التعليق على تقريب التدمرية 32

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 32، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الروح حقيقتها وعجز العقول عن إدراك كنهها

يشرح المؤلف المثل الثاني في "تقريب التدمرية" وهو الروح، مبيناً أنها قوام الإنسان وأقرب شيء إليه مع عجز العقول عن إدراك كنهها إلا بالوحي. ويستدل بذلك على وجوب إثبات صفات الكمال لله تعالى على ما يليق به وإن عجزت العقول عن تكييفها، ومن نفى الصفات فهو معطل ومن شبهه بخلقه فهو ممثّل.

حقيقة الروح ورد الأقوال الباطلة فيها

يوضح المقطع أن الروح ذات وجود حقيقي وصفات ثابتة في الكتاب والسنة كالتوفي والحفظ والرحمة، وأنها غير البدن ولا جزء منه ولا صفة له. وينتقد أقوال أهل الكلام والمعتزلة الذين حددوا ماهيتها بعقولهم بلا دليل، مؤكداً أن علم حقيقتها موقوف على الوحي فقط.

وصف الفلاسفة للروح بصفات النفي والسلب

يشرح المقطع كيف وصف الفلاسفة الروح بصفات متناقضة وسلبية (ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا متحركة ولا ساكنة)، مشبهين ذلك بوصفهم لله تعالى بالتعطيل. ثم يورد شبهتهم القائلة بإمكان ذلك لوجود الكليات في الأذهان، ويرد عليها بأن الكليات لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان فقط.

بطلان تصورات الفلاسفة والمتكلمين للروح

يبيّن المقطع أن الكليات والتصورات التي يفرضها الذهن كصفات الروح التي يذكرها المتكلمون والفلاسفة لا وجود لها في الواقع، بل هي ممكنة في الأذهان فقط. ويضرب المثل بتخيل المحالات واجتماع النقيضين في العقل، مؤكداً أن الحكم هو الواقع المشاهد وما لم يدل عليه الواقع فهو باطل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة محمد صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، في كتابه "تقريب التدمرية": قال رحمه الله: "المثل الثاني: الروح التي بها الحياة، وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان. وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن، ويصعد بها إلى السماء، وتعاد إلى البدن. ولا ينكر أحد وجودها حقيقة. قد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها إلا ما علموه عن طريق الوحي، واضطربوا فيها اضطراباً كثيراً؛ لكونهم لا يشاهدون لها نظيراً. فمنهم طوائف من أهل الكلام جعلوها البدن، أو جزءاً منه، أو صفة من صفاته. ومنهم طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مداخلة له ولا مباينة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود. فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة، قالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان؛ فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج، كان يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما، مع أن هذا ممتنع. واعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير، وله سببان: أحدهما قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها، والثاني أنهم لا يشاهدون لها نظيراً. فإن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، وإنما هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس. فعرفها الفلاسفة بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة. فطريق الفلاسفة فيها تعطيل، وطريق المتكلمين فيها تمثيل، وكلا الطريقين خطأ. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الروح إذا قبضت اتبعها البصر، وأن الملائكة تجعلها في كفن، تصعدها إلى السماء. ومع هذا فالعقول قاصرة عن إدراك كنهها وحقيقتها، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فإذا كانت الروح حقيقة، واتصافها بما وصفت به الكتاب والسنة حقيقة، مع أنها لا تماثل الأجسام المشهودة، كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال، مع مباينته للمخلوقات، من باب أولى. وكان عجز أهل العقول عن أن يحدوا الله أو يكيفوه، أبياً من عجزهم عن حد الروح وتكييفها. وإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً، ومن مثلها بما يشاهد من المخلوقات جاهلاً بها ممثّلاً، فالخالق سبحانه أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثّلاً. ذكر رحمه الله تعالى هذا المثل في الروح، وفائدة ذكر هذا المثل: بيان أن الروح لا تدرك كيفيتها ولا كنهها، مع وجودها في الإنسان، واتصاف هذه الروح بأوصاف، ومع هذا عجز الإنسان أن يعرف حقيقة هذه الروح وكنهها. والحقيقة التي هي عليه، وصفات الرب جل وعلا، أو لى أن يعجز الإنسان عن معرفة كيفيتها وكنهها. وكونه لا يعرف كيفيتها وكنهها، ولا يدرك كيفيتها وكنهها، ليس معنى ذلك أنها غير موجودة، بل هي موجودة وثابتة وحقيقية، ثابتة لله جل وعلا على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، لكن العقول عاجزة عن إدراكها وإدراك كنهها. فإذا عجزت عن إدراك الروح، وهي موجودة وهي حقيقية، واتصفت بأوصاف، وهي مخلوقة، فعجز الإنسان عن إدراك كيفية صفات الرب جل وعلا وكنهها من باب أولى. فلذلك تثبت الصفات للرب جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى، وإن عجز الإنسان عن معرفة كيفيتها وكنهها وحقيقتها. كما أنه يثبت الروح ولا ينكرها، الإنسان يثبت الروح ويقول: الروح موجودة، وأنا لي روح. إذا قيل له: كيف صفة هذه الروح؟ ما يعرف صفة هذه الروح وكيفية هذه الروح، ومع هذا يؤمن بأنها موجودة، وأن لها كيفية، وأن لها كيفية معينة، لكن هو جهل هذه الكيفية، هو جهل هذه الكيفية. وهكذا أيضاً الرب جل وعلا له صفات عليا، متصف بها سبحانه وتعالى، لها كيفية، لكن الإنسان يجهل هذه الكيفية. فكما أثبت الروح أن لها صفات، وقد عجز عن كيفيتها وكنهها، فهكذا عليه أن يثبت الصفات لله سبحانه وتعالى، ولو عجز عن معرفة كيفيتها وكنهها وحقيقتها. فيثبتها على ما يليق بالله جل وعلا، كما يقول: للروح صفات تليق بها، الله أعلم بكيفيتها. هذا خلاصة ذكر هذا المثل في هذا الموضع، ونأتي إلى تفصيل كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قال: "الروح التي بها الحياة"، وهي أقرب شيء إلى الإنسان. وإذا قيل: ما هي الروح؟ ما هي الروح؟ تعرف الروح بأنها ما به قوام البدن. الروح: ما به قوام البدن. ويفسر باللازم الذي لا بد منه. الروح هو ما به قوام البدن، يعني: إذا ذهبت وخرجت مات البدن، نعم، وهلك البدن. هذا تفسير باللازم للروح. وأما غير ذلك من التفاسير التي ذكرت عن الروح، فهي لا دليل عليها، فهي لا دليل عليها، والأولى لا تفسر بتلك التفاسير. مثل أنها شيء يسري في البدن كسري النار في الفحم، أو اللبن في الضرع، أو الدم في العروق، أو كذلك الماء في الورد، إلى آخر ذلك. هذه التفاسير لا دليل عليها، لا دليل عليها. لكن يكفي أن يقال في الروح: ما به قوام البدن، ما به قوام البدن. وغير ذلك ما يمكن أن يفسر إلا عن طريق الوحي، ولم يأتنا عن طريق الوحي شيء تفسر به الروح؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فهذا هو ما يتعلق بتفسير الروح الذي تفسر به. قال رحمه الله: "الروح التي بها الحياة"، الروح التي بها قوام البدن، فإذا ذهبت ذهبت الحياة وهلك البدن. قال: "وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان، وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن". هذه الروح وصفت بأوصاف: وصفت بأنها تقبض، ويصعد بها إلى السماء، كما ثبت ذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما في السنن: أن الإنسان إذا كان في انقطاع، أو أن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، أتاه ملائكة، أتاه ملك الموت مع من معه من الملائكة الذين يقبضون هذه الروح. فإذا كان مؤمناً تأتيه الملائكة، ومعها الحنوط، ومعها الحنوط، وتوضع تلك الروح في هذا الحنوط، ويصعد بها إلى السماء. وكلما مر بها في سماء، يقولون: روح من هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه في الدنيا. وهكذا حتى تعاد إلى البدن مرة أخرى، تعاد إلى البدن مرة أخرى. فالروح لها مع البدن لقاء وافتراق، لقاء وافتراق، ويحصل النعيم بالبدن من الروح في حال الافتراق، وفي حال الاجتماع، في حال الافتراق، وفي حال الاجتماع. فإذا وصفت الروح بأنها تقبض، وهكذا يصعد بها إلى السماء، وكذلك وصفت هذه الروح بأنها تتوفى، تتوفى أن يتوفاها الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. فالروح وصفت بأنها تتوفى، أن يتوفاها الله سبحانه وتعالى. وأيضاً وصفت بأنها تحفظ، كما في دعائه عليه الصلاة والسلام حين يأوي إلى فراشه، عليه الصلاة والسلام يقول: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ». فالروح وصفت بأنها تحفظ، بأنها تحفظ، وبأنها كذلك ترحم من رب العالمين سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا، اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا». وأيضاً في حديث أبي سلمة، كما سيأتي، أن الروح تقبض، وإذا قبضت تبع البصر تلك الروح، فتشخص أبصار الذين قبضت أرواحهم؛ لأن البصر يتبع الروح إذا قبضت، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سلمة. إذن الروح شيء موجود، وله صفات، وله أوصاف جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أما ما لم يأتي ذكره فيما يتعلق بالروح، يعني: لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو مردود؛ لأنه من القول على الله جل وعلا بغير علم. ولما جاء اليهود، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن الروح، نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآيات: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فإذا الروح وصفت في نصوص الكتاب والسنة بهذه الأوصاف التي سمعتم، وغيرها من الأوصاف التي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا. قال: "ولا ينكر أحد وجودها حقيقة"، يعني: ما أحد ينكر هذا، أن الروح موجودة، ويحسها الإنسان، وأن له روح. نعم، فلا ينكر وجودها، ولا ينكر حقيقتها. قال: "وقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها إلا ما علموه عن طريق الوحي". قال: "واضطربوا فيها اضطراباً كثيراً". حصل الاضطراب بين الناس في حقيقة هذه الروح: ما هي ماهيتها؟ ما ماهية هذه الروح؟ ما هي كيفيتها؟ حصل الاضطراب فيها كثيراً. لماذا؟ قال: "لكونهم لا يشاهدون لها نظيراً". يعني: هم لا يشاهدون نظيراً لهذه الروح، حتى يقولوا: هذه الروح هي كذا وكذا وكذا، لأنهم شاهدوا لها مثيلاً، يعني مثيلاً لهذه الروح. فلما شاهدوا ذلك المثيل للروح، علموا صفات ذلك المثيل، فيقولون ذلك في الروح: هي كذا وكذا وكذا. لكن حصل الاضطراب الكثير في ماهية الروح؛ لأن الإنسان لم يشاهد للروح نظيراً ولا مثيلاً، حتى يعرف كنه وحقيقة هذه الروح. وذكر رحمه الله تعالى أقوال هؤلاء الذين قالوا على الله جل وعلا بغير علم فيما يتعلق بما هي الروح. فذكر طوائف من أهل الكلام، ومن المعتزلة وغيرهم، ممن يتكلمون بعقولهم، ويذكرون أشياء بعقولهم، لا دليل معهم، لا من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: "جعلوها البدن". يعني: من هؤلاء الطوائف من أهل الكلام جعلوا الروح هي البدن، الروح هي البدن. وهذا قول باطل. كيف الروح هي البدن؟ كيف الروح هي البدن؟ إذا كانت الروح البدن، إذا انتهت الروح، لماذا يبقى البدن؟ لماذا يبقى البدن؟ البدن موجود، موجود بدون روح. إذا قبضت الروح، صار البدن موجوداً. الميت الآن موجود، جثة موجودة. نعم. إذا كان البدن هو الروح، فإذا قبضت الروح، لماذا بقي الجسد؟ ولماذا بقي البدن؟ إذا كان الروح هو البدن. يبين لنا أن هذا قول باطل. فالروح غير البدن. الروح تقبض، والبدن موجود. البدن موجود، الروح قد صعد بها، والبدن موجود. إذن الروح غير ماذا؟ غير البدن. قال: "أو جزءاً منه". يعني: بعض طوائف من أهل الكلام يجعلون الروح جزءاً من البدن، جزءاً من البدن. مثلاً: بعضهم يقول: هي الحياة، هي الحياة التي يحيى بها الإنسان، هذه هي الروح. الروح هي حياة الإنسان. يعني: يفسرونها بجزء من البدن. أو بعضهم يقول: هي الكبد، أو الطحال، أو كذلك النفس. يفسر الروح بالنفس. وبعضهم يقولون: الهواء، الهواء الذي يجري في عروق الإنسان، هذا هو الروح. ففسروا الروح بأجزاء من البدن. وهذا أيضاً قول باطل، قول باطل. لأن صعود الروح، فكل ذلك ينقطع. فإذا الروح لها تعلق بالحياة، ولها تعلق بكذلك النفس، ولها تعلق كذلك بالهواء، فليست هي جزءاً، وإنما هو أمر يعني لا يعلم، لا يعلم ما هو، كما قال الله جل وعلا: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾، ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾. فنقول: الله أعلم، الله أعلم. وإنما نقول كما تقدم: هي ما به قوام البدن فقط. أما هل هي النفس، يعني نفس الإنسان؟ فلا، ليست هي نفس الإنسان؛ لأنه لا دليل على ذلك. وليست هي يعني الحياة، وليست كذلك هي يعني الهواء الذي يجري في الدم، ولا غير ذلك من هذه التفاسير. كلها باطلة، لا دليل عليها. قال: "أو صفة من صفاته". يعني: صفة من صفات البدن. يعني مثلاً: السمع، أو البصر، أو كذلك مثلاً المزاج، المزاج الذي عند الإنسان. كل ذلك يعني ذكره طوائف من أهل الكلام. كل ذلك من القول على الله جل وعلا بغير علم. ما هو الدليل على هذا؟ هل عندكم آية في كتاب الله، أو حديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول: إن الروح هذا، أي يعني: هي البدن، أو هي صفة من صفات البدن، أو جزء من البدن؟ لا دليل معهم. ولذلك هذا من القول على الله جل وعلا بغير علم. والواجب الوقوف، وعدم القول على الله جل وعلا بغير علم. وإنما يذكر ما جاء في نصوص الكتاب والسنة مما يتعلق بأوصاف وصفت بها الروح. أما غير ذلك، فلا دليل عندنا، لا من الكتاب، ولا من السنة. والأمر هذا لا دخل للعقل فيه، لا دخل للعقل فيه، ولا للرؤى. لا يقول أحد: والله رأيت رؤية في المنام، وهذه الرؤية حاصلة أن الروح كذا وكذا، فإذا أن الروح هي كذا وكذا. نقول: لا، لا دخل للعقل، ولا دخل للمنامات، ولا دخل للرؤى. وإنما الأمر لا بد فيه من دليل من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا كان قولاً على الله جل وعلا بغير علم. قال رحمه الله تعالى: "ومنهم طوائف من أهل الفلسفة". طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود. فقالوا: "لا هي داخل البدن". يعني: الآن طوائف من أهل الفلسفة، بماذا وصفوا الروح؟ قالوا: الروح لا هي داخل البدن، ولا خارجه. يعني: لا داخل البدن، ولا خارج البدن، ولا مداخلة له أي للبدن، ولا مباينة له، يعني: ليست منفصلة عن البدن، ولا متحركة، هذه الروح، يعني: لا تتحرك، ولا هي ساكنة، لا ساكنة ولا متحركة، لا داخل البدن ولا خارج البدن. نعم. ولا هي يعني ملتصقة بالبدن، ولا هي كذلك منفصلة عن البدن، ولا تصعد ولا تهبط. نعم. لا تصعد ولا تهبط. قالوا: ولا هي جسم ولا عرض. لا جسم ولا عرض. يعني: جسم من الأجسام، والعرض من الأعراض الذي يقوم بالأجسام. قال: "وقد يقولون: أنها لا داخل العالم ولا خارجه". الروح لا هي داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا مباينة له، يعني: ولا مباينة للعالم، يعني: منفصلة عن هذا العالم، ولا مداخلة، يعني: مداخلة في هذا العالم وملتصق به. نعم. قال: "كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود". يعني: هؤلاء الفلاسفة، كما وصفوا الله جل وعلا بهذا الوصف. لأنه كما تقدم معنا أن الفلاسفة يصفون الله جل وعلا بهذه الصفات، وهي صفات نفي وسلب. فيقولون: الله جل وعلا لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا حي، ولا ميت، ولا مباين، ولا كذلك يعني مداخل، ولا ولا ولا ولا ولا ولا، إلى آخر ذلك من صفات النفي والسلب. فعطلوا الله جل وعلا عن الوجود اللائق به سبحانه وتعالى. وهذا من أعظم التعطيل لرب العالمين سبحانه وتعالى. وهكذا قالوا في الروح: لا هي حية ولا ميتة، لا ساكنة ولا متحركة، لا تصعد ولا تهبط، ولا داخل العالم، ولا خارج، ولا كذا، ولا كذا. فقالوا في الروح: النقيضين. قالوا في الروح النقيضين، كما قالوا في الله جل وعلا، كذلك النقيضين. يعني: الأوصاف المتضادة، الأوصاف المتضادة، والتي يناقض بعضها بعضاً. قال رحمه الله تعالى: "فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة، قالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها". يعني: إذا قيل لهؤلاء الفلاسفة: كيف هذا؟ هذا غير معقول يا جماعة. قولكم هذا غير معقول. كيف الروح هذه لا ساكنة ولا متحركة، ولا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا تهبط، ولا تصعد، ولا ولا ولا؟ هذا غير معقول يا جماعة، هذا غير معقول ضرورة. ضرورة العقل تمنع هذا، يعني: أن يكون هذا الوصف للروح. فماذا يقولون؟ وما هي شبهتهم؟ يقولون: هذا ممكن، هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وغير مشار إليها. ما مرادهم بالكليات، وأنها يمكن أن تكون موجودة، وهي أشياء غير مشار إليها؟ مثلاً: الإنسانية. يعني: الإنسانية، الإنسانية يدخل فيها جميع الناس، يدخل فيها جميع أفراد الناس. الإنسانية تتضمن جميع أفراد الناس. يقال: إنسانية. حيوانية. حيوانية تتضمن جميع أفراد الحيوانات، يدخل فيها الأسد، والكلب، والقط، والنمر، وإلى آخر الحيوانات. فيقال: حيوانية. فمثلاً يقول: الإنسانية هذه، الإنسانية ممكنة، ولا غير ممكنة؟ نقول: نعم، إنسانية ممكنة. والحيوانية ممكنة، ولا غير ممكنة؟ نقول: ممكنة. الحيوانية نعم، يعني: شيء نعم يسمى إنسانية، وشيء يسمى يعني حيوانية. فيقولون: هل شيء يشار إليه، ويقال: هذه هي الإنسانية، وهذه هي الحيوانية؟ شيء يشار إليه؟ نعم. هل للإنسانية أوصاف تتصف بها؟ هل هي على شكل معين، هذه الإنسانية، حتى نقول: الإنسانية هي شكلها كذا، وصفتها كذا، والحيوانية كذلك؟ نعم. وهذا نحن نقول فيها في الروح كذلك. نقول في الروح: الروح ممكن أن ماذا؟ أن يكون يعني موصوفاً بهذه الأوصاف، ولو لم يكن ماذا؟ ولو لم يكن مشاراً إليه، ولو لم يكن مشاراً إليه. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، قال: "وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال يمكن وجودها" - لا يمكن، نعم، ولعل قراءته في بداية الدرس "يمكن"، والصواب: "لا يمكن" - "لا يمكن وجودها في الخارج، كان يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما، مع أن هذا ممتنع". مع أن هذا ممتنع. نقول لهم: هذه الكليات التي تزعمون أنها ممكنة، هي ممكنة في الأذهان، هي ممكنة في الأذهان، ليست ممكنة في الواقع، ليست ممكنة في الواقع. يعني: الإنسانية، يعني: ممكنة في الأذهان، غير ممكنة في الواقع. يعني: أن تكون مثلاً على كيفية معينة. لأن الإنسانية إنما يراد بها أفراد الناس، والحيوانية أفراد الحيوانات. فهذا ممكن في الذهن، ممكن أن يفرض الذهن إنسانية على كيفية معينة في الذهن. لكن هل هذه الكيفية للإنسانية والحيوانية التي في الذهن، هل لها كيفية معينة في الواقع؟ المشاهد؟ الجواب: لا. فإذن هذه الكليات التي تكون في الأذهان، تكون ممكنة في الأذهان، لكن غير ممكنة في الواقع. نضرب أمثلة على هذا: الذهن، مثلا، يفرض أشياء. مثلا: الذهن يفرض مثلاً أن السماء تحتها بحر، نعم، وتحت البحر جبال، طيب، وتحت الجبال حيوانات، وتحت الحيوانات رمال، وتحت الرمال مثلاً نار، وتحت النار عسل، وتحت العسل لبن، وتحت كذا وكذا. هذا ممكن أن يتخيله الذهن، الذهن موجود. طيب: سماء تحت نار، طيب، لبن، عسل، رمال، بشر. في الذهن كل ما شئت ممكن في الأذهان، أن يفرض الذهن أشياء. لكن هل هذا واقع؟ هل هذا الذي يفرضه الذهن، يعني مشاهدة الواقع؟ لا، ما يمكن يكون هذا في الواقع: سماء، وتحتها يعني بحر، وتحته رمل، وتحته عسل، وتحته كذا وكذا وكذا. وهكذا مثلاً: الذهن ممكن أن يفرض مثلاً أن رجلاً يأكل النار. تخيل الآن في ذهنك رجلاً يأكل النار. ممكن، ولا غير ممكن في الذهن؟ ممكن، ممكن، ممكن، يأكل النار، ولا يشرم حتى البحر. هذا كله، حتى البحر، هذا يشربه كله. ممكن في الأذهان. نعم. تخيل الرجل يشرب البحر، هذا يشرب، يشرب، يشرب، يشرب، سبحان الله، والبحر يقل، والرجل يشرب. نعم، ربما انتهى البحر. هذا ممكن في الأذهان، يعني ممكن كل شيء. لكن هل في الواقع هذا؟ رجل يشرب، يأتي إلى البحر ويشرب، ويشرب؟ لا يمكن هذا. فإذا هؤلاء يعني قالوا: الكليات ممكنة. نعم. ولذلك الروح كذلك ممكن أن تكون يعني لا تصعد، ولا تهبط، ولا هي داخل العالم، ولا خارج، ولا تتحرك، ولا متحركة، ولا ساكنة، ولا ولا ولا ولا ولا. ولذلك نقول: هذا في أذهانكم. هذه الكيفية لهذه الكليات في أذهانكم. أما في الواقع، فلا وجود لهذه الكيفيات، لا وجود لهذه الكيفيات في الواقع. لأن الذهن، كما سمعتم، يعني لا يستبعد أي شيء: رجل يطير في الهوى، رجل يسير في الماء، رجل يفعل كذا وكذا. حتى مثلاً في الذهن يمكن أن يكون الرجل له عشرة عيون. تخيل الآن في ذهنك رجلاً له عشرة عيون، وله أربعة وجوه، وله خمسة عشرة رجلاً، وله ستون يداً، وله خمسون أذناً، وله وله وله. ممكن، ممكن، كل شيء. لكن في الواقع، هل ممكن يكون رجلاً موجوداً بهذه الصفة؟ هذا لا يمكن. هذا شيء غير موجود في الواقع. فنقول: الكليات الممكنة في الأذهان، يعني: ليس معنى ذلك هي موجودة في الواقع. لأن الذهن قد يفرض أشياء. بعض الناس مثلاً، وهذا مما ينبغي، يعني: أن يقطعه الإنسان، مما ينبغي أن يقطعه الإنسان من ذهنه. بعض الناس ربما يتخيل كيفية لصفات الرب سبحانه وتعالى، كيفية لصفات الرب جل وعلا. نعم. فهل هذا اللي تخيله في ذهنه هو موجود في الواقع؟ يعني: هذه الصفة اللي تخيلها في ذهنه، هل هي الصفة الحقيقية الثابتة لله عز وجل؟ الجواب: لا، لا يمكن. مهما فرض الذهن كيفية لصفة من صفات رب العالمين، فاعلم أن هذه الكيفية باطلة، لا وجود لها، وليست هي الصفة الثابتة لله سبحانه وتعالى. فإذا كذلك، نعم، ينبغي أن تعلم أن الكيفيات والكليات التي تفرضها الأذهان، يعني: تكون هذه ممكنة في الأذهان، لا غير ممكنة في الواقع، إلا إذا دل الواقع على وجودها، إلا إذا دل الواقع على وجودها بهذه الكيفية. تخيلت مثلاً كيفية لحيوان معين، وكان على هذه الكيفية، وكان على هذه الكيفية. نقول: نعم، الكيفية التي في ذهنك هذه كيفية صحيحة. لماذا حكمنا عليه بالصحة؟ لأننا فعلا رأينا في الواقع، نعم، ما يدل على هذه الكيفية التي، ماذا يعني؟ فرضها عليك الذهن بهذه الصفة وبهذه الصورة. أما أن يفرض عليك الذهن كليات وأمورا، يعني: وغير حاصلة في الواقع، فهذا باطل. فهل يعني نجد في الشاهد هذه الأوصاف التي ظنها هؤلاء في الروح؟ نقول لهم: هذا الواقع، يعني: الحكم بيننا وبينكم، هذا الواقع المشاهد، هو الحكم بيننا وبينكم. بيّنوا لنا هذه الروح التي في هذه الأوصاف. هذا الواقع أمامنا. أنتم تقولون: الروح كذا وكذا وكذا وكذا وكذا. نقول: في أذهانكم. لكن في الواقع، غير ممكن. إذا قالوا: ممكن. نقول: هاتوا، دلونا على هذه الروح التي هذه، حتى نراها. هذه التي لا تصعد ولا تهبط، ولا تهبط، والتي لا تتحرك، ولا يعني، وليست هي في السكون، والتي هي ليست في داخل العالم، وليست هي في خارج العالم، وهي التي ليست كذا، وليست كذا. ما يستطيعون. غير موجودة أصلاً، غير موجودة أصلاً في الواقع. فإذا ما أتوا به من شبهة، في أن الروح ممكن أن تتصف بهذه الأوصاف، لأن الكليات ممكنة أن تكون، مع أنها شيء غير مشار إليه، فالجواب على هذا، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذه الكليات إنما هي ممكنة في الأذهان، لا في الأعيان، يعني: في الواقع المشاهد. فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال، لا يمكن وجودها في الخارج، كان يتخيل ارتفاع النقيضين، يتخيل ارتفاع النقيضين. ممكن الإنسان يتخيل يعني لشيء في ذهنه أنه غير متحرك، ولا ساكن، ولا حي، ولا ميت، وهكذا إلى غير ذلك من هذه النقائض. لكن هل هذا في الواقع يمكن أن يكون شيء لا متحرك، ولا ساكن، ولا حي، ولا ميت، ولا موجود، ولا معدوم؟ لا يمكن أن يكون هذا في الواقع، وإن كان ممكناً في الأذهان. وهكذا ممكن اجتماع النقيضين في الذهن، أن الشيء يكون موجوداً ومعدوماً، ومتحركاً وساكناً، وحياً وميتاً، وهكذا قائماً وقاعداً، ومتكلماً وصامتاً، إلى غير ذلك من هذه النقائض. يمكن أن تجتمع، يعني: تتخيل في الأذهان. لكن هل في الواقع شيء موجود، يكون متحركاً وساكناً، وموجوداً ومعدوماً، وحياً وميتاً، وقائماً وقاعداً؟ أبداً، لا يمكن يكون ذلك موجوداً في الواقع. ومن قال: هذا موجود في الواقع، فعليه بالبرهان، وعليه بالدليل على أن هذا الشيء موجود. ويقال كذلك في الروح: فإن الروح يعني لها أوصاف، كما جاء في كتاب السنة. أما هذه الأوصاف، فهذه أوصاف لشيء معدوم، وليس لشيء موجود في الواقع. وإن كان على هذا التفسير، يعني: يكون موجوداً في الأذهان، لكن لا يكون موجوداً في الواقع. فإن هذا ممتنع. قال: "واعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير، وله سببان". سبب اضطراب هؤلاء المتكلمين والفلاسفة فيما يتعلق بالروح، وقالوا هذه الأقوال، له سببان. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، ولعلنا نترك هذا في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.