التعليق على كتاب الوصية الكبرى 23

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب الافتراق ووجوب الاعتصام بالكتاب والسنة

يشرح المقطع موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من وحدة الأمة ووجوب التمسك بالكتاب والسنة، مبينًا أن الجهل والغلو في الأشخاص من أبرز أسباب الفرقة، وأن معيار الولاء والبراء يجب أن يكون موافقة الشرع لا الهوى، محذرًا من تكفير أو تبديع المخالفين بغير برهان.

معيار الجرح والتعديل وموقف العلماء من الطعون الباطلة

يؤكد المقطع أن الميزان في قبول الجرح أو رده هو موافقة الكتاب والسنة، لا مجرد أقوال الناس، ويسوق أمثلة تاريخية كاتهام الشافعي بالتشيع وجرح ابن أبي ذئب لمالك، مبينًا أن العلماء الراسخين هم من يحكمون بالبينة، وأن الشهرة بالاستقامة على السنة تعدل عن شهادة الآحاد.

ضوابط الحكم على المخطئ وخطر الغلو في الأشخاص

يبيّن المقطع أن الخطأ لا يُخرج صاحبه من دائرة الإسلام أو السنة إلا بعد إقامة الحجة الشرعية وإصراره على المخالفة، مستدلاً بقول النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء»، وبعفو الله عن الخطأ والنسيان، ويحذر من الغلو في اتباع الأشخاص الذي يؤدي إلى تكفير المخالف أو تبديعه بغير حق.

تعريف السني بأنه الموافق للكتاب والسنة وخاتمة الدرس

يؤكد المقطع أن لقب "سني" لا يُطلق على من يخالف الكتاب والسنة، بل يُخصّ من يوافقهما، مستشهداً بقول الحافظ ابن رجب، ويختتم بالدعاء بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. بعد، مازلنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وقد ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على معنى الولاية الحقيقية، لا كما يعتقده بعض الطوائف. وأيضًا ذكر الأدلة على ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وأن المؤمنين ينبغي عليهم أن يتمسكوا بما أمر الله عز وجل في كتابه، وبما أمر به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يسلموا كذلك، وأن يكونوا إخوة متعاونين متحابين متآلفين على الخير، وعلى الكتاب والسنة. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أن الله عز وجل أمر بالائتلاف ونهى عن الافتراق والاختلاف، فقال -رحمه الله تعالى-: «وأمثال هذه النصوص في كتاب الله والسنة كثيرة، قد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه في كتابه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. ففي الآية الأولى: أمر بالاعتصام بحبل الله عز وجل، وهو القرآن والسنة كذلك، ونهى سبحانه عن الافتراق. وفي الآية الثانية: ذم المفترقين الذين فرقوا دينهم فكانوا شيعًا، وأخبر أنهم ليسوا منه، أي من النبي -عليه الصلاة والسلام- في شيء: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يتبرأ من هؤلاء الذين جعلوا الدين شيعًا وأحزابًا. فينبغي على المسلم أن يعتصم بكتاب الله، وبسنة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وأن يكون مع أهل الحق ومع الجماعة». قال: «فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله؟ وقد برأ الله نبيه ممن كان هكذا، برأ الله نبيه بقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، أي ليسوا من أهل السنة، أولئك الذين يفرقون الناس، ويدعون الناس بأفعالهم إلى الافتراق وإلى الاختلاف. برأ الله عز وجل نبيه من هذا، أو منهم. وهذا فعل أهل البدع، كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم». إذن، المفترقون هذا شأنهم: يفارقون جماعة المسلمين أولاً، ثم يظهرون العجائب والغرائب. ومن ذلك أنهم أظهروا الأمور المنكرة الشنيعة في عباد الله المؤمنين، حيث استحلوا دماءهم، واستحلوا كذلك الطعن فيهم في أعراضهم. فهذا شأن أهل الافتراق، وهذا أندل على شيء، فإنما يدل على جهلهم بما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «وإنما جاء خلاف من خالف لكثرة جهلهم بما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-». وإلا لما كان داعٍ لهؤلاء أن يخالفوا جماعة الحق وأهل السنة والجماعة. لماذا خرجوا عليهم أولاً؟ لجهلهم بما جاء عن الرسول، فهذا سبب من أسباب الافتراق والاختلاف: الجهل. إذا جهل الناس السنة، فإنهم يخرجون بأفعالهم عن أهل السنة والجماعة، ربما يقولون: هذا كذا، وهذا كذا، لأنهم جهلاء بالسنة، ويظنون أن هذا الذي فعله ذاك الفاعل لم يأتِ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أي ليس في الكتاب والسنة، ولهذا يذمونهم ويخرجون عليهم ويخالفونهم، فيكونون سببًا لافتراق الناس. وانظروا إلى الصوفية ما وقعوا فيه من البدع والمخالفات والمحدثات، أكثره وقعوا فيه بسبب الجهل، ومنه ما وقعوا فيه بسبب الغلو. وهذا أيضًا سبب آخر: الغلو في الأشخاص. وقد بيّن هذا شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن هؤلاء الطوائف المنتسبين إلى هذا الشيخ عدي بن مسافر غلوا فيه، وأعطوه منزلة ربيعية لا يستحقها، لا يستحقها، فكان هذا الداعي إلى أنهم يخرجون عن منهج أهل السنة والجماعة في أمثال هؤلاء المشايخ ومن على نحوهم. فانظروا إلى سبب آخر من أسباب الافتراق والاختلاف الذي يخرج به كثير من الناس عن منهج السنة والجماعة، وعن جماعة المسلمين. الله عز وجل أمرنا بالاعتصام، فإذا اعتصمنا بالكتاب والسنة، فإنه لن يكون بيننا خلاف، كما كان حال الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، لما اعتصموا بالكتاب والسنة، وفقهوا الكتاب والسنة، وعملوا بالكتاب والسنة، ليس بينهم اختلاف ولا افتراق، رضوان الله تعالى عليهم. هكذا الاعتصام يؤدي إلى الائتلاف، وكذلك التراحم، وترك التباغض والتحاسد، الذي هو أيضًا أو التي هي من أسباب الافتراق والاختلاف. ولا يجوز لأحد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يفرق الناس، وأنه يوالي رجلًا ويعادي آخر بالظن والهوى، بمجرد الظن والهوى. المسلمون ينبغي عليهم أن يعتصموا جميعًا بكتاب ربهم، وسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-. ومن شذ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «شذ في النار»، الذي خرج عن جماعة المسلمين، شذ عنهم بسبب بدعته أو محدثاته، فهو الذي أراد لنفسه ذلك. قال: «وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه. وإنما الواجب -انظر الواجب- أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويأمر بما أمر الله به ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله». إذن هذا هو الميزان، ينبغي أن يكون عند كل مسلم، الميزان: الكتاب والسنة. الأعمال توزن بالكتاب والسنة، لا بالظن والهوى والتشهي. هذا فلان ما وافقني، إذن فهو حزبي! لماذا حزبي؟ لأنه ما وافقني على الغلط الذي أنا أقوله. هذا خطأ، ومن أنت حتى يوافقك الناس؟ ينبغي أن يوزن الأشخاص بالكتاب والسنة. هذا عامل بالكتاب والسنة، جزاه الله خيرًا، يحب من أحبه الله، ويقدم من قدمه الله، ويؤخر من أخره الله، على حسب الأوصاف، حسب الأوصاف التي جاءت في الكتاب والسنة. هل هذا عامل بهذه الأوصاف أم ليس بعامل؟ حتى نقول أنه من أهل السنة، وأننا نحبه ونجله ونقدره، أم هو كذلك مخالف للكتاب والسنة، حتى يبعد، حتى ماذا يقوم فيه الولاء والبراء؟ فغاب هذا الميزان عند كثير من الناس، والله المستعان. قال: «وأن يكون المسلمون يدًا واحدة». فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس أن يضلل غيره ويكفره؟ انظروا كلام هذا العالم الجليل: قال: «الواجب على المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة، يد الله مع الجماعة، كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». فكيف بمن يضلل غيره، يضلل غيره، أو يفسقه، أو يبدعه، أو يكفره، وهذا لا شك أنه بدون بينة ولا برهان؟ وإلا فمن قامت عليه الحجة، قامت عليه البينة، فإنه يبدع، وإنه يفسق، ويعاند، ولا يقيم الحجة إلا من عارف، من عالم، من ورع، من متقٍ لله عز وجل، من أهل العلم. متقون هم حجة الله عز وجل في أرضه على عباده، فهم الذين يقيمون الحجة على المخالفين من أهل الأهواء والبدع، ثم بعد ذلك يحكم عليهم، منهم من يحكم عليهم بأنهم فسقوا، وأنهم ابتدعوا، وأنهم كذلك تحزبوا، وأنهم كفروا، بنصوص من الوحي: الكتاب والسنة، يعلمها الراسخون في العلم، أن هذا الشخص حزبي، وهذا الشخص مبتدع، وهذا الشخص فاسق، لا تقبل أو ترد شهادته. انظروا كيف الميزان. قال: «وقد يكون الصواب معه»، يعني بعض الناس ربما رمى غيره بالحزبية وهو على خلاف ذلك، أو رمى غيره بالبدعة، أو رمى غيره بالفسق والفجور، أو رمى غيره بالتكفير، وهو على خلاف ذلك، أي ذلك المرمى به الذي رمى ذلك الشخص، الصواب معه. لماذا الصواب معه؟ قال: لأنه موافق للكتاب والسنة. الناس ما ينبغي أن ينظروا إلا بماذا؟ بالكتاب والسنة. هذا الذي رمي بهذه الأوصاف من بدعة أو كفر أو فسوق أو نحو ذلك، ننظر في الذي رماه بهذه الأشياء: أهو صادق فيما يقول أم لا؟ نظرنا فوجدنا أن الشخص بريء مما رمي به، فالواجب أننا لا نقبل ذلك الجرح من ذلك الرجل، لماذا؟ لأننا علمنا بيقين قاطع أن هذا الشخص بريء مما رمي به، لماذا؟ لأن أعماله نظرنا فيها فوجدناها موافقة للكتاب والسنة، موافقة للكتاب والسنة. فإذا، قد يكون جرح هذا الجارح، أو قول هذا القائل، أو طعن هذا الطاعن، إما أن يكون بغير بينة ولا برهان، وقد يكون بسبب الحسد، وقد يكون بسبب التمذهب، وقد يكون بسبب العصبية، وغير ذلك من الأسباب التي يعلمها أهل العلم أنها لا تؤثر في الرجل، لا تؤثر في الرجل. انظروا بارك الله فيكم إلى من نسب إلى الشافعي التشيع، نسبوا إلى الشافعي التشيع، قالوا: شيعي، شافعي شيعي. سبحان الله! هذا نسبه للشافعي، حتى أن بعضهم ترك الرواية عن الشافعي، وأخذ العلم عن الشافعي وهو بريء مما نسب إليه، ما جالس هذا الإمام، يعني أخذوا منه القول: هل هو شيعي فعلًا أم لا؟ وإنما رمي بالتشيع، حتى أن يحيى بن معين -رحمه الله تعالى- قال للإمام أحمد لما جاء الشافعي وأقبل، وكان على حمار، فأخذ بلجام الحمار وسار مع الشافعي، فقال ابن معين -رحمه الله تعالى-: «تسير مع هذا؟» وكان قد بلغ يحيى بن معين -ومعروف يحيى بن معين كلامه في الرجال، رحمه الله تعالى- بلغه أن الشافعي يتشيع، يعني في شيء من التشيع، فقال: «تسير مع هذا؟ ما زلت مع هذا تسير». فرد عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «إن كنت تريد العلم فالزم ذنب الدابة، إن كنت تريد العلم فالزم ذنب الدابة». وقد علم الإمام أحمد طعن يحيى بن معين في الشافعي -رحمه الله تعالى-، ما التفت إليه، ما قبله، لأنه عنده علم أن الشافعي بريء من هذه الوصمة، وصمة التشيع. ولما أيضًا كذلك بعض العلماء أنكر على الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ذلك، مجالسته للشافعي -رحمه الله تعالى-، قال: «والله ما علمنا عنه إلا خيرًا، ولا أدري ما يظن»، يعني يذكر بعض العلماء الذين طعنوا في الشافعي -رحمه الله-، ذكر هذا الذهبي -رحمه الله تعالى- في السير في ترجمة الشافعي -رحمه الله تعالى-، قال: «والشافعي بريء من هذا كله، بريء الشافعي -رحمه الله تعالى-». إذن الميزان هو موافقة الكتاب والسنة، ووضع أقوال وأفعال هذا الشخص على الكتاب والسنة، ولا يلتفت بعد ذلك إلى ماذا؟ إلى من تكلم فيه. وقد يبرئه أهل العلم، ويعرفون أن هذا ليس له أساس من الصحة الذي رمي به. وقد تحصل الأشياء بين ماذا؟ بين العلماء، وهذا مذكور في كتب التراجم، ربما يجرح بعضهم بعضًا بما لا يقبل ذلك الجرح، كابن أبي ذئب -رحمه الله تعالى- جرح الإمام مالك وتكلم عنه بسبب حديث ما قال به، مع أنه رواه، مع أنه رواه، قاله: «استتاب مالك، فإن تاب وإلا قتل»، أو قال: «ضربت عنقه»، فيما أظن أنه حديث البيعان بالخيار، هكذا: «البيعان بالخيار». واعتذر العلماء للإمام مالك بأنه ربما رآه منسوخًا، رآه منسوخًا، أو وجد عنده معارض له آخر. فهذا الذي قاله ابن أبي ذئب في الإمام مالك لا شك أنه قول عظيم: «يستتاب، فإن تاب وإلا قتل»، مع أنه رمي كأنه كافر: «استتاب من هذا، فإن تاب وإلا ضربت عنقه». مع ذلك ما قبل أحد، وجعلوا الإمام مالك الإمام مالك، وابن أبي ذئب هو ابن أبي ذئب، فلم يلتفتوا إلى جرح هذا في هذا، وهذا في هذا. قد يكون هذا من باب ماذا؟ جرح الأقران، الذي عنده العلماء الفهم في مثل هذه القواعد. الآن العلماء ينظرون، العلماء ينظرون ويعلمون الأشخاص، فالله عز وجل قد هيأهم لهذا الشأن، ولله الحمد. عندنا علماء كتاب وسنة، علماء جلة، عندهم خبرة بأحوال الرجال، عندهم معرفة بالمناهج المحدثة المستوردة، يعلمون هذا الشخص مستقيم على الكتاب والسنة، وهذا الشخص غير مستقيم بأقواله وفعاله، لا شك أن هذا يشتهر عنه. وكما ذكر الشيخ ربيع -أحفظه الله تعالى- في رده على فالح الحربي، بأن الشخص إذا ثبتت شهرته، شهرته، شهرته، اشتهر بالسلفية، اشتهر بالسلفية، فإن هذه من العدالة بمكان أرفع من أن يعدله واحد واثنان، اشتهر عند الأمة بأنه سلفي، ويدافع عن السنة، فكيف بعد ذلك يأتي من يطعن فيه؟ فإن هذا لا يقبل منه إلا ماذا؟ ببينة أو برهان. وكما قيل: «بجرح مفسر»، والجرح المفسر من عالم، من خبير بأسباب الجرح، خبير وعالم بأسباب الجرح. حتى قال العلماء، كما هو في المصطلح معروف: «قد يجرح ما ليس بجرح، قد يجرح ما ليس عنده جرح، وعنده غيره ليس عند غيره، ليس بجرح». لما أثر ذلك عن شعبة -رحمه الله تعالى-، لما سئل عن صالح المري، ماذا قال؟ قال: «لو ما يفعل بصالح المري». سئل عنه حماد، وذكر عنده حماد، قال: «فامتخط حماد». فامتخط حماد، وهل امتخط حماد يعني أن هذا الرجل كذا وكذا؟ قد قال العلماء: «قد يمتخط لأنه جاءه المخاط في تلك اللحظة، جاءه المخاط في تلك اللحظة». مع أن صالح المري ضعيف، لكن الشاهد من هذا أنه قد يجرح ما ليس بجرح. وترك رواية المنهال بن عمر، وكان شعبة شديدًا في الجرح، لماذا قال؟ «لأني سمعت من بيته صوت طنبور». الصوت، ماذا؟ طنبور، طنبور آلة يضرب بها، من آلات اللهو، صوت طنبور. قالوا: «لعله كان فيه عند الجيران، ليس في بيته، أو قد يكون غائبًا، ليس موجودًا في البيت، وقد يكون، وقد يكون، احتمالات كثيرة ممكن يدفع بها هذا الجرح». ترك الرواية عنه. ترك الرواية عن شخص لأنه كان يركب على بغل، نوع من دواب الركوب، يعني بين الخيل أو بين الفرس، بغل. قال: «لماذا؟ قال: رأيته يركب على بغل». طيب، النبي -صلى الله عليه وسلم- ركب الحمار. قال: «هذا من خوار المروءة». فقد يجرح الجارح ما ليس ماذا؟ ما ليس بجرح. إذن المرجع كله يعود إلى بعد ذلك إلى من؟ يعود إلى أهل النظر وأهل الفقه وأهل العلم وأهل الاستدلال، يعرفون هذا الجرح في مكانه وفي محله، لا، كان في مكانه وفي محله، يدونه، وأقاموا الأدلة والبراهين على تأييده. عندهم غير العلماء، العلماء عندهم غير، على دين الله، فما يرضون بأحد أن يندس في صفوف أهل السنة، صفوف أهل السنة، إلا وكشفوه، وبينوا عورته، مع الحلم، مع الصبر، مع الصبر. فينبغي علينا أن نضع هذه يعني الأمور نصب أعيننا. قال شيخ الإسلام: «فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنة؟» ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، الخطأ يحصل من كل شخص، كل بني آدم خطاء، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون الذين يتوبون من خطائهم ويرجعون». فما يسلم أحد من هذا الخطأ، وزلات الكبار على أقدارهم. قال: «فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا، ليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا، ولا مبدعًا ولا حزبيًا، حتى تقام عليه ماذا؟ الحجة، ويصر ويعاند بعد إقامة الحجة عليه، والأدلة القاطعة من كتاب وسنة، أنه خالف الكتاب والسنة، ومنهج السلف الذي كانوا يسيرون عليه في الاعتقاد والأعمال والسلوك والسير، يعني بين عليه الدلائل، قال: لا، أنا ما أرد لهذا الذي أنا أمشي عليه مخالفة للكتاب والسنة، مع ماذا؟ منهج السلف الصالح. أما مجرد خطأ، مجرد خطأ، فليس كل خطأ يكون به الشخص كافرًا أو فاسقًا أو ماذا؟ أو مبدعًا أو حزبيًا، حتى تقام عليه الحجة ويأبى الرجوع والتوبة إلى الله عز وجل». قال: «بل قد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، بل قد عفى الله عز وجل لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد صح ذلك عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في حديث علي، في حديث ابن عباس -رضي الله عن الجميع-، أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وفي لفظ: "وضع"، وفي لفظ: "رفع"، "وضع" أو "تجاوز" هي الأصح: "تجاوز ووضع عن أمتي محمد -صلى الله عليه وسلم- الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". الخطأ إذا لم يكن عن تعمد، لا يتعمد، ونحن نظن بأهل العلم خيرًا، ينبغي على الطالب، طالب العلم خاصة، والعام كذلك من أهل السنة أو عوام المسلمين، أن يظنوا بأهل العلم خيرًا، أنهم إن أخطأوا لا يكونوا من المتعمدين، لا يكونوا من المتعمدين، فالخطأ وارد عليهم لأنهم ليسوا بمعصومين. والخطأ يقاس، الخطأ ينظر فيه بماذا؟ بمنظار الشرع، ينظر فيه بارك الله فيكم بمنظار الشرع. الخطأ فاحش عظيم بهذا الرجل، بحيث هذا يوقعه في الكفر، أو في البدعة، أو في الكبيرة من كبائر الذنوب، فينظر في هذا الخطأ بالأدلة الشرعية، وهذا يقيمه من له أهلية النظر في ذلك، وهم العلماء. وأيضًا ربنا عز وجل قد قال: "قد فعلت"، في تفسير الآية تلك، أو في الآية التي في البقرة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "قال الله: قد فعلت". ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فإذن يحصل من المسلم الخطأ، والله عز وجل قد عفى عن عباده الذين يخطئون بماذا؟ بقوله: "قد فعلت". لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، بماذا؟ بشرط التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فالمخطئ لابد له أن يرجع، ما يصر ويعاند على ماذا؟ على خطائه، ولا يتمادى. وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثلاً يكون مثلكم على ماذا؟ بالشافعي، يخاطب هؤلاء أتباع عدي بن مسافر، يقول: «هناك من يوافقكم في أخص من الإسلام، هو السنة، هو السنة»، قاله منتسبًا إلى الشيخ عدي. ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، وربما كان الصواب معه. فكيف يستحل عرضه أو دمه أو ماله، مع ما ذكره الله من الحقوق للمسلم والمؤمن؟ وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لأصل لا في كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟». يعني في هذا الكلام -رحمه الله- أن هؤلاء المنتسبين إلى بعض المشايخ قد يتجاوز بهم الحد، بأن يضللوا غيرهم، أو يفسقوا غيرهم، أو يبدعوا غيرهم، أو يستحلوا أعراضهم والكلام فيهم ودماءهم، قد يصلوا بهم إلى هذا، أو يستحلوا أموالهم. وهذا كله كما ذكرنا سابقًا بسبب ماذا؟ الغلو في هذا الشخص، هو الذي أدى بهم إلى هذا. ربما ما يقبلون قول أحد فيه، فإذا جرحه الجارحون وتكلموا فيه، قالوا: «ما نقبل، ما نقبل كلام هؤلاء في هذا، هذا شيخنا، وهذا إمامنا، وهذا حجتنا». وهذا خطأ، وهذا خطأ. فإنه ينبغي أن يقبل الحق، الحق ينبغي أن يقبل من أهل العلم الراسخين، ولا ينبغي أن يكون هناك في النفوس، في النفوس مثل هذه الأشياء، مثل هذا الغلو في هذا، ماذا؟ في هذا الشخص، بحيث لا يقبل فيه قول أحد، أو يجعل قوله هو الحجة، أو يجعل قوله الحجة، وإنما الحجة كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأيضًا لا يجوز تفريق الأمة بهذه الأسماء المبتدعة التي قد، التي قد يحدثها بعض الناس، بعض الناس قد يحدثون أسماء هذه المبتدعة فيفرقون بها الأمة، فيقولون: «هذا وهابي، هذا وهابي، هذا وهابي، هذا كذا، هذا كذا». هذا ما يجوز، تفريق الأمة إلى الشيعة، وإلى أحزاب، وإلى أشخاص. فالله عز وجل سمانا المسلمين، وسمى أيضًا عباده المؤمنين، وأيضًا النسبة الأخرى التي هي في السنة: السلف، السلفية، وأهل السنة والجماعة، هذه النسبة المحمودة التي ينبغي لكل مسلم أن ينتسب تحتها. السنة، فيقال: فلان من أهل السنة والجماعة، أي متبع للكتاب والسنة على فهم السلف الصالح. فلا يقال: سني مع مخالفة الكتاب والسنة، وإنما يقال: سني للموافق للكتاب والسنة، كما قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم بما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين.