الصحيح المسند من دلائل النبوة  102

الصحيح المسند من دلائل النبوة 102

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 102، الدرس الثاني بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا إسحاق بن نصر ... قالا حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه عن جده بهذا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقوبة مخالفة أمر النبي

يشرح المقطع عقوبة مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويبين تفاوت العقوبة حسب المخالفة ودرجة الإيمان. يذكر أمثلة على ذلك مثل حديث سلم بن الأكوع وقصة الرجل الذي شلت يده.

شمولية أحكام الإسلام

يتناول المقطع شمولية أحكام الإسلام في جميع جوانب الحياة، ويبين أن الدين يشمل الأخلاق والمعاملات. يشير إلى أهمية التسمية بالأسماء الحسنة واجتناب الأسماء المذمومة.

تحذير من التمسك بالعادات

يشرح المقطع خطورة التمسك بالعادات والتقاليد على حساب الحق، ويستدل بقصة أبي طالب. يبين أن دين الله يأمر باتباع الحق بدليله وبرهانه ويحذر من شؤم المعاصي.

تحمل الإثم والأجر في قضاء الله

يشرح المقطع تحمل الإثم والأجر في قضاء الله، حيث يتحمل المتسبب إثم الآخرين بينما يؤجر الآخرون إذا ثبتوا. تجري هذه الأمور تحت مقادير الله الحكيمة.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال شيخنا، رحمه الله تعالى -كما في زيادة طبعته الجديدة- في باب «عقوبة من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم»: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا إسحاق بن نصر، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه: أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا أغير اسمًا سمانيه أبيه. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد. قال: حدثنا علي بن عبد الله ومحمود -وهو ابن غيلان- قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، عن جده بهذا -أي بهذا الحديث-. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وعلامات صدق رسالته، ومن ذلك أن من خالف أمره عاقبه الله. وأوردها هنا هذا الحديث، وزاده في الطبعة الجديدة. ولعل السبب في ذلك، وتردده في إدخال مثل هذا الحديث في مثل هذا الموضع، لأن المصاب من المسلمين، فيكون في هذا لفتة لنا كطلبة علم أن نستفيد أن بعض الأدلة التي قد يستدل بها المستدل قد لا يكون يراها في تمام المطابقة، ولكنه إذا وجد فيها بعض المطابقة ربما أحيانًا يقدم وأحيانًا يتأخر. فالشاهد كأن الشيخ يريد أن يدخل بهذا الحديث معنى أن العقوبة عامة، سواء في حق الكفار والمنافقين والمشركين، أو كانت حتى عقوبة نسبية يسيرة في حق بعض المسلمين، إذ وقعت منهم بعض المخالفة. وعلى هذا المعنى ستدخل أحاديث أخرى كثيرة فيها معنى ما ذكر في هذا الحديث، مثل حديث «سلم بن الأكوع». نعم، قصة الرجل الذي أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل بيمينه، فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، فما رفع يده إلى فيه، شلت يده اليسرى، لما عاند وخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث آخر: غزوة أحد، كذلك ما أصاب المسلمين ابتلاء من الله بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك نعم، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرج أحد في تلك الليلة، فخالف أحدهم، فجاءت الريح كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذته إلى «طيء»، إلى جبال طيء. وهذه نظائر لهذا الحديث الذي أورده الشيخ، رحمه الله تعالى. ففي الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها ما أورد لأجله الشيخ، رحمه الله، هذا الحديث، فمن دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام نزول العقوبة فيمن خالف أمره عليه الصلاة والسلام. وهذه العقوبة نسبية، فهي في حق الكافر ليست مثل المسلم، وهي في حق الكفر ليست مثل المعصية، وهكذا المعاصي تتفاوت، فتكون العقوبات كذلك متفاوتة. وفيه من المسائل كذلك استحباب التسمية بالاسم الحسن، فإن التسمية بالأسماء الحسنة من آداب هذا الدين. وبه نعرف أن الدين لا ينحصر في الصلاة والصيام والصدقة والزكاة، بل الدين يتناول كل حياة الإنسان. أنت ما دمت رضيت بالإسلام دينًا، وقبلت بالله ربًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وجب عليك أن تحتكم وتلتزم بآدابه وأحكامه. ومن ذلك شمولية هذه الأحكام في سائر حياتك. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ومعنى أن الإسلام لا ينحصر في باب العبادات كما يدعي لذلك بعض الليبراليين والعلمانيين ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم. هناك دعوات في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بلسان الحال أو المقال، تدعو إلى فصل الدين وعزله في جوانب العبادات، كأنهم يقولون -وقد صرح بعضهم بذلك- أن الدين لا يتعدى المسجد. وهذا خطأ، بل دين الإسلام يلزم أهله بأن يحكموه في جميع جوانب الحياة، الصغير والكبير، والرئيس والمرؤوس، ما دمت رضيت بالله ربًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا ونبيًا، وبالإسلام دينًا، إذن التزم بأحكامه في كل جوانب الحياة، عبادات ومعاملات، وهكذا كذلك أخلاق وآداب وكل شيء. فالتسمية بالأسماء الحسنة من آداب الإسلام، فمن لم يلتزم بذلك فهو ناقص في إسلامه. ليس معناه كافر، لكن معناه أنه لم يكمل إيمانه وإسلامه، وإن أصر ففيه خصلة من خصال الجاهلية، لكونه علم بحكم الإسلام ولم يحتكم له. وهذا عام يشمل أهل الحضر وأهل البادية. فمثلًا أهل الحضر ابتلوا بالأسماء التي فيها معاني التغريب، دخلت عليهم ثقافات من الشرق والغرب، فصارت أسماؤهم فيها تلك التبعية المقيتة. وأهل البادية كذلك توارثوا أسماء عن الآباء والأجداد، وهي كذلك منافية للإسلام، وهذا من معاني الجاهلية. أنت مسلم، اعتز بالإسلام، أظهر هذا في كل شيء، في عبادتك، في معاملتك، في مظهرك، حتى في أسمائك وأسماء أبنائك. وهذا من محاسن هذا الدين. وفيه كذلك استحباب التسمية بهذا الاسم على وجه الخصوص، وهو «سهل». فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وفيه ذم هذا الاسم على وجه الخصوص، وهو «حزن». فيدخل في ذلك كل ما كان بمعنى الأول فهو حسن، وكل ما كان بمعنى الثاني فهو قبيح ومذموم. والشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وقد ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتابه العظيم النافع «أحكام المولود»، في أحكام المولود فصلًا خاصًا فيما يتعلق بالأسماء، وذكر هنالك مباحث وقواعد في مسألة تسمية المولود، ما يجتنب وما لا يجتنب، وما يمدح وما يذم. فمن مواضع الذم كل اسم فيه هذا المعنى من معاني الحزن ونحوه، والممدوح ضده، كل اسم فيه معنى السهولة والتيسير ونحوه، وأشياء أخرى كذلك، كعدم التعبيد لغير الله، وعدم التشبه بأعداء الله، وعدم تسمية الرجل بأسماء النساء والعكس، وعدم التسمي بالأسماء المائعة الرخوة، ونحو ذلك مما نبه عليه العلماء. وفيه من المسائل كذلك بيان أن من أسباب ضلال الناس التبعية والتقليد، والافتخار بآثار وتركة الآباء والأجداد، فإن هذا إذا عارض الشرع صار سببًا لحرمان الخير، وللوقوع في عقوبة الله العاجلة والآجلة. ولا يخفى عليكم قصة عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب، كيف حرم خير هذا الدين بسبب هذه الكلمة وهذا المعنى، فإنه أبى أن يقول: «لا إله إلا الله»، حتى لا يترك ما كان عليه الآباء. ونحوه في هذا الحديث: «لا أغير اسمًا سمانيه أبي». ونحوه بعض الناس في هذا اليوم، في هذا الزمان، إذا قيل لهم: هذه سنة، وهذه بدعة، وهذا حق، وهذا باطل، قالوا: لا، لا، لا، نحن ما نريد الدين الجديد -يعني كأنه يقول: نريد دين الآباء والأجداد-، خلاص الأمر منتهي. وليس الأمر هكذا في دين الله، دين الله يأمرنا أن نتابع الحق بدليله وبرهانه، فإذا جاء الحق وجب اتباعه. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، فلا يجوز للمسلم بعد بلوغه الحق أن يعارضه بأي نوع من أنواع المعارضة، ولا يجوز له أن يتأخر عنه. وفيه كذلك شؤم المعاصي على أصحابها، بل وعلى ذرية صاحب المعصية. فإن قال قائل: كيف نصنع بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ يعني الحزونة لو بقيت فيمن امتنع الاسم، ربما يقول قائل: هذا عدل، لكن كونها تستمر الحزونة في أهل البيت جميعًا، كيف هذا مع قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ الجواب على ذلك من أوجه: أولًا يقال: إن هذا سبب، ولما كان هذا السبب لا يقف في سنة الله عز وجل عند الفاعل فقط، بل على الفاعل ومن كان معه، سواء هذه المعية حسية أو معنوية. وهذا له نظائر، فإنه يصيب الجميع، ثم يكون الناس بحسب أعمالهم، فالمحسن يكون ذاك البلاء بالنسبة له مكفرًا لسيئة، ورافعًا لدرجة، والمسيء بخلاف ذلك. كما في حديث عائشة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم»، قالت: يا رسول الله، يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». فالعذاب يصيب الجميع بسبب معصية هذا الجيش، وظلمه كان سببًا في نزول العذاب على الجميع، ثم بعد ذلك الناس يبعثون على نياتهم. وهذا من شؤم أهل المعاصي، وأهل الفساد. وقد يكون له وجه آخر كذلك، أو يجاب بجواب آخر، بأن الرضا بالبقاء مع أهل الباطل قد يكون سببًا في لحوق وعموم العذاب. ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، مع أن الظلم قد لا يكون من كل القرية، قد يكون من بعض القرية، لكن يعم العذاب بسبب الرضا بهذا الفساد، وعدم تغييره، أو عدم الخروج منه. لأن الواجب على المسلم إذا لحق موضعًا فيه فساد أن يغيره، لم يستطع يبتعد عنه. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، ليس «مصلحون»، «مصلحين». فإذا لم يكونوا من المصلحين، فإنه قد ينزل عليهم العذاب، ولو بسبب غيرهم. وأما إذا كانوا من المصلحين، فبإذن الله تعالى يرتفع العذاب ويؤخر، فلله حكمة في ذلك. وكذلك قد ينال هذا الآثم إثم الجميع، يعني مثلًا لو أن إنسانًا فعل ما فيه إفساد، فأضر نفسه وأضر غيره، يلحقه إثم فعله، وفيما أضر به الآخرين. وهذا مثله، فيكون المتسبب يتحمل إثم الآخرين، والآخرون يؤجرون ويكتب لهم كذلك تكفير السيئات بما كان من ابتلاء الله عز وجل لهم إذا ثبتوا وصبروا. وهذه كلها تجري تحت مقادير الله الحكيمة منه سبحانه وتعالى، ويفعل في خلقه ما يشاء. طيب، إلى هنا، والله تعالى أعلم.