التعليق على كتاب الوصية الصغرى 10

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل العمل باليد وترجيح الزراعة والجهاد

يبيّن المقطع أن أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، وترجح الزراعة لاجتماع خصال العمل والتوكل والنفع العام والأكل بغير عوض، بينما يعد الكسب من الجهاد في سبيل الله أرفع منها لإعلاء كلمة الله. وتختلف أفضلية العمل باختلاف أحوال الأشخاص وقدراتهم مع تأكيد فضائل العمل اليدوي في كسر النفس والتعفف عن السؤال.

مشروعية العمل وآداب طلب الرزق

يستعرض المقطع تنوع مهن الصحابة رضي الله عنهم كدليل على جواز الكسب باليد، ويؤكد على آداب أخذ المال بسخاوة نفس دون إشراف أو طمع. كما يوجه الاهتمام للآخرة وجعل الدنيا تبعاً لها مع ترك اختيار المهنة للاستخارة وتقدير حال كل شخص.

أهمية الاستخارة والالتزام بالعمل الميسر

ينصح المقطع باللجوء إلى صلاة الاستخارة عند الحيرة في اختيار العمل لأن الله يفتح للخائر من فضله وبركته. ويؤكد على التمسك بالعمل الذي يسره الله وعدم التكلف بغيره إلا لكراهة شرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تكلمنا في الدرس السابق عن مسألة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في "أرجح المكاسب"، وذكر التوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به. وهكذا ينبغي أن يهتم كل من يهتم بأمر الرزق أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى ويدعوه، فإن الله عز وجل قال: ﴿يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ﴾. وذكرنا الأدلة المتكاثرة التي فيها العمل باليد، وأنه ما أكل أحد قط أفضل مما أكل من عمل يده، وأن فيه ثوابًا وأجرًا عند الله سبحانه وتعالى. وهذا كله لمن لم يضيع الحبوب والواجبات والفرائض التي افترضها الله عز وجل على عباده، فخير له أن يعمل بيديه ويتكسب. فقد كان بعض أنبياء الله عز وجل قد عُرف ببعض الحرف والمهن، فقد كان داود عليه الصلاة والسلام يأكل من عمل يده، ولا يحب أن يأكل إلا من عمل يده، مع أنه عليه الصلاة والسلام غير محتاج إلى ذلك، ولكن تعليمًا للأمة وكسرًا لهذه النفس. هو خليفة الله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾، هو خليفة، ومع ذلك تأتيه الأموال، إلا أنه استحب لنفسه أن يأكل من عمل يده. وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان كذلك يبيع ويشتري ويرهن، واشتغل عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم. وأيضًا كان الصحابة في عهده ومن بعده يعملون. فقد ذكرنا عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال كما في البخاري: «لم تكن حرفتي تعجز عن مؤونة أهلي، ولكن شغلت بأمر المسلمين»، لأنه صار خليفة، وإلا فقد كان من قبل يشتغل لأهله وعياله. وهكذا أيضًا تقول عائشة: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم»، كانوا عمال أنفسهم، يعني ما كانوا يحتاجون إلى أحد ويمدون أيديهم، بل كانوا يعملون لأنفسهم. فمنهم المزارع، وقد كان الأنصار أهل نخل، وكانوا يزرعون ويشتغلون بالزراعة، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة من المرات وقالوا: يا رسول الله، لو دعوت الله أن يفجر لنا هذه الجبال أنهارًا، إلى آخره. وأيضًا كان عمر رضي الله عنه يشتغل ويتكسب لنفسه وعياله، وربما خفي عليه بعض حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما ذكرنا قصة الاستئذان مع أبي موسى الأشعري، حتى قال: «ألهاني الصفق بالأسواق». وهكذا يقول أبو هريرة: «كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إخواني من المهاجرين والأنصار يلهيهم الصفق بالأسواق»، بمعنى شغلهم ذلك. وهذا ليس بعيب، بل ينبغي للرجل أن يكون عاملًا بيديه ويأكل من عمل يده إن استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولكن لا ينبغي عليه أن يضيع، فقد وصف الله عز وجل الصحابة بأنهم رجال، فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يعني إذا حضر ذكر الله كانوا هم الرجال، فإنهم يسعون لذكر الله ويتركون ما بأيديهم من الأشغال ومن الأعمال. وهكذا أيضًا إذا جاء حق الله من زكاة أو صدقة كانوا هم السابغين، كانوا هم السابقين إلى هذا المجال، فلا يتركون حقًا من حقوق الله عز وجل، ولا تلهيهم التجارة، ولا تطغى عليهم، بل ينفقون في سبيل الله جل وعلا. فقد كان منهم التجار كعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وأبي بكر، وكعب بن مالك، وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يذكر عنهم رضي الله تعالى عنهم تفريط أو تضييع لحقوق وواجبات، بل ذكر عنهم بخلاف ذلك: السبق والمسارعة إلى الخير والإنفاق في سبيل الله. فهم يعملون لدينهم أيضًا كما عملوا للدنيا، بل نصيب الآخرة كان أكبر همهم، كان أكبر هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلا يشتغلون إلا لأجل أن يعفوا أنفسهم عن ذل السؤال. وأما ما ذكرناه من هذه المسألة العظيمة، وهي: ما هي أفضل المكاسب؟ ما هي أفضل المكاسب؟ وذكرنا أن المكاسب على ثلاثة، ومنهم من يقول أربعة: هي الزراعة والصناعة والتجارة، فما من مكسب لله وهو داخل تحت هذه الأنواع الثلاثة. فاختلف أهل العلم في ذلك، وقد ذكر الحافظ هذه المسألة بشيء من التفصيل، فقال رحمه الله: «وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة»، يعني الصناعة، أن يصنع بيديه أي شيء، يعمل بيديه أي شيء. «قال: والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة»، أن يتاجر، يشتري ويبيع، هذه التجارة. «قال: والأرجح عندي» -أي الماوردي- «أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل»، إلى أنها أقرب إلى التوكل. يقول: أفضل من التجارة الزراعة؛ لأن فيها توكلًا على الله سبحانه، بحيث هذا المزارع يزرع ويبذر ويطرح ما في الأرض، يطرح في الأرض، ثم بعد ذلك يتوكل على الله في إخراجه. وتعقبه النووي بحديث المقدام، النووي تعقب الماوردي، وكلاهما شافعي، بحديث المقدام. ما هو حديث المقدام الذي في البخاري؟ وقد ذكرناه في الدرس السابق. من يقول حديث المقدام؟ لا، ما هو هذا؟ هذا في غير البخاري. هو حديث المقدام: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي، ما أكل أحد قط خيرًا من عمل يده»، أفضل من عمل يده. هذا يقول النووي: أن هذا أفضل؛ لأنه قال: «ما أكل أحد قط أفضل من عمل يده»، أو قال: «أطيب» في رواية: «من عمل يده»، فهو أطيب من التجارة، أو فهو أطيب من الزراعة. يقول: الذي في الباب، وأن الصواب أن أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، لوجود النص، لوجود حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد قط أطيب» ماذا؟ «من عمل يده»، يعني لما يشتغل بيده ويتحرك، هذا أطيب من غيره. ثم هذا عمل اليد قد يجتمع فيه شيء آخر، فيكون أفضليته بهذا الشيء الآخر كذلك. قال: «فإن كان زراعًا فهو أطيب». نقول الآن: هذا مزارع، هذا مزارع الآن، لا شك أن المزارع يشتغل بعمله، أو يشتغل بيده، فهو يحترف، هذا مزارع، فيكون الآن ماذا؟ هذا المزارع هذا أفضل من غيره ممن لا يعمل بيده ولا يتحرك، هذا أطيب وأفضل من غيره. قال: «فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل يد، وفيه توكل، ولما فيه من النفع العام للآدم والدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض». إذن هنا كأن النووي يميل إلى ترجيح الزراعة، الزراعة اجتمعت فيها أمور، ما هي الأمور الأربعة؟ قال: أولها: هي عمل يد، وهذا فيه نص. الشيء الثاني: أن فيها التوكل على الله عز وجل. الشيء الثالث: أن فيها نفعًا للآدمي نفسه ولغيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو حيوان أو طائر» -أو طير- قال: «إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة». فنفع الزراعة متعدٍ للشخص وأيضًا لغيره، فيكون أنفع لهذا الذي يزرع ويبذر، ففيه هذه النفع الثلاثة. وأيضًا هي فيها أكل بغير عوض. ترون أن الزراعة لما تكبر وتنضج الثمار يأتي من يأتي ويأكل، فيأتي الطيور، الطيور تأكل، ويأتي الإنسان أيضًا، الأولاد غالبًا يتعدون على هذا فيأكلون، وربما أخذوا، فإذن يكون بغير عوض، بغير مقابل، ما يحصر شيء هذا المزارع إلا أن هؤلاء أخذوا من ماذا؟ مما عمل. قال: «قلت: وفوق ذلك من عمل اليد». طيب، هذا الآن فيه ترجيح النووي للزراعة؛ لأنها فيها أمور أربعة. ثم قال الحافظ: «وفوق ذلك»، يعني فوق الزراعة بقي أمر ما ذكره، وهو ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخروي. أفضل من الزراعة أمر هو أيضًا من عمل اليد، ما هو؟ الجهاد في سبيل الله، الجهاد، ما يكتسب من أموال الكفار في الجهاد في سبيل الله، هذا أفضل؛ لأنه مكسب الرسول صلى الله عليه وسلم، لقوله: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي». فهذا أفضل مكسب، فيه إعلاء كلمة الله تعالى، وهذا هو المطلوب، العمل لما يكون فيه إعزاز لهذا الدين يكون أرجح مما يكون ليس فيه إلا نفع الشخص لوحده. فهذا الأمر وهو الجهاد فيه إعلاء كلمة الله، وفيه تحصيل لهذه المكاسب، ونفع المسلمين من خلال ما يؤتى من أموال الكفار، فإنها تقسم على المجاهدين، ويرجع أيضًا خمسها لبيت المال، فينتفع جميع الناس من هذا. وهذا هو كان مكسب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأيضًا فيه خذلان الأعداء، وفيه نفع في الآخرة، يعني بأنه مما رتب عليه الأجر في الآخرة، فيكون الجهاد يعني ما يكتسب من الجهاد من أموال الكفار أفضل. ثم قال أنه رحمه الله: «ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا»، فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا. واحد ما يستطيع يعمل، يقول: أفضل له ماذا؟ يذهب له ويغرس له شيء من هذه المغروسات حتى ينفع نفسه أو ينفع غيره. ثم قال الحافظ رحمه الله: «والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله». يعني يقول الحافظ: ليس في هذا ترجيح لشيء من هذا، لا زراعة ولا تجارة ولا صناعة، لكن نقول: يختلف باختلاف الأشخاص، يختلف باختلاف الأشخاص، فكل شخص ربما يكون هذا أنفع له، وهذا هو الذي يقوى عليه. فهذا الصياد يقوى على ماذا؟ على الاستياد، وذاك يقوى على الزراعة، وذاك يقوى على أن يسوق المركوبات، وهكذا، ذاك يقوى على أن يصنع شيئًا من المصنوعات. قال: «كل بحسبه»، فما دام أنه يعمل بيديه فهو أفضل ممن لم يعمل بيديه. فهذه الأدلة كلها تدل على أن الإنسان لا يجلس عاطلًا، لأن إذا لم يشتغل فإنه ستأتيه البطالة، فيكون بطالًا، وربما لجأ إلى ما حرم الله جل وعلا. فما هو فضل العمل باليد؟ فضل العمل باليد أمور ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى، منها: الشغل بالأمر المباح عن البطالة، هذا الأول، أن الذي يعمل بيده يشتغل بأمر مباح، أي أباحه الله عز وجل، عن أن يكون بطالًا عاطلًا، ليس في شيء من أمر الدين ولا من أمر الدنيا. وأيضًا كسر النفس، يكسر نفسه عن التكبر، فإذا عمل بيديه فإنه يكسر هذه النفس. وأيضًا التعفف عن ذل السؤال، وهذا من أعظمها، أنه لا يكون يسأل الناس. فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث الزبير: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أن يسأل الناس»، أو يبقى مستشرفًا لأموال الناس، طامعًا فيما في أيديهم. لكن لو ذهب واشتغل لكسر هذا، لكسر هذا، فلا يجلس الإنسان هكذا بدون عمل، فعليه أن يعف ويعف نفسه عن ذل السؤال والحاجة إلى الغير، مع ما ذكر من الأجر، من الأجر: «من بات كالًا من عمل يده بات مغفورًا له». فكلنا يحب هذا أن يبيت مغفورًا له، فإذا يتحرى الإنسان على حرفته أو على صنعته، ويتكسب منها لنفسه ولأهله، ويتعفف عن ذل السؤال أو الاستشراف لما في أيدي الناس. وأيضًا تبويبات أهل العلم كثيرة في هذا الباب، تبويبات أهل العلم كثيرة، لو نظرنا في صحيح البخاري في كتاب البيوع، لو وجدنا تبويبات كثيرة، كلها كانت حرة، منها لبعض الصحابة، ومنها لغيرهم. فقد بوب البخاري: باب الخياط، وباب النساج، وباب في الجزار، وباب في القصاب، يعني الذي يذبح، وهو ما يقال له الجزار، كذلك، وباب في النساج، يعني الذي ينسج الخيوط، وباب في الخياط، وباب في الحداد، هذه كلها أبواب موجودة في صحيح البخاري، وذكر أدلة منها كثيرة. منهم من كان يشتغل، كان خباب قينًا، قال: «كنت قينًا في الجاهلية، وكان لي مال على العاص بن وائل»، الحديث في البخاري. القين هو ما هو؟ ما يقال له الحداد، هو ما يقال له الحداد. فهكذا الصحابة رضي الله عنهم اشتغلوا بأعمال تنفعهم، مع عدم تفريطهم وتضييعهم لما أمر الله جل وعلا. قال شيخ الإسلام: «وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقال سبحان: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾». انتشروا في الأرض، هكذا يأمر الله عز وجل، وهذا أمر إيجاب. قال: «وهذا وإن كان في الجمعة فمعناه قائم في جميع الصلوات، ولهذا والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج يعني الآن داخل للعبادة فيقول: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، فإذا خرج من المسجد هناك دعاء آخر فيه سؤال الله الرزق، فقال: يقول: «اللهم إني أسألك من فضلك»، الآن جاء الدعاء بماذا؟ بفتح أبواب الرزق، أنه إذا خرج من المسجد ينظر في ماذا؟ فيما ينفعه في دنياه كذلك. وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، وهذا أمر، والأمر يقتضي الإيجاب. فالاستعانة بالله واللجوء إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم، وينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه، يعني إذا أعطي مالًا فإنه ينبغي له أن يأخذه بسخاوة نفس، ومعنى سخاوة النفس: غير إشراف ولا طمع، من غير إشراف ولا طمع. ولهذا جاء في حديث حكيم بن حزام المتفق عليه أنه قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني» -أي من المال- «ثم سألته فأعطاني، فقال بعد ذلك: يا حكيم، إن هذا المال حلو خضر، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع». هذا الذي يأخذه بطمع، يعني ينظر ما في أيدي الناس، ويتشرف لأموالهم، أما إذا أعطي شيئًا من غير ذلك فيأخذه بسخاوة نفس. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر مالًا، فقال: «يا رسول الله، أعطه من هو أفقر مني». ابن عمر ما يرى نفسه محتاجًا، قال: «يا رسول الله، أعطه من هو أفقر مني»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «خذه، فما جاءك من هذا المال غير مستشرف فتموله، إن شئت أكلته، وإن شئت تصدقت به، وما لا فلا تتبعه نفسك، وما لا فلا تتبعه نفسك»، يعني لا تظل تتبع أموال الناس، وإنما إذا جاءك شيء، إذا جاءك شيء من الأموال، خذه من غير إشراف، من غير إشراف، تموله، وبعد ذلك لك أن تفعل فيه ما شئت من الصدقة أو من الأكل. قال: «ولا يأخذه بإشراف وهلع، بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له في القلب مكانة، والسعي فيه إذا كان إصلاح الخلاء، كما تحتاج إلى الخلاء تذهب، أيضًا المال اجعله هكذا، لا تجعله في قلبك، بل اجعله في يديك». قال: «وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره: من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله، وفرق عليه ضيعته، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». حديث عظيم، وهو حديث صحيح، جاء من حديث أنس بن مالك، وفيه يزيد الرقاشي، لكن الحديث بمجموع طرقه قد صح، عن زيد بن ثابت أيضًا، صححه العلامة الألباني، وشيخنا مقبل رحمه الله تعالى. «من أصبح والدنيا أكبر همه»، يعني ما يفكر إلا في الدنيا، فليس معنى هذا أن الإنسان ما نذكر من الأدلة على العمل باليد والشغل أننا خلاص نترك أمور العلم والتعليم والدعوة إلى الله عز وجل، وما ينفعنا في الآخرة. الله عز وجل قال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، هي الدنيا ستأتيك، فأنت لا تتعجل لها، بل اطلب الآخرة، فكلما طلبت الآخرة فإن الدنيا ستأتيك. وقال بعض السلف: «أنت محتاج إلى الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، كما أنت محتاج إلى المال لتصرف به معاشك، فإنك أحوج إلى الآخرة أكثر مما تحتاج من الدنيا»، فلهذا تبدأ بماذا؟ تبدأ بنصيب الآخرة. قال: «فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظامًا». ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة كما تقدم في المسألة، هل يتعين شيء من هذه، وأرجح شيء من هذه، قاله غير ذلك؟ فهذا يختلف باختلاف الناس، كما قال الحافظ ابن حجر: «ولا أعلم في ذلك شيئًا عامًا، لكن إذا عنَّ للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها»، لاستخار المتلطف عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم، كما تقدم. أنت احترت ما هو أفضل عمل تسلكه، تشتغل فيه، عليك بيئة الاستخارة، فإذا استخرت الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى يفتح لك من فضله، قال: «فإن فيها من البركة ما لا يحاط به، ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره»، يعني يسر لك الله بعمل، إلزمه، فهذا لا تتكلف غيره، تذهب وتتشعب في أمور أخرى. قال: «فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددنا، وفقنا، والحمد لله رب العالمين.