الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبيّن المقطع أن الجهاد في سبيل الله هو أرجح المكاسب ويليها عمل اليد، ثم يستعرض وصية شيخ الإسلام ابن تيمية بطلب العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم مع الاستعانة بالله. ويحذر من العلوم غير النافعة كالفلسفة والسحر والشعوذة والأحاديث الموضوعة، مؤكداً أن الكتاب والسنة يغنيان عن كل علم نافع دنيوي.
يؤكد المقطع على ضرورة التدرج في طلب العلم اتباعاً لمنهج السلف، بالبدء بحفظ القرآن وإتقانه ثم حفظ السنة وعلوم الآلة كالنحو واللغة. ويبين جواز تعلم العلوم الدنيوية النافعة بشرط عدم منافاتها للشرع، مختتماً بأهمية دعاء الهداية والثبات على الحق.
يشرح المقطع معنى الآية ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ بأنها جهل النبي صلى الله عليه وسلم بتفاصيل الشريعة قبل الوحي، ويقسم الهداية إلى عامة وخاصة. ثم يوفق بين حديث «كل مولود يولد على الفطرة» وقوله تعالى «كلكم ضال إلا من هديته» مستنداً إلى ابن رجب، محذراً من الانشغال بالفلسفة عن علم الكتاب والسنة.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء لله سبحانه وتعالى بأن ينير القلوب ويسدد الخطى ويهدي إلى الصراط المستقيم. ويعلن انتهاء رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. من بعد، أخذنا في الدرس السابق مسألة: أرجح وأفضل المكاسب، ما هي أشرف المكاسب؟ منهم من قال: الزراعة. نحن الآن نريد الترجيح: عمل اليد، الجهاد في سبيل الله أرجح، كما قال الحافظ: من عمل اليد ثم يأتي عمل اليد؛ لأن الجهاد في سبيل الله فيه إعلاء كلمة الله، وفيه كذلك ذل الكفار. قال: وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل رزقي تحت ظل رمحي. ثم عمل اليد، لحديث المقداد في البخاري: «ما أكل أحد قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وكان داود يأكل من عمل يده». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في وصيته - وهذا سيكون الدرس إن شاء الله الأخير في هذه الوصية، الوصية الصغرى، وبعده إن شاء الله نأخذ الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله - قال: «وَأَمَّا مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ من الكتب في العلوم»، يعني: السائل طلب من شيخ الإسلام أن يدله على الكتب التي ترشده، وكذلك يستفيد منها في حياته. قال: «فَذَلِكَ بَابٌ وَاسِعٌ، وَهُوَ أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَشْءِ الْإِنْسَانِ فِي الْبِلَادِ، وَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مِنَ الْعِلْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَذَاهِبِهِ فِيهِ مَا لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ». شيخ الإسلام يقول هنا: هذا يختلف باختلاف النشأة، يعني: طالب العلم الذي ينشأ في البلاد، ماذا يبتدئ؟ فيكون على حسب ما يبتدئ فيه أهل تلك البلاد، أو ما يتيسر له من العلوم النافعة على حسب ما يسيرون فيه. لم يرجح شيئًا رحمه الله تعالى، كما لم يرجح شيئًا في مسألة المكاسب؛ بأنه يختلف باختلاف الأشخاص. قال: «وَلَكِنْ جِمَاعُ الْخَيْرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي تَلَقِّي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى عِلْمًا، وَمَا سِوَاهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمًا نَافِعًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ عِلْمًا وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ». يقول: إذا أراد ماذا يقدم؟ فعليه أولًا بالاستعانة بالله عز وجل، ثم لا بد له من أن يتلقى العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو العلم الشرعي، لا يذهب إلى سواه من العلوم. وما سواه من العلوم فإما أن تكون نافعة - يعني في الدنيا - وإما أن لا تكون نافعة، وإن سُميت علمًا، كعلم الفلسفة، أو علم المنطق، أو علم الشعوذة والسيمياء والكيمياء ونحو ذلك. فهذه علوم لكنها لا تنفع. وقد بَوَّب شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في كتاب الجامع الصحيح بابًا في كتاب العلم، فقال: «باب: من العلم ما لا يجوز تعلمه». من العلم ما لا يجوز تعلمه. ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ». يعني: لا يجوز تعلم علم النجوم الذي يؤدي إلى السحر. أما أن يتعلمه لأجل الحساب فهذا جائز، لكن إن تعلمه لأجل السحر فإنه غير جائز. «زَادَ مَا زَادَ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ». والحديث رواه أبو داود. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من علم لا ينفع، كما في حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». فهناك علوم لا تنفع صاحبها، لا في دين ولا دنيا. وهنا يبين ويوضح الإمام الذهبي رحمه الله تعالى بعض العلوم التي يكره تعلمها، فيقول - كما في السير في المجلد العاشر -: «وَالْعِلْمُ الَّذِي يُكْرَهُ تَعَلُّمُهُ وَنَشْرُهُ: عِلْمُ الْأَوَائِلِ، يَعْنِي عِلْمَ الْكُفَّارِ الْأَوَائِلِ، وَإِلَهِيَّاتِ الْفَلَاسِفَةِ، وَبَعْضَ رِيَاضَتِهِمْ، بَلْ أَكْثَرَهُمْ، بَلْ يُسَمُّونَهَا الرِّيَاضِيَّاتِ، رِيَاضِيَّاتِ هَذِهِ رِيَاضِيَّاتُ الْأَذْهَانِ وَالْعُقُولِ. قَالَ: وَعِلْمُ السِّحْرِ وَالسِّيمِيَاءِ وَالْكِيمِيَاءِ وَالشَّعْوَذَةِ وَالْقِيَافَةِ وَنَشْرِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْقِصَصِ الْبَاطِلَةِ أَوِ الْمُنْكَرَةِ، وَرَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَكْذُوبَةً وَرَدَتْ فِي الصِّفَاتِ، لَا يَحِلُّ بَثُّهَا إِلَّا لِلْتَحْذِيرِ مِنْ اعْتِقَادِهَا، وَإِنْ أَمْكَنَ إِعْجَامُهَا فَحَسَنٌ». انتهى كلامه رحمه الله. يشير إلى أن بعض الناس قد ينشغل بمثل هذه العلوم ويظنها نافعة، وهذه عند السلف تعتبر محرمة، مثل ما ذكره من الفلسفة التي فيها الكفر الصريح، والنظريات الباطلة، مثل أن الإنسان أصله كان قردًا، أو كما يقولون: الحياة مادة، المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من العدم، إلى آخر هذه النظريات التي كانت تدرس، وللأسف، في بلاد المسلمين في كلياتهم وجامعاتهم ومدارسهم. قد كان هذا موجودًا في زمن الاشتراكية بكثرة، تدرس هذه المواد التي تسمى الفلسفة، تقرر فيها مذاهب أهل الكفر، ويغذى أبناء المسلمين بمثل هذه التفاهات ومثل هذا الكفر الصريح، والعياذ بالله. فهذا لا يجوز تعلمه في مدارس المسلمين. كذلك علم السحر لا يجوز تعلمه، وهذه أيضًا التي تسمى السيمياء والكيمياء والشعوذة والحيل، كل هذه علوم باطلة لأنها تؤدي - والعياذ بالله - إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى. وكذلك من العلوم التي لا يجوز تعلمها: هذه القصص المنكرة والباطلة. ترى واحدًا يعني ربما سنوات، يرغل أربع سنوات يتعلم عند الإخوان المسلمين، يتعلم ماذا عندهم؟ يتعلم قصصًا وأحاديث، هذه التي سُميت قصاصًا، فهو لا يتعلم، ثم يخرج للناس قاصًا، يعني عنده قصة دائمًا، عنده قصة، عنده قصة، فيروي للناس هذه القصص والأحاديث المكذوبة من إسرائيليات نحو ذلك. فهذا لا يجوز تعلمه. وهكذا الأحاديث الكثيرة المكذوبة في الصفات، لا يحل نشرها للناس وبثها بينها؛ لأن هذه تؤدي إلى أن يكون الناس في اعتقادات فاسدة وباطلة. وبعد ذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وَلَئِنْ كَانَ عِلْمًا نَافِعًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي مِيرَاثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ مِمَّا هُوَ مِثْلُهُ وَخَيْرٌ مِنْهُ». فالله سبحانه وتعالى أغنانا بهذا الدين العظيم في الكتاب والسنة، فيهما كل خير. فإن كانت هذه كما تسمى علومًا نافعة، ففي الكتاب والسنة خير منها، وما يغني عنها مما هو مثلها وخير منها. والهمة: فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه ووسائل كلامه. ذلك ينبغي أن تكون همة الطالب: أن يفهم مراد النبي عليه الصلاة والسلام في الأمر والنهي. فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى، ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك. إذن ينبغي أن يتدرج أيضًا الطالب في تلقي العلوم. طالب العلم ينبغي أن يتدرج في تلقي العلوم، لا يأخذ علمًا دفعة واحدة، أو يذهب ويخبط يمينًا وشمالًا، يريد أن يحصل كل العلوم. ليس هذا سبيل السلف، بل كان السلف رحمهم الله أول ما يبدؤون بحفظ القرآن، كما قال حذيفة: «فَعَلَّمُونِي مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلَّمُونِي مِنَ السُّنَّةِ» في البخاري. يعني: أولًا يتعلمون القرآن، ويتعلمون السنة، يحفظون القرآن حفظًا متقنًا، ثم بعد ذلك يحفظون السنة. وهكذا طالب العلم ينبغي له أن يتدرج، فيحفظ القرآن وينشط فيه ويجتهد فيه. يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله مبينًا أن طلب العلم درجات: أن طلب العلم درجات، لا يحصل العلم كل أحد، وإنما ينبغي على أن يتدرج كما تدرج أولئك في أخذ العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فحصلوه. قال رحمه الله - كما في جامع العلوم والحكم -: «طَلَبُ الْعِلْمِ دَرَجَاتٌ وَمَنَازِلُ وَرُتَبٌ لَا يَنْبَغِي تَعْدِيهَا، وَمَنْ تَعَدَّاهَا جُمْلَةً فَقَدْ تَعَدَّى سَبِيلَ السَّلَفِ، فَقَدْ تَعَدَّى سَبِيلَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ تَعَدَّى سَبِيلَهُمْ عَامِدًا ضَلَّ» - أي: ضل الطريق، صار بعد ذلك يخبط، ما يدري منهج السلف ومذهب السلف. السلف كيف كانوا يتلقون العلوم عن مشايخهم؟ يتلقونها بالتدرج. «وَمَنْ تَعَدَّاهَا مُجْتَهِدًا زَلَّ» - يعني: يريد أن يجتهد فإنه يزل. «فَأَوَّلُ الْعِلْمِ حِفْظُ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَتَفَهُّمُهُ، وَكُلُّ مَا يُعِينُ عَلَى فَهِمِهِ فَوَاجِبُ طَلَبِهِ مَعَكَ، وَاجِبُ طَلَبِهِ مَعَكَ». كل ما يعينك على فهم الكتاب فينبغي عليك أن تطلبه، مثل النحو. النحو هذا مهم يعينك على فهم كتاب الله. اللغة العربية ينبغي أن تتعلمها وتدرسها وتفهمها لكي تفهم كتاب الله جل وعلا. وهكذا غيرها من العلوم: الناسخ والمنسوخ، العام والخاص، المطلق والمقيد. هذه علوم تعتبر علوم قرآن. التجويد كذلك هذا من علوم القرآن. فينشط في هذه العلوم التي تعينه على فهم كتاب الله أو على حفظ كتاب الله جل وعلا. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وبنحو هذا الكلام قال الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي. وهكذا أيضًا قال النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع، وهي مقدمة نفيسة، مقدمة في طلب العلم، شرحها العلامة عثيمين رحمه الله تعالى. فسبيل السلف هذا هو: أن يعتنوا بكتاب الله جل وعلا، ولا يتعدوا. ولا يعني ذلك من باب كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: من باب الفرض والفريضة، لكن هذا هو الذي كان عليه السلف رحمهم الله تعالى: أنهم يعتنون بكتاب الله جل وعلا، حتى أن بعضهم ما كان يحدث من المحدثين، ما كان يحدث بالأحاديث حتى ماذا؟ حتى يقول للطالب: اذهب فاحفظ كتاب الله. فإذا وجده حفظ كتاب الله حدثه بعد ذلك. وهذا لشدة اعتنائهم بالقرآن العظيم. ثم أيضًا بعد ذلك يتدرج، بعد ما يحفظ الكتاب، كما قال النووي رحمه الله تعالى: يتدرج في العلوم، فيبدأ بعلوم المختصرات، يأخذ في العلوم مختصرات تعينه على بعد ذلك المطولات. ما يأخذ المطولات مباشرة، وإنما يأتي لآء المختصرات، المتون المختصرة، سواء كانت نظمًا أو كانت نثرًا. وهكذا كان السلف يعلمون طلابهم: يبدأون بالمختصرات، يقال: بلان حفظ مختصر كذا ومختصر كذا، أو منظومة كذا، أو متن كذا، يحفظه. بعد ذلك يقرأه على ذلك الشيخ، فإذا فهمه جاء إلى شيء آخر. فيبدأون بأهم العلوم، يبدأون بأهم العلوم: كعلم نحو اللغة العربية، يهتمون بها، يجعلون الفقه وأصوله وأصول الفقه في آخر شيء. يبدأون بمثل هذه العلوم النافعة: علم الحديث، وكذلك علم اللغة العربية. يقول: هل الكيمياء والفيزياء وعلم الرياضيات والحاسوب وغيرها من العلوم العصرية تندرج تحت الكيمياء وغيرها من علوم الفلاسفة؟ لا، هذه علوم مباحة، هذه علوم جائزة، يتعلم هذه الأشياء. لكن المراد بالكيمياء التي تكون تؤدي إلى عمل السحر، وهي خلط أدوية وغير ذلك يؤدي بها إلى سحر المسحور، كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: «وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمِيَاءِ تَنَدَّقَ» - يعني: يؤدي إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى. أما هذه الفيزياء والرياضيات، إذا لم يكن فيها شيء مما يخالف كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام فجائز تعلمها، لكن يشتغل الإنسان بما هو أنفع له، ولا بأس أن بعد ذلك يطلب شيئًا مما يعينه على أمر دنياه إن أحب ذلك. ثم قال: «وَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَعْتَصِمَ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ بِأَصْلٍ مَأْثُورٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ فَلْيَدْعُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمُخْتَلِفٍ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، حديث رواه مسلم. دعاء عظيم ينبغي علينا أن نحفظه، وكذلك أن نأتي به في صلاتنا؛ لأن فيه سؤال الهداية التي لا يستغني عنها أي مسلم، ما يستغني عن سؤال الله عز وجل الهداية، أن يهديه إلى الطريق المستقيم، وإلى مختلف فيه الناس، سواء كان من العلوم أو من غيرها. فهذا سؤال عظيم. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه بهذا الدعاء، فنحن أحوج. وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا الحسن أن يقول في وتره: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ» إلى آخر ذلك الدعاء. «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتِ» - فقدم سؤال الهداية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى». علم أكثر واحد من الصحابة أن يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي» - هكذا دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: سؤال الله الهداية. ونحن كذلك، بل من أعظم ما يعين المسلم أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده أن يسألوه الهداية في كل صلاة، في كل صلاة، في قوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فيه سؤال الله عز وجل الهداية؛ لأن العبد محتاج إلى هداية الله عز وجل. ولهذا ذكر هنا قال: فإن الله تعالى قد قال كما روى عنه رسوله: «يَا عِبَادِي كَلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». كلكم ضال إلا من هديته، يعني: كلكم غير عالم، كلكم جاهل، ضال عن الطريق المستقيم إلا من هديته إلى الطريق المستقيم. فإن الإنسان حينما يخلق، يخلق عالمًا أم جاهلًا؟ يخلق جاهلًا. والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون. فإذا نحن نحتاج إلى الهداية، أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا. والله عز وجل قد قال لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال: ماذا عليه الصلاة والسلام؟ قال: ماذا؟ ربنا لرسوله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. ما معنى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾؟ ما معنى ذلك؟ نعم: غير عالم بتفاصيل الشريعة. وكذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. والله عز وجل أوحى لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا النور، فعلمه. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: أي هدى. فالإنسان الآن يحتاج إلى هذه الهداية. والهداية على قسمين: مجملة، ومفصلة. وكذلك مخصصة. مجملة: هداية مجملة، هداية للإيمان والإسلام، هداية للإيمان والإسلام، هذه عامة لكل مؤمن، أن المؤمن يسأل الله عز وجل الهداية للإسلام والإيمان. وهداية هناك... هناك هداية خاصة، هذه هداية خاصة، تسأل الله عز وجل لها دائمًا، أن الله عز وجل يعلمك ما لم تكن تعلم، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيم. هذه التي ينبغي أن تستزيد منها دائمًا: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، فِيمَنْ هَدَيْتَ دِينَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ». وهكذا تسأل الله سبحانه وتعالى الهداية التي فيها أن الله عز وجل يعلمك تفاصيل الشريعة وما خفي عليك منها، تتعلمها، فيهديك الله عز وجل ويفتح لك الطرق والسبل. ولا تظن أن هذا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه: أن الله عز وجل يقول: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ». يعني: أن المسلم أو أن المولود يولد على الفطرة، يولد على الفطرة. فكيف يكون ضالًا وهو يولد على فطرة الإسلام؟ هذا إشكال ربما قد يقول: هذا يتعارض مع هذا. هذا الآن مولود على فطرة الإسلام، بعدين يأتي من يأتي، أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. لكن أول ما يولد يولد على فطرة الإسلام، فكيف يكون ضالًا؟ وهنا يقول الله عز وجل: «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ». أجاب على هذا الإشكال الحافظ ابن رجب رحمه الله، حيث ذكر هذا الإشكال في جامع العلوم والحكم، ثم أجاب عنه. وهذا من باب الفائدة نذكرها لإخواننا في هذا الباب. قال رحمه الله: «قَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ. فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ بَنِي آدَمَ وَفَطَرَهُمْ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ جَاهِلًا». قال: بالفعل فإنه قبل التعلم جاهل، لا يعلم شيئًا، كما قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، والمراد: وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ إلى آخر الآية. فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، لما يولد يولد مفطورًا على قبول الحق. بعد ذلك من الذي يغيره؟ يغيره أبوه، ويغيره مجتمعه. قال: «فَإِنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَّبَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ الْهُدَى». فإن هداه الله عز وجل تأتي هنا الهداية الخاصة، أن الله عز وجل يهديه إلى ماذا؟ إلى هذا الدين العظيم، فيهيئ له من يعلمه، يعلمه دين الإسلام. الآن الصغير هذا خلق جاهلًا، فبعد ذلك عندما ينشأ هو الآن مستعد لقبول ماذا؟ دين الإسلام، مفطور على هذا. فمن الذي الآن جعله يتعلم وجعله يهتدي إلى هذا الخير العظيم الذي فطر عليه؟ هما أبوه، فيعلمانه دين الإسلام، فيعلمانه الصلاة، ويرشدانه إلى ماذا؟ إلى بيوت الله عز وجل. قال: «فَصَارَ مُهْدِيًّا بِالْفِعْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُهْدِيًّا بِالْقُوَّةِ». يعني: لما يكون يولد مهديًا بالقوة، وعندما يعلم يكون مهديًا بالفعل. قال: «وَإِنْ خَذَلَهُ اللَّهُ خُيِّضَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَا يُغَيِّرُ فِطْرَتَهُ». إذا أراد الله عدم هدايته، والآن يولد على الفطرة، بعد ذلك يأتي من يعلمه النصرانية وهو الصغير، ويأتي من يعلمه اليهودية وهو صغير، أو المجوسية وهو صغير، خذله الله سبحانه وتعالى. قال: كما قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» إلى آخر ما ذكره في هذا في شرح هذا الحديث. قال شيخ الإسلام: «وَأَمَّا وَصْفُ الْكُتُبِ وَالْمُصَنِّفِينَ، فَقَدْ سَمِعَ مِنَّا فِي أَثْنَاءِ الْمُذَاكَرَةِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَمَا فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الْمَبْوَبَةِ كِتَابٌ أَنْفَعُ مِنْ صَحِيحِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، لَكِنْ هُوَ وَحْدَهُ لَا يَقُومُ بِوَصُولِ الْعِلْمِ، وَلَا يَقُومُ تَمَامُ الْمَقْصُودِ لِلْمُتَبَحِّرِ فِي أَبْوَابِ الْعِلْمِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحَادِيثَ أُخَرَ وَكَلَامِ أَهْلِ الْفِقْهِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِعِلْمِهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ». يعني: للعالم المتبحر علوم أخرى يستزيد منها، لا يكفيه صحيح البخاري، بل صحيح البخاري ومسلم، وينظر في السنن والمجامع والمسانيد وغيرها من كتب الحديث والفقه. قال: «وَقَدْ أَوْعَبَتِ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إِيعَابًا، يَعْنِي: مَا تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ كَمَا يَقُولُونَ، فَمَنْ نُورَ قَلْبُهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَجْدِهِ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إِلَّا حَيْرَةً وَضَلَالَةً». إذا نور الله قلبك فتح لك من العلوم، وفتح لك أيضًا من الكتب ما يبلغك المقصود. ومن أعماه الله عز وجل بصيرته، ولو كانت عنده مكتبات الدنيا كلها، لم تجده إلا حيرة وظلالة، كما ضل وحار ذلك المعري وغيره، مثل الشهرستاني الذي يقول: «لَقَدْ طُفْتُ لِعُمْرِكَ الْمَعَاهِدَ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِبِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنًّا نَادِمًا طَاعَ فِي الْأَرْضِ وَدَارَ وَهَكَذَا يَقُولُ ذَلِكَ: تِلْكَ نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُهَا وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُهَا لِلرَّازِي هَكَذَا وَأَجْسَامُنَا فِي وَحْشَةٍ وَعُقُولُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا وَغَايَةُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُهَا وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمُرِنَا سَوَاءٌ جَمَعْنَا أَوْ قُلْنَا». بحث في ماذا؟ البحث في صحيح البخاري، في صحيح مسلم، في الكتب، في القرآن؟ لا، بحث في الفلسفة. ذهب إلى هذه العلوم، مع ذلك ما حصل؟ النتيجة آخر عمر: حصل كلام فارغ، قيل وقال. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبيد الأنصاري: «أَوَلَيْسَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟» هذه لأن الله سبحانه وتعالى لم يرد لهم ذلك. ولهذا ينبغي على المسلم أن يستغل بعلوم الكتاب والسنة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينور قلوبنا، وأن يسددنا، وأن يهدينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبهذا تمت رسالة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والحمد لله رب العالمين. البصورة البقى