التعليقات على كتاب الأدب المفرد 222

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 222، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح الأحاديث النبوية المتعلقة بالمغفرة

شرح حديثين نبويين رواهما الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد، يتعلقان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمغفرة. وتوضيح سلسلة الرواة وتصحيح صحة الحديث رغم وجود راوٍ مدلس.

دعاء النبي قبل التسليم من الصلاة وطلب المغفرة

شرح دعاءً للنبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله قبل التسليم من الصلاة، ويتضمن طلب المغفرة من الله عز وجل عن مختلف الأخطاء والذنوب. ويوضح معاني الألفاظ الواردة في الدعاء وتحذيرات النبي من الكذب حتى على سبيل المزاح.

معاني استغفار النبي وتوضيح مقاصده

استغفار النبي عليه الصلاة والسلام يحمل على معانٍ منها تعليم الأمة والتواضع وكمال الخضوع لله تعالى. وذكر النووي رحمه الله هذه المعاني في تفسير استغفار النبي في الأحاديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب دعوات النبي صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا محمد بن بشار، وهو الملقب مندار، ومندار معناه كثير العلم، قال حدثنا عبد الملك ابن الصباح، وهو المسمعي أبو محمد الصنعاني، صدوق، قال حدثنا شعبة، هو أمين الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، عن نبي إسحاق، وهو السبيعي، عمر بن عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي مدلس، وهنا قد روى بالعنعنة عن ابن أبي موسى، ومع ذلك في الحديث صحيح. فكيف صح الحديث مع تدليس أبي إسحاق؟ كيف نعرف هذا؟ أنه صرح في موضع آخر، أو أن العنعنة هنا محمولة على السماع، مع أنه مدلس. كيف عرفنا هذا؟ شيء آخر. نعم، لأن الراوي عنه شعبة، وشعبة قد قال: كفيتكم تدليس ثلاثة، منهم أبو إسحاق السبيعي، وقتادة، والأعمش. قال شعبة: كفيتكم تدليس ثلاثة، أبو إسحاق، وقتادة، والأعمش، فإذا روى شعبة عن هؤلاء الثلاثة، فعنعنتهم محمولة على السماع. قال عن ابن أبي موسى، وهو أبو بردة، كما جاء في رواية أخرى أنه أبو بردة، وأبو بردة اسمه عامر، وقيل الحارث، وهو ثقة، قال عن أبيه، وهو أبو موسى الأشعري، وما اسمه؟ عبد الله بن قيس، عبد الله بن قيس الأشعري، وهو من اليمن، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطأي كله، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير». والحديث صحيح، هو في الصحيحين. قالوا حدثنا ابن المثنى، وهو محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، وهو المشهور بالزمن، ثقة ثبت، قال حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، وهو الحنفي أبو علي البصري، وهو صدوق، قال حدثنا إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق، قال الحافظ: ثقة، تكلم فيه بلا حجة. قال حدثنا أبو إسحاق، ما اسمه؟ أبو إسحاق عمر بن عبد الله، الآن ذكرناها قليلًا في السنة الأولى، أبو إسحاق السبيعي عمر بن عبد الله، قال عن أبي بكر بن أبي موسى، وهو ابن أبي موسى، أخو أبي بردة، ومختلف في اسمه، قيل عمر، قيل عامر، ومشهور بكنيته، وهو ثقة، قال عن أبي بكر بن أبي موسى وأبي بردة، أحسبه عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي». والحديث صحيح. وهذا الحديث فيه دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء بعض ألفاظ هذا الحديث الصحيح كذلك من حديث علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك قبل التسليم من الصلاة، يعني في آخر أدعيته بعد التشهد وقبل السلام: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي»، والجاهل ضد العلم، والمراد ما يقع مني عن جهل، وكذلك أيضًا عن غير علم، فأنت تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك ذلك جميع تقصيراتك، وهكذا أيضًا ما صدر عنك عن جهل من غير علم، فتسأل من الله عز وجل أن يغفره لك، والمغفرة والستر والتجاوز، أي أن يستر الله عز وجل ما حصل منك ويتجاوز عنك. «وإسرافي في أمري كله»، والإسراف أي مجاوزة الحد، مجاوزة الحد في أمري كله يشمل ما كان من أقوال وأفعال، ما حصل منك من قول أو فعل فيه مجاوزة للحد، فإنك تستغفر وتستغفر الله عز وجل من ذلك. قال: «وما أنت أعلم به مني»، كذلك تستغفر مما قد يصدر منك وأنت لا تنتبه لخطأ ما صدر منك، أو كذلك ما ربما يصدر منك وأنت في غفلة أو نسيان عنه، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، فتسأل من الله عز وجل كذلك أن يغفر لك ذلك، ما علم جل وعلا مما لم تعلمه. «اللهم اغفر لي خطأي كله»، تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك خطأك كله، والإنسان بشر معرض للخطأ ومعرض للذنب، فهو غير معصوم، لكن الواجب أنه يبادر بالتوبة والإقلاع عن الذنب والاستغفار، فهذا الذي يجب عليه، مهما بلغه في الكمال في العبادة والتقوى، فهو معرض للزلل ومعرض للخطأ، لكن يجب عليه التوبة والإنابة والاستغفار والأعمال الصالحة، فتستغفر الله عز وجل من جميع خطاياك. «وعمدي وجهلي وهزلي وعمدي»، يعني ما صدر مني عن عمد وقصد، فإنك كذلك تستغفر الله عز وجل من ذلك، وهكذا أيضًا ما صدر منك عن جهل، كما مر، أي من غير علم، قد يعمل الإنسان المعصية والذنب والخطأ عن جهل، يجهل أن هذا محرم وأنه لا يجوز فعله، فيفعله جاهلًا، فأنت كذلك تستغفر الله عز وجل من مثل ذلك. قال: «وهزلي»، يعني ما صدر منك من باب الهزل والمزاح، والهزل والمزاح قد يتكلم الإنسان بالكلمة ويفعل الفعل وهو قاصد له، لكن على وجه الهزل والمزاح، على وجه الهزل والمزاح يكون ذلك على وجه الخفة والطرافة كما يقال، فإذا كان فيه مخاطبة شرعية، فإن الإنسان مؤاخذ به، وإن كان كذلك على سبيل الهزل وعلى سبيل المزاح، فلو كذب من باب المزاح فهو آثم، فهو آثم، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك: «ويل لمن كذب ليضحك الناس، ويل له، ثم ويل له»، فلا يجوز للإنسان أن يرتكب المحرم على سبيل الهزل، فإنه سيؤاخذ به. وإذا أراد أن يمازح، يمازح من غير كذب ومخالفة شرعية، من غير مخالفة شرعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح، ومع ذلك لا يقول إلا حقًا عليه الصلاة والسلام. قال: «وكل ذلك عندي»، وفي الرواية الأخرى: «اللهم اغفر لي هزلي وجدي»، والجد ضد الهزل، الهزل ما صدر على سبيل الخفة والاضطراب، والجد ما صدر على سبيل الرزانة، يعني وهو برزانته ورجاحة عقله، فيفعل هذا الفعل، فكل ذلك مما يصدر من الإنسان، سواء كان على سبيل الهزل أو الجد، فإنه كذلك يستغفر الله عز وجل مما يصدر منه. قال: «وكل ذلك عندي»، أي مما قد يكون عندي من خطأ أو عمد أو جهل أو هزل، فإني أستغفر الله سبحانه وتعالى من ذلك. «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت»، فهنا سؤال المغفرة مما قد تقدم، وما أخرت، أي ما سيصدر مني في المستقبل، فأنت تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك ما صدر منك وما سيصدر منك في المستقبل، فالله سبحانه وتعالى يعلمه. فالله عز وجل خلق العباد وأفعالهم، وهو جل وعلا قد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فالله عز وجل يعلم ما سيصدر منك وما ستفعله، فأنت تستغفر الله عز وجل من جميع ما قد صدر منك وما سيصدر منك: «ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت»، كذلك ما صدر منك في السر والخفاء، فإنك تستغفر الله عز وجل من ذلك، ما صدر منك على سبيل السر والاختفاء عن أعين الناس، وما صدر منك على سبيل العلانية، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فكل ما يصدر منك من قول أو فعل في السر، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، وهكذا كذلك ما يصدر منك على نية، فالله سبحانه وتعالى يعلمه، فأنت تستغفر الله عز وجل من ذلك. «أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير»، وهذا ثناء بعد الاستغفار، فالله سبحانه وتعالى هو المقدم والمؤخر، فيقدم جل وعلا من شاء ويؤخر من شاء، فيرفع جل وعلا من شاء ويضع من شاء، فالأمر بيده سبحانه وتعالى، وهو جل وعلا على كل شيء قدير، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن فيكون». فهذا الدعاء كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو كما سمعنا شامل لمغفرة التقصيرات والذنوب وما صدر من ذلك على سبيل العمد أو الخطأ أو الهزل أو الجد، فإنك تستغفر الله عز وجل من ذلك كله. طيب، علمنا أن العبد يحتاج إلى التوبة والمغفرة لأنه بشر معرض للزلل والخطأ والذنب، فكيف النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر من الخطايا والذنوب، وهو معصوم؟ نعم، من باب تعليم الأمة، يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام تعليمًا لأمته حتى يتعلموا مثل هذه الأدعية، فيدعوا بها لحاجتهم إليها، وقيل أيضًا: نعم، من باب التواضع، من تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه يستغفر الله عز وجل بمثل هذا الدعاء. وقيل أيضًا: من باب كذلك بيان كمال تذلله وخضوعه لله سبحانه وتعالى، كمال خضوعه وتذلله لربه سبحانه وتعالى. قال علماء، ذكر هذا النووي رحمه الله، أن استغفار النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الأحاديث يحمل على أحد هذه المعاني، إما أنه من باب تعليم الأمة، أو من باب التواضع، أو أنه عليه الصلاة والسلام أراد بذلك أن يؤدي كمال الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم.