التعليق على كتاب الوصية الصغرى 2

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الوصية الصغرى لابن تيمية وأسسها في تقوى الله وحقوق العباد

يتناول الدرس الوصية الصغرى التي وجهها شيخ الإسلام ابن تيمية لأبي القاسم المغربي مستنداً إلى حديث معاذ بن جبل الجامع لحقوق الله وحقوق العباد. يشرح المحور فضائل معاذ بن جبل ومنزلته العلمية ووصية النبي له عند بعثه إلى اليمن بتقوى الله وحسن الخلق وأداء الحقوق مع الاعتراف بالنقص والحاجة للتوبة.

معنى تقوى الله في السر والعلانية واتباع السيئة الحسنة

يفسر المحور التقوى بأنها فعل الأوامر وترك النواهي في كل الأحوال سراً وعلانية مستدلاً بوصية النبي ﷺ لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت». كما يبين الوصية الثانية «واتبع السيئة الحسنة تمحها» مبيناً أن الحسنات تمحو السيئات ومن أعظمها التوبة النصوح مع ذكر المكفرات من الصلوات والوضوء والصيام والصدقة.

تكفير الصلوات والجمعة ورمضان والعمرة للذنوب الصغائر

يذكر المحور الحديث الوارد في تكفير الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة لما بينها من الذنوب الصغائر بشرط اجتناب الكبائر. ويختتم الدرس بالدعاء بالتوفيق للأعمال الصالحة والخيرات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد تكلمنا في الدرس السابق عن الوصية الصغرى، وهذه الوصية إنما هي سؤال من رجل سأل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يوصيه بوصية تكون فيها صلاحا لدينه ودنياه. فمن هو هذا الرجل؟ من هو هذا الرجل الذي سأل شيخ الإسلام؟ عبرت معنا: من هذا الرجل؟ هو أبو القاسم المغربي. وبماذا أوصاه شيخ الإسلام؟ بماذا أوصاه شيخ الإسلام؟ أي وصية أوصاه؟ أنت إذا أوصيت واحدا بماذا توصيه؟ وصية الله للأولين والآخرين: تقوى الله عز وجل، تقوى الله. وذكر له حديث معاذ، ما هو حديث معاذ الذي ذكره له وهو أساس هذه الوصية؟ حديث معاذ استمل على ثلاث أمور وهو أساس هذه الوصية. ما هو حديث معاذ؟ لا، بل: اتق الله حيثما كنت، اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. هذا الحديث هو أساس هذه الوصية، وصية شيخ الإسلام. فإن هذا الحديث فيه أي: شمل حقوق الله وحقوق عباده. فإن حقوق الله عز وجل تتمثل في أمرين: في تقوى الله سبحانه وتعالى التي هي فعل أوامره واجتناب نواهيه. اتق الله. وقد تقدم الكلام على مسألة التقوى، والآيات التي ذكرت في القرآن التي فيها الأمر بالتقوى والحث على التقوى؛ لأنها جماع الأمر. وأيضا كلام السلف على التقوى، تعاريف التقوى. من ذلك قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قال: أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى. وأكذا قول طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. هذه من تعاريف التقوى. وما ذكر عن علي رضي الله تعالى عنه في تعريف التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وسأل رجل أبا هريرة عن التقوى، فماذا أجابه؟ قال له: هل أخذت في طريق ذا شوك؟ قال: نعم. فكيف تفعل؟ قال: كيف تفعل؟ قال: أجتنب، أجتنب. عندما يأتي في طريق فيه شوك يجتنب الشوك. قال: فتلك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى هذه تعريف سلف للتقوى. وذكرنا آية عظيمة فيها صفات التقوى من سورة آل عمران. ما هي هذه الآية التي فيها صفات المتقين من سورة آل عمران؟ من يذكرها؟ الآية هي: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. هذه الصفات من؟ صفات المتقين. ينبغي أن نركز في الآيات التي فيها صفات أهل التقوى؛ لأن التقوى شيء عظيم ينبغي أن يتزود منه المسلم. فما أمر الله عز وجل بالتزود مثل ما أمر بالتزود من التقوى؛ فهي خير ما يتزود منه. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. تزودوا، خير زاد يلقى به العبد ربه يوم القيامة هي التقوى. لأن الدنيا هذه دار، دار سفر. فأنت أيها المسافر إذا تريد أن تسافر، أليس تتزود؟ تريد أن تذهب إلى مكان بعيد، ألا تأخذ معك ثيابك وتأخذ معك المال لتتزود به في الطريق؟ وربما حملت معك الماء وغير ذلك مما يعينك في السفر. فكيف وأنت مسافر إلى دار كبيرة عظيمة تخلد فيها هي الدار الآخرة؟ ما هي إلا هذه مرحلة، دار ممر، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». حديث ابن عمر في البخاري: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». لا تؤمل البقاء والخلود في الدنيا، فما أحد مخلد في الدنيا وباقٍ في الدنيا. بل لها يوم يأتي عليها يوم القيامة بما وعد الله سبحانه وتعالى، وينتقل الناس إلى الدار الأخرى، الدار الآخرة التي هي خير وأبقى. ﴿وَلِلْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. فإذا الوصية عظيمة، شيخ الإسلام ذكر له هذه الوصية، يقول: ما رأيت أنفع منها وأجل منها وأعظم منها، إذ وصى بها ربنا جل وعلا، ووصى بها رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأنت إذا أوصيت شخصا ينبغي أن توصيه بتقوى الله عز وجل. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكان معاذ رضي الله تعالى عنه... وهذا الكتاب موجود، الوصية الصغرى. أنا أحثكم على شرائه، أنا أحثكم على شرائه. لماذا؟ لأنكم ستستفيدون منه، ستستفيدون منه مثل هذه الوصايا، الوصايا، الوصايا النافعة. والله لو جلس واحد منه يقرأه على أهله لكان فيه خير. وصايا عظيمة، وصية كبرى ثم تليها وصية صغرى. حتى ما تذهب علينا ماذا؟ هذه الفوائد والنصائح والتوجيهات من مثل هذا الإمام الكبير العظيم رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام بن تيمية، والذي هو معروف بين أهل السنة والجماعة من أئمة أهل السنة والجماعة. فينبغي أن نعتني بكتبه رحمه الله تعالى وبوصاياه. قال: وكان معاذ رضي الله تعالى عنه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة عالية، فإنه قال له: «يا معاذ، والله إني لا أحبك». والله إني لا أحبك. إذا أحب رجل شخصا فليعلمه، كما في حديث أنس: أن رجل قال: يا رسول الله، والله إني لا أحب هذا. قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أعرفته؟» قال: لا. قال: «فاذهب فأخبره». فذهب الرجل إلى ذلك الذي أحبه وقال له: إني أحبك في الله. قال له: أحبك الله الذي أحببتني من أجله. هكذا يرد حبك في الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ: «إني لأحبك». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بيّن له من محبتي له، قال له: «لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». هدية من النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ، غالية ثمينة. ينبغي أيضا على كل من أحب شخصا أنه يهديه من مثل هذه النصائح والتوجيهات والإرشادات التي ينتفع بها في ماذا؟ في حياته، في دينه، في دنياه، في سيره إلى الله جل وعلا. قال: وكان يردفه وراءه أيضا من محبة النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ أنه أردفه وراءه، فقد أردفه على ذلك الحمار. قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: «يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟» الحديث في الصحيحين، حديث معروف في كتاب التوحيد أيضا موجود. الإرداف على الدابة جائز، فقد أردف النبي صلى الله عليه وسلم غير واحد من الصحابة: ك معاذ، وابن عباس، وأسامة، والفضل بن عباس، وغير واحد. أردفهم عليه الصلاة والسلام خلفه، سواء كان على بعير أو كان على حمار. لكن دابة تتحمل، دابة قوية تتحمل الاثنين. ما هي دابة ضعيفة فيردف عليها يتعبها، هذا ليس من الرحمة. وإنما دابة قوية تتحمل اثنين في الإرداف. قال: وروي فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام. أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام هو معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صححه الألباني في الصحيحة: أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له. وهذه من مناقب معاذ، من مناقب معاذ بن جبل رضي الله عنه. قال: وأنه يحشر أمام العلماء برتوة، أي: بخطوة. أيضا هو أمام العلماء يتقدم العلماء يوم القيامة، معاذ بن جبل رضي الله عنه بخطوة، بخطوة. وفي رواية: برمية حجر، برمية حجر يكون أمامهم. من معاذ أمام العلماء يتقدمهم رضي الله تعالى عنه. وهذا أيضا حديث صحح الألباني بمجموع طرقه. قال: ومن فضله أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عنه وداعيا ومفقها ومفتيا وحاكما إلى أهل اليمن، فهو أهل لذلك. إذن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل معاذا إلى اليمن: مفتي، وقاضي، ومعلم. وقال له في وصيته له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». لما بعثه، وأبو موسى الأشعري أيضا. فالنبي عليه الصلاة والسلام يرسل العلماء وأهل الفتوى، ومن هم أهل لذلك، ممن أخذوا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وانظروا إلى ماذا؟ إلى علم معاذ رضي الله تعالى عنه. لما حضرته الوفاة وهو في الشام، لما حضرته الوفاة، قالوا له: أوصنا، إلى من توصينا بعدك؟ من نلزم من العلماء؟ قال: إن العلم... قال: «أجلسوني». إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما مكانهما. أين مكان العلم والإيمان؟ أين مكان العلم والإيمان؟ في الكتاب والسنة. حسنت في الكتاب والسنة. إن العلم والإيمان مكانهما، من أراد العلم والإيمان، من أين يأخذهما؟ من الكتاب والسنة. يزداد علما وأيضا إيمانا إذا تدبر وعمل. ثم أوصاهم بأربعة رهط: أوصاهم بابن مسعود، أوصاهم بأبي الدرداء، أوصاهم بسلمان الفارسي، أوصاهم بعبد الله بن سلام. أوصاهم بالعلم، الذين علم أنهم يجلس إليهم ويؤخذ عنهم، وربما يكون ممن بقي ممن؟ من الصحابة، ممن علمهم معاذ رضي الله تعالى عنه. وكذلك كان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام، وإبراهيم إمام الناس. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين. تشبيها له بإبراهيم. ما أحسن هذا التشبيه! إن معاذا كان أمة، كان أمة كما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمة. ما أصفه الله عز وجل. وهذه أيضا شهادة صحابي لهذا الصحابي الجليل. الأمة: من كان على الحق ولو كان وحده، كما قال ابن مسعود: من كان على الحق ولو كان وحده فهو أمة. وانظروا في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ما كان أحد من المؤمنين معه، ربما زوجه، أو لم يكن أحد معه في بداية الدعوة. إذ دعاهم إلى الله، ثم بعدما دعاهم قال الله عز وجل: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. فآمن له لوط. انظروا: إبراهيم كان أمة، وهو يصارع الشرك ويقاوم الشرك ويدعو الناس إلى التوحيد، فوصفه الله بأنه أمة. وهكذا معاذ من القانتين لله جل وعلا. قال: ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية، فعلم أنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها. مع أنها تفسير الوصية القرآنية، تفسير الوصية القرآنية. الوصية القرآنية: أن الله عز وجل وصى الناس بالتقوى، وقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. فوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، فجاء هذا الحديث بهذه الوصية تأييدا لماذا؟ للآية القرآنية، كما قال هنا رحمه الله تعالى: علم أنها جامعة. أوصاه بتقوى الله، فقال: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». قال: أما بيان جمعها، أي: أنها هذه الوصية جامعة، قال: فلأن العبد عليه حقان: حق لله عز وجل، وحق لعباده. كل عبد عليه حقان: حق لربه سبحانه وتعالى، وحق لعباد الله من الناس، سواء كانوا من أهله وذويه وقربته، أو من غيره من سائر الناس. عليهم أو لهم حقوق عليك. فإذا كيف تقوم بهذه الحقوق وبهذين الحقين؟ قال: ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا، لا بد أن يخل ببعضه أحيانا. يعني: عليك حقوق أنت لله، هل ستتمها وتأتي بها كاملة، أم أنك ستخل بها؟ وهذا لا شك ولا ريب أنك أحيانا ربما أخللت ببعض الحقوق التي عليك، سواء كانت هذه من حقوق الله عز وجل أو من حقوق عباده. قال: إما بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه. أحيانا أنت تترك بعض المأمورات، وترك المأمورات إما أن يكون عن عمد، وإما أن يكون عن خطأ ونسيان. يترك ماذا؟ بعض المأمورات. أو يرتكب كذلك بعض ماذا؟ المنهيات. قد يكون عن عمد، وقد يكون عن خطأ أو نسيان. هكذا حال العباد. كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي، حديث بذل الذي عند الإمام مسلم: «إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». إذن كل بني آدم عنده أخطاء، عنده نقص، عنده عيب، قد يرتكب بعض المحظورات أو المنهيات. فإذا كان كذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت». اتق الله، يعني: إذا فعلت شيئا من ذلك فعليك بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله ستنهاك. لأن تقوى الله كما تقدم هي فعل الأوامر وترك النواهي. فعل الأوامر وترك النواهي. فإن كانت عندك تقوى، فإن التقوى ستمنعك من ترك الواجبات، والتقوى ستمنعك من فعل المحرمات. قال: وهذه كلمة جامعة، هذه الكلمة من النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ كلمة جامعة: «اتق الله حيثما كنت». فمن اتقى الله عز وجل أدى الحقوق التي عليه لربه جل وعلا. قال: وفي قوله «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية. ما قال له فقط: اتق الله، وإنما قال له: حيثما كنت. إذن العبد له أحوال: إما يكون أمام الناس، وإما يكون مستخفيا من الناس. وفي هذا وفي هذا قد تكون عليه واجبات، أو كذلك ماذا؟ أو غيرها. فماذا يفعل؟ إذا أظهر للناس الفعل الحسن والجميل، وأخفى منهم القبيح، هل هذه تقوى؟ هذه ليست... ليست بتقوى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت»، أي: في السر والعلانية. فأنت أمام الناس لا تظهر لهم شيئا، لا تظهر لهم شيئا من ماذا؟ من المحرمات. وإذا خلوت ربما فعلت وارتكبت ماذا؟ بعض المحرمات. فهذه ليست تقوى. الإنسان الذي عنده تقوى يكون في السر وكذلك في العلن، يخاف الله عز وجل، لا يرتكب ماذا؟ لا يرتكب المحرمات. بل خوفه في السر أعظم، خوفه في السر أعظم من أن يعاقبه الله عز وجل من ماذا؟ من... من ماذا؟ بسبب ذنوبه ومعاصيه واستخفافه بهذه... بهذه الذنوب. قال بعض السلف، وهو سليمان التيمي: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته». يصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته. يتخفى من الناس، وبعد ذلك يظهر الله سبحانه وتعالى للناس هذا الذي استخفى منه، ربما ظهر... ظهر ذلك الذنب على صفحات وجهه، أو فلتات لسانه. وربما بعضهم يتحدث... النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون». ربما بعضهم ماذا يتحدث بماذا؟ بما فعل، فعل في ماذا؟ في الخفاء. فعلت كذا وفعلت كذا، عياذا بالله. فلهذا ربما ظهر شيء من ذلك. فإذا ستر الله عز وجل على عبده فليحمد الله سبحانه وتعالى وليتب إليه. وقال أبو سليمان الداراني: «الخاسر من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد». وبارز بالقبيح: أي بفعل السيئات والمعاصي، من هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو الله سبحانه وتعالى. فإذا هذا قال: الخاسر يظهر أمام الناس أنه ما حد مثله، أنه صالح، وأنه متقي، وأنه من الطائعين، وأنه كذا وكذا، أما في الخفاء فإنه ماذا؟ لا يبالي بتلك... بتلك المعاصي، فيرتكبها، عياذا بالله. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الوصية لمعاذ: «اتق الله حيث ما كنت»، أي: أنت محتاج إلى التقوى في السر وفي العلانية. ثم قال له صلى الله عليه وسلم: «واتبع السيئة الحسنة تمحها». هذه وصية ثانية، لأنك أنت قد تقع في الزلل، وتقع في الخطأ، وتقع في الذنوب والسيئات. فإذا ما كفارة ذلك؟ كفارة ذلك أنك إذا ارتكبت سيئة تبادر بفعل الحسنة، تبادر بفعل الحسنة. فالحسنة تمحو السيئات. ودليل ذلك قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. حسنات تأتي بالحسنات العظيمة والأعمال الصالحة الكثيرة، ما يمحو الله عز وجل بها تلك... تلك السيئات. وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فتلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية، فقال: يا رسول الله، هذه لي وحدي أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة». كل من وقع في سيئة فليبادر بالتوبة إلى الله قبل كل شيء. التوبة التي تكون بشروطها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. تكفير السيئات ومحو السيئات إنما يكون بارتكاب الحسنات. ومن أعظم الحسنات التوبة، والتوبة من التقوى، كما قال العلماء: من أعظم الحسنات الإنسان يقدم التوبة بين يدي... بين يدي عمله. فإذا أذنب ذنبا فإنه يتوب إلى الله. كما في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلا عمل ذنبا، وهو حديث قدسي. قال: «أذنَبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: يا رب، أذنبت ذنبا فاغفر لي. قال: فغفر الله له. ثم عاد فأذنب ذلك العبد ذلك الذنب، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنبا فاغفر لي. قال: أذنَبَ عبدي ذنبًا فعلم أن له ربا يغفر الذنب...» حتى قال في الرابعة: «فليعمل عبدي ما شاء». أي: كلما أذنب هذا العبد ذلك الذنب تاب، استغفر، ورجع إلى الله، وأناب إليه، وعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ما هم مصرين، وإنما إذا وقعوا في الخطأ تابوا إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه وصية عظيمة من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولها لمعاذ: «واتبع السيئة الحسنة تمحها». ومن رحمة الله عز وجل بعباده أنه جعل هناك مكفرات للذنوب وللسيئات. المكفرات كثيرة: من صلوات، ومن كذلك صيام، ومن صدقة، ومن كذلك عتق، ومن أيضا وضوء. فانظروا إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه: عندما توضأ وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، ماذا قال؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه». غفر له ما تقدم من ذنبه. عمل صالح يقدم هذا الإنسان بين يديه فيغفر له ماذا؟ من السيئات، ما شاء الله جل وعلا. كذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان»، وفي رواية: «والعمرة إلى العمرة، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للأعمال الصالحة، والحمد لله رب العالمين.