال: فيقدم المعنى الشرعي؛ لأن المقصود المتكلم المعهود للمخاطب. وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر. نعم، أيضاً لا يدعى للكافر، لكن هذا أخذ بدليل آخر، ليس من هذه الآية. ما هو الدليل الآخر؟ ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ [التوبة: 114]، وقبل ذلك: ﴿ فَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ﴾ [التوبة: 113]. فمنع الدعاء للكافر أخذ من دليل آخر. أما هذه الآية فيتوجه المعنى إلى المعنى الشرعي، فالمنافق نفاقاً اعتقادياً، والكافر والمشرك لا يصلى عليه صلاة جنازة، ولا يدعى له صلاة جنازة من هذه الآية، ولا يدعى له من دليل آخر. واضح؟ قال: ومثال فيه المعنيان وقدم فيه اللغوي، يعني: قدم المعنى اللغوي على المعنى الشرعي لوجود قرينة تدل على المعنى اللغوي. قال: وقدم فيه اللغوي بالدليل: قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 103]. فالمراد بالصلاة هنا الدعاء؛ لأنهم هم أحياء. «خذ من أموالهم صدقة» من أموال المؤمنين، تطهرهم وتزكيهم بها، فإن من فوائد الصدقة التطهير والتزكية، فإذا المراد بالصلاة هنا الدعاء؛ لأنهم أحياء. وقد ورد هذا في اللغة جواز إطلاق الصلاة على آل فلان بمعنى الدعاء لهم، بمعنى الدعاء لهم، كما قال هنا: فالمراد بالصلاة هنا الدعاء. وبدليل ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى». هنا معنى «صلي» يعني ماذا؟ معنى «صلي» يعني: يدعو لهم، يدعو لهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله عز وجل يصلي عليهم يعني: يذكرهم في الثناء ونحو ذلك. فهذا ما ذكر في صلاة الله عز وجل على خلقه، وهو ماذا؟ الثناء عليهم وذكرهم عند الملأ الأعلى. فجاءت هنا الصلاة بمعنى ماذا؟ بمعنى الدعاء؛ لأن السياق يدل على ذلك. ومثل ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة: كالسماء والأرض، والصدق والكذب، والحجر والإنسان. فالسماء في اللغة: كل ما سماك، أي: كل ما ارتفع عليك، صح؟ فهذا حتى في الشرعي يطلق كذلك على كل ما علاك وسماك. وهكذا الأرض. والصدق: الصدق هو الإخبار بما يوافق الواقع يسمى صدقاً، وعكسه الكذب: فالإخبار بما يخالف الواقع، فهذا في اللغة وكذلك في الشرع. ومثله الحجر والإنسان. ثم ذكر مبحثاً آخر، وهو قال: الاختلاف الوارد في التفسير المأثور، يعني: تجد مثلاً في تفسير ابن كثير أو تفسير البغوي ذكر أقوال المفسرين في معنى الآية، صح؟ هذا يذكر قول، وهذا يذكر قول، وهذا يذكر قول. فكيف التعامل مع اختلاف المفسرين في ذكر معنى الآية؟ كيف تتعامل معه؟ هذا له قواعد وأصول، سيذكرها الشيخ في هذا المبحث. قال: الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام: الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية. ومعنى «في اللفظ»: يعني اختلف اللفظ، ولكن معنى هذه الألفاظ متقاربة أو واحدة؛ لأن اللغة واسعة، فتجد المعنى الواحد له عدة ألفاظ، كما سيأتي من ذكر المثال. فهذا الاختلاف لا يضر، ولا تأثير له في معنى الآية، لا تأثير له في معنى الآية. قال: مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23]. قال ابن عباس: «قضى» أمر، فسر «قضى» بمعنى أمر. وقال مجاهد: «أوصى»، المعنى متقارب، تقول له: فلان هل يأمر بشيء؟ هل يوصي بشيء؟ المعنى متقارب، صح؟ وقال الربيع بن أنس: «أوجب»، فالأمر بمعنى الوجوب. إذن المعنى واحد، صح؟ المعنى واحد، وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب، فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية، فهذا لا يؤثر في معنى الآية. إذن: ثلاثة أقوال في معنى «قضى»، وكلها متقاربة أو واحدة. قال: الثاني: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما. يعني: هذا يقول قول، وهذا يقول قول، لكن يمكن أن تجمع بين القولين، يمكن أن تجمع بين القولين، فالآية تحتمل أن تكون بهذا المعنى، وتحتمل أن تكون بهذا المعنى، ولا تعارض بينهما، فتحمل على المعنيين وتفسر بهما. ويكون الجمع بين هذا الاختلاف: أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل، وهذا ما يعبر به البعض بـ «التفسير ببعض المعنى»، التفسير ببعض المعنى. فمثلاً: الآية تشمل ربما عشرات المعاني، فهذا يفسر بمعنى، وهذا بمعنى، وهذا بمعنى، وهذا بمعنى، وكل هذه المعاني تصدق عليها الآية وتحتملها الآية، كما سيمثل الآن. قال: ويكون الجمع بين هذا الاختلاف: أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعني الآية، أو التنويع، يعني: التنويع الأمثلة. مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 175-176]. قال ابن مسعود: يعني في هذا الرجل، «اقتل عليهم نبأ الذي آتيناه» من هذا الرجل. قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل. وعن ابن عباس: أنه رجل من أهل اليمن. وقيل: رجل من أهل البلقاء. إذا الآن هذه أقوال متعارضة في اللفظ والمعنى، فالآن من هو هذا الرجل؟ هل هو رجل من بني إسرائيل، أو رجل من أهل اليمن، أو رجل من أهل البلقاء؟ فنقول: الآية ما ذكرت من هذا الرجل، فتشمل، تشمل الآية كل من اتصف بهذا الوصف، كل من اتصف بهذا الوصف، فقد يكون رجلاً من بني إسرائيل، وقد يكون رجلاً من أهل اليمن، يقول: رجل من أهل البلقاء. تحمل الآية، تحمل الآية على كل من اتصف بهذا الوصف، ويحمل قول المفسرين على التفسير ببعض المعنى. وهذا له نظائر كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [الزمر: 33]. قيل: أنه أبو بكر الصديق، صح؟ ما جاء هذا حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما اجتهاد من بعض العلماء؛ لأن الصديق رضي الله تعالى عنه هو من أعظم الصحابة وصفاً بالصديقية، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم. نعم، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، هذا فيه ثناء على أبي بكر، وأنه من أول من صدق بالنبي عليه الصلاة والسلام وآمن به. فهذا من التفسير ببعض المعنى، أو من التفسير بالمثال، وهذا معنى قول ذكر على وجه التمثيل، على وجه التمثيل. قال: والجمع بين هذه الأقوال: أن تحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل. ومثال آخر يعني على هذا النوع: قوله تعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ [النبأ: 34]. قال ابن عباس: «دهاقاً» مملوءة، يعني: كأس مملوءة إلى أعلى، لا نقص فيها. وقال مجاهد: «متتابعة»، يعني: كل ما أنهى كأساً وجد الكأس الآخر بجانبها، متتابعة، لا تنقطع. وقال عكرمة: «صافية»، يعني: ما فيها كدر، وما فيها وسخ، ولا شيء، صافية. إذن هذه أقوال ظاهرها التعارض، صح؟ أحدهم يقول: مملوءة، والآخر: متتابعة، والآخر: صافية. لكن يمكن الجمع بينها، ولذلك قال: ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها، فتحمل عليها جميعاً، ويكون كل قول لنوع من المعنى: «دهاقاً» بمعنى مملوءة، ومتتابعة، وصافية، كل هذا من صفات هذه الكأس التي يشرب منها أهل الجنة، فلا تعارض. فأنتم، هذا الآن. قال: القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معاً للتضاد بينهما. يعني: لا نستطيع أن نجمع بين القولين أو الثلاثة؛ لأن الجمع متعذر، والجمع فيه تضاد، فلا يمكن الجمع. قال: فتحمل الآية على الأرجح منهما بدليل السياق وغيره. ولذلك الحافظ ابن كثير في كثير من المواضع في تفسيره، إذا ذكر كلام المفسرين في مثل هذا القسم يرجح، يقول: والراجح كذا وكذا، والقول الصواب كذا وكذا. هذا عند التعارض الذي لا يمكن الجمع بينهما. وسيمثل الشارح أو المؤلف رحمه الله. قال: مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البقرة: 173]. قال ابن عباس: «غير باغ» في الميتة، «ولا عاد» في أكله. يعني معنى الآية: فمن اضطر، ما وجد شيئاً حلالاً يأكله، وإذا لم يأكل الشيء المحرم لهلك، فجاز له الشرع أن يأكل المحرم، لكن بشرط: «غير باغ». ما معنى «غير باغ»؟ يعني: في الميتة لا يأكل، يعني: حتى يشبع، إنما يأكل حتى يدفع عن نفسه الضرورة، حتى يدفع عن نفسه الضرورة، لا يبغي في الأكل. «غير باغ ولا عاد». قال: «ولا عاد في أكله» يعني: لا يعود إليه لغير ضرورة، لغير ضرورة. فهمتم هذا الآن؟ هذا تفسير ابن عباس. وقيل: يعني قول آخر: «غير باغ» خارج على الإمام، «ولا عاد» عاصٍ بسفره، يعني: يكون سفر طاعة، لا سفر معصية. أما إذا كان سفر معصية فليس له أن يأكل، هكذا فسر. قال: والأرجح الأول، قول ابن عباس. لماذا؟ قال: لأنه لا دليل في الآية على الثاني، وهو سفر المعصية، ولأن المقصود بما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك. فكيف الذي خرج على الإمام بمعصية لا يحل له أن يدفع الضرورة عن نفسه؟ هذا قول يعني لا يتوافق مع عمومات الشريعة وأصول وقواعد هذا الدين، فالضرر يزال، والضرورات تبيح المحظورات، وهذا عام في الطائع والعاصي. فهمتم هذا الآن؟ فإذا هذا تعارض، لا يمكن نقول: الآية تحمل على المعنيين. هل يمكن أن نقول هذا؟ لا، لأن تعارض بينهما، تعارض بينهما، وليس هذا على ذكر المثال، وإنما على ذكر حكم المسألة. قال: ومثال آخر: قوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ [البقرة: 237]. وهذا في الطلاق. ومعنى الآية: يعني إذا طلقتم النساء من قبل أن تمسوهن، يعني: تجامعوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، يعني: مهراً، عينتم مهراً، فنصف ما فرضتم تعطوهن النصف؛ لأنه ما دخل بها بعد. أما إذا دخل عليها وطلق، تأخذ مهرها كاملاً. لكن لو حدد لها مهراً ولم يدخل بها، فتعطى النصف، بشرط: «إلا أن يعفون» يعني: المرأة، «أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح». هنا الخلاف في «عقدة النكاح»: من المراد بـ «يعفو الذي بيده عقدة النكاح»؟ من هو الذي بيده عقدة النكاح؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، هو الزوج. وقال ابن عباس: هو الولي. قال: والراجح الأول، لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الحديث روي بسند ضعيف، بسند ضعيف، لكن المعنى يدل عليه، المعنى يدل عليه. فإن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، فله أن يعطي المهر كاملاً إن شاء. فهذا معنى قوله: الراجح أول، لدلالة المعنى عليه؛ لأن الولي ليس له أي حق في هذه المسألة، ليس له أي حق، سواء كان من جهة الزيادة أو من جهة النقصان، فالحق حق المرأة وحق الزوج، يعني: الزوج والزوجة، صح؟ فالمعنى يدل على ذلك، المعنى يدل على ذلك، ولا يمكن أن نجمع بين الأمرين. طيب، نكتفي بهذا. وإلهنا وإلهكم، والله تعالى. شكراً للمشاهدة.